قراءة كتاب عبد الوهاب بوحديبة: الاسلام والجنس ــ الجنسانية ( 1 من2)
حفرية معمقة للاشارات والعلامات في ذاكرتنا وجسدنا: العشق والمتعة والايمان والدنس والقداسةالامام الغزالي حاول مصالحة الانسان مع ذاته في مواجهة الشهوانية المدنسة بقوي: الهذيان والجنون والنشوةقراءة كتاب عبد الوهاب بوحديبة: الاسلام والجنس ــ الجنسانية ( 1 من2)قراءة: عبد الكريم وشاشاہ صدر للباحث التونـــــسي عبد الوهاب بوحديبة دراسة باللغـــــة الفرنسـية تحـــت عنـوان Sexualitژ en Islam.. سنة 1975 وعرف الكتاب ترجمات بلغات عديدة، وقد قامت هالة العوري بتعريبه من النص المترجم باللغة الانجليزية (القاهرة سنة 1987) وأشارت إشارة تكاد تكون عابرة إلي ذلك في مقدمة ترجمتها (صفحة 12). واقترحــت بأن تعنون ترجمتها بـ الإسلام والجنس .الإسلام والجنس: كلمتان متجاورتان، كلمة الإسلام التي تعني إحدي الديانات السماوية التوحيدية الكبري في التاريخ البشري، والتي جاءت بعد اليهودية والمسيحية، وهي مجموعة من التعاليم والقواعد والضوابط تقدم نمطا، ونظام حياة، من خلال مدونة هائلة من التشريعات الإلزامية المترابطة، أما الكلمة الثانية الجنس، فعلاقة خاصة جدا، استجابات جسدية ووجدانية، تجمع في الغالب بين ذكر وأنثي، وتلزم مجموعة من الشروط عضوية ونفسية وثقافية واجتماعية، بدونها لا يمكن إنجاحها كما أنها تؤدي أدوارا مهمة وخطيرة في الأنساق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية… يمكن القول من خلال ذلك، ومن خلال التقديم الذي دبجته المترجمة، أن العلاقة بين الإسلام والجنس ليست علاقة تجاور ندي كقولنا مثلا: الإسلام والغرب.. أو الإسلام والمسيحية..الخ حيث يقف عالمان متقابلان متضادان وجها لوجه علي قامة واحدة أمام مرآة الزمان المتماوجة، بل هي علاقة داخلية، تضمينية يتبوأ الجنس فيها مكانته داخل منظومة تشميلية شمولية، من التعاليم المقدسة والشرائع والقوانين اللاهــوتية التي هي الإســـلام.والمترجمة واعية كل الوعي ـ من خلال مقدمتها ـ بالتدني الذي وصلته مكانة المرأة العربية، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا..وحضاريا وأن الذي أصــابها هو النكوص بها إلي ما قبل الإسلام … والخطير لدي هالة المترجمة أن الممارسات الاجتماعية المغلوطة التحقيرية، انصهرت في نسق واحد، هي والإسلام سواء، وقدمت الخطيئة الأولي كحجرة مركزية في المعتقدات الشعبية الرائجة حول المرأة، فحواء هي أس البلايا وتتحمل المسؤولية الأولي عن الغواية والعذاب الأرضي الذي حاق بالجنس البشري..ففي حين نجد ـ تؤكد المترجمة جازمة ـ أن القرآن يحمل المسؤولية لآدم، تم تستدير المترجمة في نفس الفقرة لتلقي بالمسؤولية علي الشيطان الذي أوقع حواء والتي بدورها أوقعت آدم في الإثم …طالما اشتكت المترجمة هالة العوري بإصابة الرؤية العربية بطابع الجزئية والسطحية في كافة نواحي الحياة…ولكن عندما نعتبر أن تاريخنا الحضاري والمعرفي والثقافي ابتدأ وانتهي مع الإسلام.. وفيه تجلت حقيقتنا، مطلقة لا يأتيـــــها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فما قبل الإسلام جاهــــلية وإظلام مطبق وما بعد الإسلام هو تدين أهل الحرفة وزيغ وأهواء…. فالإسلام هو الفطرة، المبتدأ والمنتهي…ألا يمكن اعتبار هذه النظرة في حد ذاتها جزء من التجزيئية والسطحية و تتحمل بعض المسؤولية عن حالة التردي والنكوص، وهي التي ساهمت بشكل كبير في إغلاق النوافذ والأبواب كلها وفي ترسيخ جدران الانحطاط وسيادة الفكر الخرافي والأسطوري والغيبي…. هي الغذاء الأساسي، منه تقتات ذهنية التحريم التي اتسعت اليوم أكثر مما مضي وشرعت في ابتلاع كل قيمنا التنويرية، هي المسؤولة عن اشتداد النظام الثقافي الارتوذوكسي.. والارتفاع المتزايد لغبار الحقبة الفكتورية الخانقة وقارنت المترجمة كتاب بوحديبة بكتاب خواطر مسلم في المسألة الجنسية لصاحبه محمد جلال كشك، وهي مقارنة تبدو لنا خاطئة وفارقة، وفيها إسقاطات تعسفية علي المنهج والمفاهيم التي ميزت كتاب بوحديبة عن كتاب كشك… بالرغم من أن كتاب كشك صودر وقدم للمحاكمة وبرأه الأزهر.والحقيقة أن التنبيه الذي أطلقته دار النشر سراس علي الغلاف الأخير للترجمة المميزة التي أنجزها الأستاذ محمد علي مقلد وراجعها المؤلف نفسه، تحت عنوان دقيق وأمين الجنسانية في الإسلام عن إحدي الترجمات التي ظهرت في إحدي العواصم العربية ويعني بها تلميحا ترجمة هالة العوري، ينطوي علي اختلالات عديدة وثغرات تنم عن تسرع كبير، ونحن نضيف أن فيها إسقاطات ذاتية كثيرة شوهت النص الأصلي، وعدم استيعاب لترسانة المفاهيم ودلالاتها وفتوحاتها المبينة إيبستيمولوجيا التي قام باستخدامها الباحث بوحديبة…نفس الشيء ينطبق علي المراجع الذي اقترح عنوان: الشبقية في ثقافة العرب المسلمين والذي نحيله علي كم كبير من الإصدارات والدراسات حول المرأة والجنسوية والجنسانية علي الرابط التالي: http://www.bustanbooks.com/arabic/gender/index.htm مفهوم الجنسانيةمفهوم الجنسانية، مفهوم راسخ ورائج يحتل مكانته الآن علي صعيد علم الاجتماع وجسوره الممتدة من وإلي علم النفس والفلسفة والحفريات المعرفية، لا يمكن بحال من الأحوال الالتفاف عليه أو تجاوزه بدواعي التغريب والاستشراق الواهية الضيقة التي لم تعد تجدي علما غير حصاد الهشيم.وفي نظري أن اللحظات المنهجية التي توسلها الباحث عبد الوهاب بوحديبة2 (ترجمة محمد علي مقلد التي نفضلها صراحة) لتفكيك الجنسانية، ودراسة مواقعها، تكتسي أهمية قصوي وهي مدخل أساسي لقراءة برنامجه الطموح قراءة منتجة ومدركة للأنظمة التوليفية سواء في لحظات الفصل علي كل المستويات النفسية والسيميائية والثقافية والاجتماعية… وسواء في لحظات الوصل كلية، كـ ظاهرة تمتد بعيدا في الزمان وفي المكان وتتعدد عواملها .لذلك قسم الباحث الدراسة إلي قسمين كبيرين :القسم الأول تحت عنوان عريض: النظرة الإسلامية إلي الجنسانية ويحمل ثمانية فصول تناول فيها محددات الجنسانية في الوعي الإسلامي ووظائفها في الماضي و في الحاضر، تناولا جدوليا، غير خطي؛ ينطلق من القرآن ثم السنة والفقه و يعتمد علي المباحث الغرامية (نوادر الإشراق في مكارم الأخلاق، طوق الحمامة، غالية المواعظ.. ألف ليلة وليلة…) تلك المؤلفات العديدة في التراث العربي التي أسست لعلم إيروتيكي3 عربي معمق ومرهف (علم الحب) تمت بلورته عبر العصور. وكما لاحظت الباحثة مني فياض صار علي من يرغب في اقتناء هذه الكتب أن يتوجه إلي المكتبـــــات الغربية !! أما القسم الثاني: الممارسات الجنسية في الإسلام فموزع علي الفصول الباقية الي 13، قام فيها الباحث بكشف التجليات المعاشة وإعادة القراءة للإيروس علي قاعدة مادية قاهرة، غير متوازنة، فلذة الجنس بتعبير أدق لميشيل فوكو غير معزولة عن لذة السلطة.وعلي طول الدراسة (200 صفحة من الحجم المتوسط) امتدت حقول حفرية قام الباحث التونسي بوحديبة راصدا فيها بيقظة متمرسة كل الإشارات والعلامات والرموز في ذاكرتنا الموشومة وعلي جسدنا العربي ـ الإسلامي الجريح. سلوكات العشق وسلوكات القداسة.. المتعة والإيمان.. أو ما اشتهر بالمدنس والمقدس وجدليتهما المختلة والعاصفة داخل مجتمعاتنا العربية.. فالإسلام (النظري) قد برأ الجنسانية من الإثم ومنحها تدفقا لذيذا وساميا بل هي حوار مع الله وحوار بين الجنسين.. لكنه يعتبر بإقرار بأن الأصولية ملازمة للثقافة العربية الإسلامية، حنين متواصل لنظام مطلق، فالجديد دائما يتماهي مع القديم.. كلاهما تابعان للمكتوب السماوي، لذلك فالتـــــاريخ عند الشخصية الإسلامية التقليدانية يمشي بالمقلوب؛ كلما توغلنا في الزمـــان كلما انحدرنا مبتعدين باطراد عن النموذج.. عن السلف الصالح والفئة الناجية.وكانت هواجس البحث والتقصي تتكاثف حول سؤال رئيسي مقلق، غير عابئ بالعديد من المسوغات المزيفة التي تخترقه:هل تحققت ولو مرة واحدة تلك الشخصية النموذجية المتناسقة المتوازنة بين العشقي والإيماني، خارج الأطر النظرية للمدونة الأرثوذوكسية الإسلامية.إنها مثال يلوح في الأفق أكثر مما هي واقع تحقق..تلك هي الترسيمات الأساسية لنظام الثقافة العربية الإسلامية، وشروط لازمة لفهم وإبراز أزمة الحب والإيمان، وتلك الوعكة الفيزيولوجية الجماعية التي انتابت النساء من خلال زليخة (الكيدية ربيبة الشيطان والحية) أمام جمال يوسف الخارق الإيروتيكي… المقارنة التاريخية: وقصة الخلقفي بداية القسم الأول يقترح علينا المؤلف الخطاطة التالية:(1) دراسة تاريخية ومقارنة.(2) تأسيس أركيولوجيا (علم الأثريات) للنظرات الإسلامية إلي العالم..هنا نرتطم بالمفارقة المنهجية الأولي:فالسنة والفقه هما تفسير متواصل للمطلق، فالسنة لا تخضع ولا تؤمن بالتاريخانية لذلك ينبهنا الباحث بوجوب التعامل مع السنة ككتلة واحدة مركبة من إسهامات أجيال مختلفة..كذلك لا بد من الإشارة إلي مفهوم (رؤية للعالم)، يورد عبر الكتاب مرات بالنظرة أو النظرات الإسلامية إلي العالم.. ومرات بالرؤية للعالم فلا بد من الاحتراس والاحتراز وتدقيق المفهوم وسياقات الاشتغال…. في بداية الحديث عن المسألة الجنسية في القرآن استحضر الباحث من كل زوجين اثنين وموقعها الأساسي في السردية القرآنية ـ (لا يكف الباحث عن تنبيهنا الي أن السردية القرآنية تختلف عن السردية التوراتية لكن لا يمكننا أن نغفل التقاطعات والتوليدات التناصية التي شكلت الوعي القريشي ثم الإسلامي بعد ذلك) ـ آية الآيات ودليل علي القدرة الإلهية، هي المعجزة الدائمة المتجددة لمشيئة ربانية شاملة جبرية ومطلقة.تعكس الأسطورة الأولي ـ خطيئة آدم وحواء ـ أول زوجين، شبكة من المعاني والدلالات وبداية لتأويلات أهمها: ـ أولية الرجل وتراتبيته علي المرأة مسألة مطلقة في الجنسانية الإسلامية (الضلع الأعوج). ـ الدخول في الحياة الاجتماعية ترافق مع الشعور بالحشمة وضرورة الرداء والزاميته.ـ العريـ الفضيحةـ العورةـ العصيان.أضلاع رباعية لتقابلات وتجاذبات التباسية في قلب الاستعراض الإسلامي عن المرأة.وتعتبر حكاية زليخة الغواية ويوسف الجميل من الخطوط الرئيسية في المؤنث الأبدي والإسلامي (الفصل الثالث) تحكي صراع الحب والنبوة صراعا ملحميا، وقد قدمت تأويلات وصياغات عديدة لهذه الجدلية، داخل الموروث الشعبي الإسلامي.. لكن التصوير الفني والسيكولوجي وتنامي الحدث بكل عناصره دراماتيكيا في الحكاية القرآنية يبقي مؤثرا ومميزا.. ففي الذروة وأزمة السرد الإغوائي ولقد همت به وهم بها وبتفسير ابن عباس: فك سرواله متخذا وضع الخائنين ..فضل الباحث المنعرج الفرويدي لنزع فتيل قنبلة الرغبة المشتعلة داخل جسد يوسف، وذلك بظهور صورة الأب يعقوب حاجزا وعقدة أبوية لا يمكن تخطيها، مثلت نهاية الإغواء، بها تنبه يوسف وتحققت المعجزة، أما زليخة فتسقط في الارتباك والتشوش، ومن خلالها وعبر نساء المدينة ومنهن إلي جنس النساء (المؤذيات بعذوبة).بين تخوم الجنسينفي فصل بين تخوم الجنسين الذي نعتبره من الفصول المدوية والإرباكية بالمعاني الإيجابية، ربما لتلك الأحاسيس التي ستنتاب القارئ (العربي/ المسلم) وهو يلج ويقف علي تلك التخوم المشوشة والمتناقضة وأكثرها تواطؤا ومخاتلة وازدواجية …فبعد أن يؤكد الباحث أن العالم الإسلامي يقوم علي ثنائية الذكر والأنثي ويعتبرها ثنائية تكاملية متجانسة خلاقة ومنجبة… وكل اختلال وتحريف لهذه الثنائية هو خرق لنظام الحياة وهندسة الكون والناموس الإلهي.. واعتداء علي الحدود التي رسمها الله؛ بهذا المستوي إذن فالإسلام (النظريــ نؤكدها مرة أخري) يعادي بحدة كل الأشكال الأخري من تحقيق الرغبة الجنسية الخارجة عن إطار الثنائية المرسومة الشرعية منها ما يسمي بـ الرجل المخنث و المرأة المسترجلة وأنواع الشذوذ الذكري والأنثوي… فكل هذه الانحرافات هي تمرد علي نظام الخلق الإلهي.. وينطبق نفس الشيء علي زنا المحارم هو خرق لسنة الحياة… ثم يستفيض الباحث في استعراض التفريعات الجنسية وفصلها وتمييزها من خلال مدونة سوسيوثقافية تتناول ملابس وأزياء كلا الجنسين، برموزها ووظائفها، كلها تتجه نحو تأكيد الفصل بين جنس الذكر وجنس الأنثي وتمييز كل جنس عن الآخر، واعتمد في ذلك علي مصنفات عبر جينالوجيا الأخلاق الإسلامية (البخاري، العيني، زيات، شمس الدين الأنصاري… نوادر الإشراق في مكارم الأخلاق..)في هذه العملية التقابلية تم استلهام مقولة سارترية كائناـ نظرا في كتاب سارتر الكائن والعدم، ظهور الآخر في النظر وعبر النظر، كيف يري المرء وكيف يُري هي جزء عضوي من عملية انخراط المسلم في البنية الاجتماعية حسب الهندسة التالية:+ ما يمكن أن يراه الرجل من المرأة+ ما يمكن أن تراه المرأة من الرجل+ ما يمكن أن يراه الرجل من الرجل+ ما يمكن أن تراه المرأة من المرأةهذه معالم أساسية لميثولوجية قادرة علي الجمع والربط بين النظر والجنس وبمعني أثير للرازي أن النظر والتلصص أمر مثير للشهوة قوي، وإغواؤه لا يقاوم (= الوهم والحقيقة) وهي تعبر عن تحديد الكيان والدور عبر قانون الفصل القاسي بين الجنسين.المخنثأمام ظاهرة التخنث الحقيقي وقف الفقهاء أنفسهم حسب الباحث مرتبكين.. فما هو المخنث؟ ما هي هويته؟ في فصل قاس وحاد بين ثنائية تؤطر الوجود وتحده.. ثم ما هي أدواره ومواقعه في الأنساق ؟ في الإرث، الحجاب، الصلاة، الزواج؟ الموت؟؟….غموض وتشوش، وسنضيف تواطؤ ومخاتلة، والحادثة التالية تكشف ذلك بوضوح (أوردها الباحث نفسه ولكن بدون تعليق): مخنث اسمه نادرة ـ ويقدم في القصة علي أنه مخنث المدينة ـ حضر مجلسا رسوليا في بيت أم سلمي، إحدي نساء النبي، وقد وعد قائلا: إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإني أدلكم علي بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان لها ثغر كالأقحوان إذا مشت تثنت وإذا تكلمت تغنت بين رجليها كالإناء المكفوء وتفيد نهاية الحكاية وهذا ما يجب في رأيي أن نتوقف عنده كثيرا، أن المخنث هذا تزوجت واحدا من الصحابة…. !!! في النسق الاجتماعي العربي ـ الإسلامي يتم تعليق المخنث (التعليق بمفهوم دريدا كحالة اليهودي التائه) عليه أن يصلي محجبا فلا هو في صفوف الرجال ولا هو في صفوف النساء.. لا يجوز له لباس الحرير و لا المجوهرات، خلال مواسم الحج لا يجوز له أن يلبس ثيابا ضيقة أو أن يخلع الحجاب لا أمام الرجال ولا أمام النساء، لا يجوز أن يختن علي يد رجل ولا علي يد امرأة !! إذن ماذا يفعل ؟؟ يشتري له وعلي نفقته أو علي صاحب بيت المال، عبد يقوم بعملية الختان، وإذا توفاه الله قبل التأكد من جنسه فلا يغسل !!! مجرد عملية تيمن عليه ويغطي قبره بحجاب وقت دفنه (حتي وهو ميت يتم إقصاؤه)… أما في الإرث فله الحصة الصغري، وإذا مات والده عن صبي غيره، يرث هذا الصبي حسب الإمام الشافعي حصتين ولا يرث هو سوي حصة واحدة.الطهارةفي الفصل الخامس نصل إلي إضاءة قوية لفهم المعني العميق للجنسانية داخل البنية الاجتماعية الإسلامية، وهي الطهارة، ما أطلق عليه الباحث بفن إبعاد النجاسة. فحياة المسلم ما هي إلا تعاقبات من حالات الطهارة المكتسبة ثم المفقودة وحالات النجاسة المزالة ثم المستعادة…فالطهارة أو التطهر طبيعة ماورائية هي التسامي بالجسد والقضاء علي قذارته، خلال عمليات من التبادل والإعارة والرفض..فالتطهر وسواس، فعل احتفالي يعيد للإنسان كيانه الأصلي، ماهية سحرية، لضبط الجسد وترويض النفس الأمارة دوما بشياطين وأبالسة السوء.. الطهارة إذن في السياق الإسلامي نظرة أخلاقية ورسالة نيقوماخية.. وكل خارج عن السياق الإسلامي أي غير المسلم هو بالضرورة عاجز عن التطهر وسجين عبودية الجسد !! والعجيب في هذا السياق التطهري هو التناقض التالي الذي ينطلق من القذف، هذه الظاهرة الفيزيولوجية والمادية التي تصنع الدنس وليس الزنا، بعبارة أوضحها الباحث أن عدم القذف في حالة الزنا لا يؤدي إلي الدنس.. ففي المسألة التي طرحها الفقه في معرض بقاء الصوم قائما عند من يمارس النكاح وسط النهار مع غلام أو امرأة غريبة، الجواب بالإجماع: هو أن الصوم يبقي قائما طالما لم تحصل الرعشة الجنسية مما يعني أن الخطيئة، هي الرعشة أو القذف أما ممارسة الجنس مع غلام أو مع امرأة غريبة (لماذا غريبة؟) فقد تم هضم كل شيء بمرونة وسهولة تثير الإعجاب من هذا العقل الفقهي الراسخ في المتناقضات والمفارقات…كتاب الفتاوي الهندية مركزي في ثقافة الاستبراء الذي يرصد الجسد كرقابة ذاتية مصحوبة بالوسواس والقلق، طهارة طقوسية يجسدها هذا القول: علمنا رسول الله كل شيء .. هي نتيجة جدلية بين النفسي والبيولوجي وحوار مع المقدس، وبتعبير الغزالي سكينة النفس والسيطرة علي الجسد . هي علاقة بين قوتين، قوة الجنس وقوة المقدس.فالإسلام في هذا الإطار هو تحمل أعباء الحياة الإنباتية، فن معيشة الجسدانية وذلك بإعادة قدسنة الجسد بشكل مستمر، وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي يتحدث عن الحالة الطبيعية والحقيقية للأشياء، مصالحة الإنسان مع الذات في مواجهة الجنسانية المدنسة بقوي: الهذيان والجنون والنشوة. في الفصل السادس، ممارسات مع عالم الملكوت انطلق الباحث من الأمانة المعروضة علي الإنسان في القرآن، التي تخوفت منها الجبال والسماوات، معتبرا أنها تحمل إيحاءات ومعاني جنسية، فعلي لسان القرطبي جملة تؤكد هذا التأويل: أول ما خلق الله تعالي من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها.. فالفرج أمانة.. فخطاطة الخليقة في الفكر الاسلامي مصنفة إلي كل من الملائكة ـ الشياطين ـ الجن ـ الإنس، فإبليس هو التعبير عن جوهر الإنسان؛ إنه صورته المقلوبة وكل خطيئة بشرية هي تبرير له (هناك قصيدة للشاعر المغربي عبد الله زريقة تعبر بمعني من المعاني عن تماهي وتداخل هذه التخوم بعنوان إبلينسان..) ولباس الأفعي اللاصق أبدا بالشيطان/ إبليس هو مبدأ عام من مبادئ الشر ويمكن تعزيز ذلك من خلال هذه التقابلات الثلاث: الخسيس/ الأفعي/ العقرب، ناهيك عن المعاني الجنسية الواضحة التي تحملها شخصية إبليس… ولمواجهة الإبليسية والانتصار عليها وإبطال خططها الجهنمية وخستها نعثر علي إستراتيجيتين داخل المتن الثقافي الإسلامي: إستراتيجية مواجهة مباشرة طفولية وساذجة نوعا ما يمثلها عمر بن الخطاب الذي أراد قتل الشيطان في مقابل إستراتيجية تفكيك آلية الإغواء المعتمدة علي الحوار أساسا، إقامة حوارات ومقابلات وسجالات لا تنتهي مع الشيطان، بدءا من محمد مرورا برسالة الغفران للمعري، وعجائب الخلق للقزويني وأخيرا مسرحية لتوفيق الحكيم مقابلة مع الشيطان . والجدير بالذكر أن الشيطان غالبا ما يتحلي بالشفافية والصدق والصراحة أثناء لحظات الحوار معه..ينتقل بعدها الباحث ليبرز الاختلاف ما بين الصورة الإسلامية عن الشيطان والصورة التي رسمتها المسيحية عنه… فالشيطانوت المسيحي يمثل كل أشكال الإفراط الجنسي، والآثام والخطايا والرذائل، ويتمتع بمخيلة واسعة من المكر والحيل، بها يحقق دائما انتصارات كبيرة ماحقة علي الإنسان، لهذا تتملكنا الدهشة دائما من الاختراق الحاد للصلوات الليلية التبركية ومحافل السحر علي المخيال والثقافة المسيحية (لا شك أن أبرز مثال فلكلوري ولج الأدب من بابه الواسع هو الدكتور فاوست الذي باع روحه للشيطان بميثاق من أجل القوة والحب والجاه والمال..) لكن الباحث يعتبر أن الخطوة التي يخطوها الفكر الإسلامي وتميزه بذلك عن اللاهوت المسيحي هي إمكانية الزواج مع الجني.. ويري أن تلك المصنفات الهائلة داخل الموروث الإسلامي تشكل أحد أكثر الفصول جاذبية لإعادة القراءة وللدراسة.فالإيمان بهذه المخلوقات مبدأ مهم للعقل الإسلامي، بل الأكثر من ذلك فالعقل الفقهي يثبت بمنطقه المشروعية الكاملة لعلاقات الحب والزواج مع الجني (أنظر مثلا الأشباه والنظائر..) بل المدهش أورد الباحث دعاء لفقيه محدث في كتاب له لتلقينه الناس منه: اللهم أرزقني بجنية أتزوج بها فتصاحبني حيث كنت.. .الصور الحسية في الجنةفي الفصل السابع، الغبطة الجنسية المتصلة، تتبوأ الجنة في المخيال الإسلامي المكان الحلمي للمتعة الجنسية، والموروث الإسلامي زاخر بالأخرويات : الاندماج المزدوج بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة (أكثر من ثلاثمئة آية قرآنية ومئات الأحاديث الشريفة في السنة تتناول هذه المسألة) وحولها وضعت كتابات وفيرة، تم فيها تضخيم وإغناء علم الأخرويات بتفاصيل جديدة إضافة إلي تلونه بالتقاليد المحلية وحتي الفولكلورية.وقد استحضر الباحث في إطار الصور والتمثلات الدينامية المنقولة عبر التقاليد الشعبية كتابين يعتبرهما وثيقتين نادرتين للرمزية والعجائبية: كتاب دقائق الأخبار الكبير في ذكر الجنة والنار للإمام عبد الرحمن القاضي وكتاب الدر الحسان في البعث ونعائم الجنان للشيخ جلال الدين السيوطي. هناك نقرأ عن نشأة الكون الماورائي، وعن النار، ووصفا عجائبيا للجنة.. فالجنة مكان نأكل فيه دونما قلق من عواقب الهضم والتغوط، لأن سكان الجنان حسب السيوطي ليس لهم أدبار، إنما يرشحون الأكل مسكا..أما المتعة أو الرعشة الجنسية فتدوم ثمانين عاما.. وحكاية الرقم السبعين التي تتكرر، الألوان والبدلات، الأسرة والحوريات اللواتي ينبعثن من دماء بكاراتهن عذراوات عند كل افتضاض.. أما الانتصاب فهو أبدي…بعد أن يعرض الباحث وصفا مسهبا خلابا عن نمط العيش في الجنة أورده جلال الدين السيوطي، يستنتج بأن المساهمة الملحوظة التي وفرها البحث التاريخي أكدت التماثل الحاصل بين التقاليد الإسلامية وبعض التقاليد المسيحية، كإجراء مقارنة بين علم الأخرويات الإسلامي وأناشيد الكاهن أفرام ؛ وكذلك القرابة بين الرؤي القرآنية ورؤي القديس يوحنا، إلا أنه يؤكد علي الطبيعة السيكولوجية واللاهوتية التي تملكها وتتميز بها النظرة الإسلامية عكس النظرة المسيحية ذات الطبيعة التاريخية ، وكلاهما مجرد نظام للتصور … ففي التصور المسيحي لا يعقل أن يكون للجسد حضور في الحياة الآخرة، فهو مصدر الخطيئة الأصلية، وملذاته هي هموم دنيوية، عكس الحضور الطاغي للجسد الإسلامي، فبحضوره هذا تتحقق الذات في إطار الحب وفق نظام تصوره، حب شامل، اتحاد واتفاق مع العالم، مصالحة مع المادة، من هنا يمكن لنا فهم ذلك الإسراف المادي الذي يميز جنة الإسلام، وليمة لجميع الحواس… وكل معاني التمتع الفردوسي، حلمية متيقظة، ولذة معلقة.. فإشباع اللذة بشكل مطلق يعني العودة إلي المتخيل وبكل اختصار تكامل الجنسي والمقدسي.. وببليغ قول لـ(باشلار): فالأسرار الكبري المعلقة بكائننا تخفي علينا، فهي موجودة في سر أعماقنا .اشكال السلوك الجنسيوفي الفصل العاشر: تنويعات حول الباه، بغض النساء، التصوف، المجون. ثلاثة أشكال السلوك، وهي ليست سوي طرق لمخادعة روح الإسلام، فحسب الباحث دائما، أن اعتناق الإسلام وكره وبغض النساء ومقتهن أمران متناقضان ولا يتطابقان أبدا.مع ذلك يحذر الباحث من أن واقع مجتمعات البلاد العربية والإسلامية تكتسحها موجات حادة من احتقار النزعة الأنثوية، فهذا التناقض الحاصل بين النظرية والواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي هو ما يفسر التنويعات العديدة التي تتناول المرأة والجنسانية، وأن عملية إفراغ المرأة من كيانها الإنساني هو في العمق خوف وقلق أمام القوي النجابية الكامنة فيها.. فالهروب أمام المرأة كالهروب فيها تماما يتخذ أشكال كراهية مباشرة مثل التصوف والزهد والطرقية ووجوه أخري مراوغة، كاعتبارها موضوعا للمتعة والمجون والفسق.. كلها تنويعات واحدة علي الجنسانية..سلوكات تنم عن تسلط الشعور، ثم ان تاريخ الحضارة العربية الإسلامية يزخر بتصريحات معادية للنساء ضمنها أقوال لعمر وعلي: شر لا بد منه، الفتنة وحبائل الشيطان… فحديث ملفق، يكون أكثر دلالة اجتماعيا بالطبع من حديث صحيح.. فترات عديدة من الدورات الجنسانية المقموعة، حينها يتطور التقشف بينما يسود الفسق في الممارسات الموسمية الجماعية واللواط في أوساط الطلبة والجمعيات الدينية وربما اغتصاب الأطفال في الكتاتيب القرآنية… يمكننا أن نستخلص مع الباحث بأن المرأة لعبت دورا في تطور الصوفية، فالعفة والكتمان شرطان ضروريان للانتقال إلي الصوفية، استلهاما لحديث شريف: من عشق فظفر فعف فمات، مات شهيدا .لكن الباحث سيتناول نموذجا استثنائيا في تاريخ التصوف: ابن عربي الأندلسي إنه الإنسان الذي عاش بطريقة مكثفة: أدين بدين الحب أنَي توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني . إنه التسامي الذي تظهر فيه المرأة ويتجلي فيه الحب، ثم هذه الثنائيات التكثيفية: الحب والإيمان، الحساسية والروحانية. ولبلوغ جوهر الصوفية (= تسامي الجنسانية) انطلق ابن عربي من الحب المدنس، فعبر الحب الجسدي تتم الوحدة الأساسية بين الجسد والروح، حينذاك يصبح ممكنا البحث عن الله (وقد عرج الباحث باقتضاب عن تجربة الحلاج المميزة وعمر بن الفارض). فالصوفية في هذه التجارب هي انتقال من الإيروس إلي المحبوب، تواصلية بين الجسدي والروحي، فتحرر الجسد وفي الجسد، أمران متلازمان، يتمان عبره وعلي قنطرته الإيروسية، هذا عكس الحب العذري البدوي بكل تمثلاته: إيديولوجيته، وموضوعاته، دوافعه، نماذجه وصوره، هو عبادة مجانية وفروسية للمرأة (مراوحة في الحب) عزوف عن الجسد وتسام ينطوي علي ذاته.هوامـــــــــــش: 1 ـ وعلي ذكر المراجع، بالاتفاق مع دار النشر التوحيدي قد قام هذا الأخير ليس بعرض مقارن بين ترجمة هالة و ترجمة مقلد، بل باستعادة تكاد تكون حرفية تركيبية عجيبة ومشوهة، مضحكة ومؤسية في آن واحد للترجمتين، كأن يأخذ فقرة من الترجمة الأولي ويركبها مع فقرة من الترجمة الثانية، باستخفاف دون أدني مجهود ولا حياء، اللهم بعض التحويرات التي تزيد النص تشويها واختلالا كالشبقية التي اقترحها عنوانا…. 2 ـ الدكتور عبد الوهاب بوحديبة من المؤسسين الأوائل لقسم علم الاجتماع في الجامعة التونسية. هو صاحب كتاب ثقافة القرآن الذي أثير حوله جدل واسع… 3 ـ الايروتيكية: عنصر جوهري من عناصر الحياة عموما: هي نزع صفة الحيوانية عن الفعل الجنسي، وتحويله عملا فنيا يجتمع فيه الخيال والحساسية والفانتازيا والثقافة. 4 ـ أورد الباحث قصة محمد مع إبليس في صورة شيخ أعور، علي أنها صورة ترميزية توحي بالشر وهي بالأحري من تلك التفاصيل الزخرفية الإبليسية المتقنة، وقد سلط التحليل النفسي الضوء علي فكرة العقاب الرمزي الذي تمثله خسارة العين الواحدة وأشار الباحث للإيحاءات الجنسية للعين الوحيدة المشقوقة عموديا.الكتاب:Sexualitژ en Islam 1975/Pree Universitaires de France1 ـ ترجمة هالة العوري بعنوان: الإسلام والجنس القاهرة: 19872 ـ ترجمة محمد علي مقلد بعنوان: الجنسانية في الإسلام/ سراس للنشر ـ تونس 20007