قراءة كتاب عبد الوهاب بوحديبة: الاسلام والجنس ــ الجنسانية ( 2 من2)

حجم الخط
0

قراءة كتاب عبد الوهاب بوحديبة: الاسلام والجنس ــ الجنسانية ( 2 من2)

شهرزاد: وجد الحب قبل كل وجود وسيظل بعد كل فناء.. فهو أقصر طريق للحقيقة وروعته تفوق كل كلامأكثر الناس فحشا أكثرهم عجزا والحمام عتبة بين الدنس والطهارة وتقنية لتحقيق الطمأنينةقراءة كتاب عبد الوهاب بوحديبة: الاسلام والجنس ــ الجنسانية ( 2 من2)قراءة: عبد الكريم وشاشاہالجنسانية والقداسةيواصل الباحث بوحديبة حفرياته في الفصل الثامن: الجنسانية والقداسة مذكرا بموقع الأولي داخل نظام التصور الإسلامي ككيان أساسي، اجتماعيا وحلميا، فالسنة تحث وتسجل بوضوح علي أن النكاح مرغوب فيه ، فهو لذة وواجب، حتي الزهد كما يقول القضاة : لا يمنع من قضاء المراد . وفي معرض تقنينهم للمهلة المعطاة شرعيا لممارسة العلاقات الجنسية بين الزوجين قد حددوا المدة بأربعة أشــــــهر، لا يمكن بعدها تمديدها أكثر من ذلك..كما أنهم قاموا باستنباط أحكام علي المرأة الممتنعة عن فراش زوجها وحذروا من اللعنات المنصبة عليها من الملائكة.. ناهيك عن أن الإسلام ينظر نظرة بغضاء سلبية إلي الطلاق وفي نفس الوقت يسهل الزواج ويشرع الباب واسعا لمساعدة الآخرين في تزويجهم فهو يري أن الجماع من النعم التي ينبغي أن يتمتع بها كل واحد وواحدة.. حتي الشيخوخة يتمناها المسلم مثل ما تمناها يعقوب،.. في المقابل إدانة كاملة ومطلقة للعزوبية: شراركم عزابكم وأراذل أمواتكم عزابكم .لمؤسسة الزواج تأثير شديد في المجتمع الإسلامي أو ما أطلق عليه بوحديبة بنظرية التصور الإسلامي للنكاح: تعريف سوسيولوجي للزوجين أي رباط شريكين في أطر وأدوار متدرجة علي وحدة نوعية قائمة في قلب مجتمع حقيقي.. ففي النكاح ينخرط الفرد في الجماعة وتحتضن الجماعة الفرد، فالجنسانية بهذا المعني (النظري دائما وأبدا) التزام تاريخي وشخصي وهي في الوقت ذاته طقس مقدس، هي استعادة للآخر وعلامة للكمال البشري، فالرجل الوحيد كائن عاجز وكذلك المرأة.. لأن شخصية الإنسان لا تكتمل إلا في حميمية العلاقات بين الجنسين.. إنها صلاة حقيقية، فالجنسانية البهيجة والحب في غمرة الفرح هما طريقة لشكر الله، وبالعكس من ذلك يري الباحث أن الجسدية في المسيحية مقرونة بالفسق والنجاسة والانحلال والسحر والبغضاء والعداوة والحسد والحقد والنزاعات والغيرة والسكر…ومن أجل الروح القدس تقدم الكنيسة الجسد المسيحي تضحية وقربانا للملكوت الرباني، لكن نقاشا واسعا ودمويا أعيد حول هذه المسألة داخل الكنائس المسيحية تجلي بوضوح في الإصلاحات المذهبية الكبري مما أعطـــي ديناميكية مفتوحة علي أفق تاريخي جديد (يمكننا هنا أن نستحضر مفارقة محمد عبده عند عبد الله العروي في مفهوم العقل) بعدها يتم الانتقال بنا إلي القسم الثاني، الممارسات الجنسية في الإسلام، فيها يقترح علينا الباحث الهبوط علي أرض الحياة اليومية العملية والوقوف علي الجدلية الثلاثية: الجنسي والقدسي والجماعي. ففي هذا المستوي من التحليل يعترف الإسلام بكل توترات الجنسانية وصراعاتها.في هذا الصدد يتعرض للمفارقة التي تخترق الإسلام كدين التوحيد، هو نفسه ذلك المتعدد المتباين باختلافات وفروقات بحجم كبير في السلوك والمواقف لدي الشعوب والمجتمعات الإسلامية من هنود وإيرانيين وماليزيين وعرب وملونين وسود… (وهذه مسألة تتغافلها خطابات كثيرة متسرعة في الغالب) وضرورة التنبه إليها وذلك للوصول إلي الدينامية العميقة والجدلية لهذه المجتمعات الإسلامية. ضمن هذا القسم في الفصل التاسع: الجنسانية وطابعها الاجتماعي، تعرض الباحث إلي بعض العوامل التي تضفي علي المجتمعات العربية الإسلامية ملمحا تاريخيا خاصا كالتسري، بمعني العلاقات الجنسية بن الســـــادة والإماء. فالقوانين الفقهية تعتــــبرها تقـــــاليد حرة وهي ناجمة عن شروط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية (المدينة العباسية والأموية..) فالتسري لم يؤثر إلا في المدينة بشكل عام والطبقات الميسورة بشكل خاص، بينما الريف حافظ علي معايير خاصة به وسلوك مختلف، فالريف يجهل هذه التأنقات الحضارية .. كما بين أن تحقيق التناسق بين الشهواني الجسدي والروحي كان من الصعوبة بمكان. وأبرز الــــــدور الذي يلعـــــبه الإرث وخـــاصة فـــي المجتــــمعات الرعــــوية، ما سمته Germaine Tillion بالزواج اللحمي: فالثروات تنتقل في الوقــــت الذي تنتقل فيه النساء.ففي نهاية التحليل نري بان أوضح خصوصية تتميز بها الحضارة العربية الإسلامية هو أن الجماعي ( التاريخي والواقعي) يستخدم للسيطرة علي الجنسي والقدسي، تبعا للحاجات الجماعية الحيوية ويتشظي فيما يبدو موحدا في الوحي (النظري) إذن فالحقيقة التي قدمها الوحي تختلف عن الحقيقة التاريخية (العودة إلي مفارقة محمد عبده)..البغاء والمجون وشهرزاديناقش الباحث بعدها فكرة البغاء، فالإسلام حدد موقفا من الرغبة؛ كاستئجار امرأة مقابل أجر معين أو تعريفة، بهدف المتعة الجنسية مصداقا للآية 37 من سورة النساء: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما). ولكن فنون المجون لها أصولها وتقاليدها الشريفة، وأسست للعلم المرهف الإيروتيــــكي (مباحث الشبق)، أو بمصطلح سارت به الركبان: المجون .. فالجذر اللغـــــوي مجن حســـــب لسان العرب يعني الصلابة واللامبالاة وقلة الاستحياء، وخلط الهزل بالجد وارتكـــــــاب المقابح المروية والفضائح المخزية، وبعبارة الباحث، فن تناول الأشياء الأكثر فسقا والتحدث عنها بطريقة مسلية بحيث تعتبر مقاربتها فجورا وفحشا.وللاســـــتدلال استعرض الباحث مثلا مأخوذا من أحد كبار الفقهاء. فـــــفي شرح لامية العجم للطغرائي للشيخ صلاح الدين الصفدي (كتاب الغيث في شروح لامية العجم)، حشر فيـــــه صفحات كاملة من النصوص المكثفة تشكــــل مختارات حقيقية إيروتيكية، جعلت الناشــــــرين بعد ذلك يخجلون، وكادوا يحجمون عن نشرها.وقد استعرض معجم الأدباء و الأغاني و مروج الذهب ازدواجية سلوك بعض الفئات الاجتماعية التي لها مكانة وتأثير في المجتمع العربي الإسلامي كالقضاة وبعض الرجال الأتقياء المشهورين الذين لا يمكن إلا أن نراهم نهارا ملفوفين بالتزمت وأبهة التوقر، لكن ما أن يسدل الليل أستاره حتي تسقط أقنعة التحفظ في صخب التهتك والمجون أو بتعبير ابن المعتز الجنات العابرة : فلكل فئة مجونها ، وقد يتم أحيانا دمج الإيمان مع المجون، ويري الباحث أن عبرة: التربية عن طريق الدعابة يمكن استخلاصها من المجون.بعدها ننتقل إلي فتنة ألف ليلة وليلة كموسوعة في قضايا الجنس، تتناول مختلف ألوان الممارسات الجنسية وأنواعها: تعدد الزوجات، والشذوذ الجنسي، اللواط، السحاق، المازوشية، السادية، ممارسة الجنس مع الحيوان، مع الأموات ثم العجز، البرودة، التلصص، النرجسية…الخفـ Enver Dehoi يسجل بأنه: قبل السورياليين بكثير، كانت شهرزاد قد دعتنا إلي الحب المجنون، حيث نتخلي عن كل شيء: التجارة، والمملكة والثروة والأقارب لتحقيق الحب. فمن كره النساء إلي الأنثوية العنيدة، تطورت (ألف ليلة وليلة) منطقا مهما في التحليل، فتجارب الحب التعيسة لم تؤد إلي التعاسة فحسب، بل أيضا إلي الرعب والدموية والجور.. ووسط هذا تنبجــــس شهرزاد لتنشد نشيدها الأخير والأثير: وجد الحب قبل كل وجود وسيظل بعد كل فناء، فهو أقصر طـــريق إلي الحقيقة وروعته تفوق كل كلام وهو الرفيق الخالد في ظلمة القبر .في الكتابة عن الجنسفي الفصل الحادي عشر، مبحث عن الباه، نعثر علي معانٍ عديدة لكلمة باه منها: تفطن له وانتبه من اليقظة والوعي. وقد استعرض الباحث بعض المساهمين ومساهمتهم في هذه المدونة الإيروتيكية الهائلة التي تعرض جزء كبير منها للضياع والتلف منها ولا شك، مفاخرة الجواري والغلمان للجاحظ جمال المرأة وقوامها ، و جوامع اللذة لابن نصر، الفصل العاشر في كتاب نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب للسموأل المغربي اليهودي. أما كتاب الباهية والتراكيب السلطانية لنصير الدين الفاسي فأجزاء كبيرة منه تحتوي علي فرع الصيدلة والطب والثياب ارتباطا بالإيروتيكية، فشهاب أحمد بن يوسف التيفاشي أحد المساهمين بكتاب نزهة الألباب في ما لا يوجد في كتاب يقدم تقنية إيروتيـــكية ملفتة تشكل خبرة بحد ذاتها. أما كتاب الألفية فأمـــــره عجيب وغريب بتعبير شهرزاد، لأنه سابق لعصـــــره؛ فهو عبارة عن مذكرات امرأة هندوسية تزوجت من ألف رجل، واكتسبت بفضل ذلك تجربة جنسية لا مثيل لها.ثم الكتاب الذي طبقت شهرته الآفاق رجوع الشيخ إلي صباه يتنازعه كاتبان هما أحمد بن سليمان وكمال باشا وقد كتب بناء علي طلب السلطان سليم خان. وكتاب تحفة العروس وروضة النفوس لمحمد المغربي التيجاني وهناك قصيدة علي شكل أرجوزة من ألفين وأربعمائة بيت نزهة النفوس ودفتر العلم وروضة العروس في أمور النكاح وغيره تتضمن فصلا مكرسا لعلم الفراسة ولنوع من جغرافية الملامح المميزة لأعضاء التناسل الذكرية وللفروج.. ثم المصنفات الشهيرة للسيوطي الوافي بالوفيات ،… ثم الكتاب القنبلة للشيخ النفزاوي الروض العاطر في نزهة الخاطر ….. أخيرا يستنتج الباحث من قراءته لهذه المدونة أن المجتمعات الاسلامية صهرت جميع هذه الأشكال الشهوانية في غنائية الحياة: الجسدنة والروحنة في الزمن.في الفصل الثاني عشر: استعراض لنماذج من السلوكات اليومية، فإنجاز الجنسانية في المجتمعات الاسلامية خلق نمطا من العيش متفردا قوامه الانتباه إلي الجسد، ورعايته بشكل تام إلي حدود الوسواس، وقبل التوقف عند المعبر والدال: الحمام – الختان – البغاء – الفولكلور الفاحش، أكد الباحث علي الاعتبارات الاقتصادية والبيئية وإلي الفصل بين تعاقب مواقع المرأة وبين حركة انتقال الثروات.الحمام والختان ومن هنا تناول تطور وتدرج مؤسسة الحمام، من بغداد إلي قرطبة إلي استانبول، ثم الحمامات الرومانية، فالتركيز علي الزمانية الخاصة بالحمام: الحمام خاتمة الفعل الجنسي وافتتاح الصلاة، سلوك يسبق ويلي الفعل الجنسي، طهارة طقوسية، تكنيك لتحقيق الأمان والطمأنينة، وإعادة النظام للذي أصيب بالاختلال؛ فكل ما يخرج من الجسد يحمل نجاسة، وتعبر هندسة الحمام عن انفتاح علي شتي أشكال فنون الاغتسال. اما الختان فهو العلاقة الفارقة علي الانخراط في المجتمعات الإسلامية، أساسي ومتجذر في تقاليدها، والرمزية النموذجية التي يمثلها طقس الختان هي تخطي تدمير الجسد بهدف إيقاظ الوعي الفردي بانتمائه الجمـــاعي القومي. فبعد المسيحية التي حلت العمادة (= الاتحاد مع المسيح) محل الختان قام الإسلام بالاستعادة الكاملة لهذه الطقوسية، تهيئة تجري في الدم والألم للــــدخول في مرحلة المسؤوليات، تقع في ذات السياق الذي يقع فيه السلوك الحمامي. في بحثه للبغاء اعتمد علي العيني والخطط للمقريزي وعلي علي المزاهر في الحياة اليومية للمسلمين في القرون الوسيطة، وأكد علي تنوع البغاء وشيوعه في الوعي الجماعي الماقبل إسلامي، والذي تميز بثلاثة أشكال أساسية من العلاقات الجنسيـــــة منها المقنــــعة: الاستبضاع والرهط، وصريحة: بغاء ذوات الرايات الحمر.. وبعد حين، زواج المتعة الاسم المستعار للبغاء. والذي رفضه النبي باكرا.يذكرنا بوحديبة بالتقسيم الحاد والتميز القاسي الذي يفصل بين الجنسين في واقع المجتمعات العربية الإسلامية كملمح أساسي وهوية، نجمت عنه نظرتان متعاكستان وازدواجية سوسيــــولوجية؛ فكتاب الحسبة للعقباني يحدد وينظم بصرامة وبدقة الأوقات والأماكن والأشكال التي يمكن للمرأة أن تكون فيها خارج منزلها..فبعد الحمام والختان والبغاء وهي أنماط السلوك التعويضي يأتي الفلكلور بأشكاله ككتلة من صمامات الأمان في نظام اجتماعي مغلق علي الأغلب. كيف ذلك؟فالمجتمعات المتشددة أكثرها إنتاجا للفحش الشفوي الاستحواذي، به وعبره تتم السيطرة الرمزية العابرة علي الاستيهامات المؤرقة، لأن بين الغريزة الجنسية واللغة روابط عميقة، و بالأشعار الفاحشة والمقاطع الغزلية والأمثال البذيئة (والنكت التي أغفلها الباحث). لكن الفحش مثله مثل البغاء واللواط: نقص في النضج النفسي (تدميرية وخصائية) فيه يفقد المرء كل جدة وعفوية، هو واجهة خارجية تخفي بشكل سيء الأنا الحقيقية.. فأكثر الناس فحشا ربما هم أكثرهم عجزا، وهو في الأخير ليس تحريرا أصيلا من الشهواني.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية