جوزيف سماحة وداعا يا قلبي

حجم الخط
0

جوزيف سماحة وداعا يا قلبي

عناية جابرجوزيف سماحة وداعا يا قلبيمات جــــوزيف سماحة، مات صديــــقي والمدينة فارغة كلها. كان يمكن من كلمتين لك تقـــولهــما علي التليفــــون، قبل ان تمضي الي لندن لتعــــود بمي غصـــوب الي موطنها، تكوين نهاية اصدقها، يمكــــن تعبــــئة المخيلة بكــــل الالم الـــذي اصابك في الليل. اما ان تتـــــركني هكذا، يستحيل عزائي فمن العــــبث ان اغفـــر لك. مات الدافيء، الشهم، الكـــــريم، الرقــــيق، وسأجد الحياة غير مفـــهومة، وسيصعب علي هذا العالم.قلت لك في الجريدة التي عملت فيها مؤخرا، انك اخترت اجلا، غير انني لا يمكنني اللحاق بك، قلت لي انكِ معي، حتي لو لم تلحق بي. أنت اليتيم جوزيف، الوحيد، ووضعت يدك علي قلبك في الليل ولم يكن أحد، وسمعت حثيثاٌ الرعب والنبضة القاتلة. غلبتك الحياة يا صديقي. انه رأسك الذي قتلك، حبك الذي قصم ظهرك.أفكر انك ممدد هناك، ولا قدرة لك علي الحراك، علي العودة السريعة الي لبنان الذي تعشق. افكر ان رائحة رغبتك لا بد، ستهرب من لندن، وان عليك ان تناديني لكي اسند جثتك المهولة. تقول بأي سرعة ينتهي العمر، تقول لماذا لم تحضري معك بعض الاصدقاء، كنا لنحيي سهرة هنا بدل هذه الوحشة، كنا لنسهر ما دامت مي عادت، وما من شيء نفعله سوي الانتظار. لماذا مت جوزيف في بلد غريب، حيث علي الا اعثر عليك ابدا، حيث علي سرك ان لا يترك اثرا، لماذا مت جوزيف، وتحترق راحتي بتلك الحاجة الي لمس رأسك، لماذا عليك ان تكون لئيما في آخر الأمر؟حين اغمض عيـــــنيّ لكي اري العتـــــمة ذاتها، واختلق عميٍ مؤقتا وسببا، لدقائـــــق من الظلمة اتعـــــــرف فيها علي عـــــالم بورخيس، وعلي المشهد الأسود الذي يكتب منه، لم أكن اعرف انني اصطنع عماي لأكثـــــر مما ينبغي، ذلك ان بــــورخيس نفسه كتب في تواضع عماه، وفي انه جزئي وغير كامل.ليس الاسود الدامس الذي كنت القي بنفسي فيه اذن، هو عالم بورخيس الحقيقي. فالرجل كان يري مع ذلك الي اللون الأصفر، ويميز جيدا الأخضر والأزرق، ويعرف الابيض ايضا ولكن مختلطا بالرمادي. لونان يفتقدهما بورخيس في نوع عماه الجزئي والضبابي، هما الأسود والأحمر، ويأسف لأنه لا يراهما فعلا.عالم بورخيس ليس الأسود، ولا الليل الذي افترضته، وكل محاولاتي الي عالمه باتت بائسة الآن وفاشلة. يكتب بورخيس يقول بأن عماه الشخصي ليس العمي التام وان حالته ليست دراماتيكية بصورة خاصة، فالدراماتيكية الحقة هي حالة اولئك الذين يفقدون البصر فجأة ودفعة واحدة، حيث يبدو الامر كأنه فرقعة مفاجئة او كسوف. الفقدان البطيء للبصر (المغيب) عند بورخيس بدأ طفلا ودام اكثر من نصف قرن. كل اللعب المظلم الذي لعبته لأسقط في الهوة نفسها التي يكتب منها بورخيس يبدو الآن باطلا. بل يبدو عمي بورخيس اكثر رأفة ونورا من قلبي ومن كل محاولاتي.مع ذلك اغمض عيني الآن لأقترب من نص لبورخيس، الشعور بالحاح العمـــي، بالحاح عالم الألوان الذي كان يراه يجعلني اغلق عينا كليا وادع للأخري ان تبصر قليلا جدا. يرتبط بورخيس بذهني بالعتمة، ومنها اقرأه واقترب منه. القدرة علي الكتابة من اكثر الامكنة ظلمة تخلع علي الكلمات احساسا بالتبصر المطلق كما حين نكتب في الاهانة، وفي موت صديق، وفي الحرب.اردت ان ادخل الي عالمه من الكوة نفسها التي يدخلها بعينين مطفأتين ادخل الي رحابة الكلمات، احيا معها، الكلمات التي تبرر العالم، تبرر المــــوت، افتح احد نصوصه، ودائما في الظلمة وقلبي ينبض بشدة، واغــــوص في السطور التي اضاءها، وجعل الحياة افضل والاشياء ابهي والكتب خلاصا وحيدا.هوميروس، تاميريس، ميلتون، جيمس جويس الذي اعلن الشجاعة لكن ايضا برياء: من بين كل الامور التي حصلت لي، اعتقد ان اقلها اهمية هو انني اصبحت ضريرا .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية