بعيدا عن توابيت الاحتلال: ولادة منظمات عراقية جديدة
هيفاء زنكنةبعيدا عن توابيت الاحتلال: ولادة منظمات عراقية جديدةشاركت في التظاهرة الكبيرة الاخيرة التي سارت في الاسبوع الماضي في لندن للمطالبة بسحب القوات البريطانية الفوري من العراق مجموعات عراقية من توجهات سياسية مختلفة وبأعداد كبيرة لم تلاحظ سابقا. وكانت الجهات المنظمة للتظاهرة هي المنظمة البريطانية المناهضة للحرب علي العراق ومنظمة السلام البريطانية فضلا عن المنظمة الإسلامية البريطانية وهي الجهات ذاتها التي نظمت المظاهرة المليونية التي دعت الحكومة البريطانية الي عدم شن الحرب علي العراق في عام 2003. وكانت مشاركة العراقيين يومها مقتصرة علي بضعة افراد وتنظيمات مستقلة قليلة لاتتجاوز اصابع اليد الواحدة جمعها الخوف علي الوطن والحرص علي حياة المواطن العراقي من حرب لا تعرف عواقبها، كما جمعهم ادراك طبيعة الحكومة البريطانية والادارة الامريكية وسياستها الامبريالية التوسعية وان حربها طمعا بالنفط احتلالا وليس تحريرا.مما يدفعنا الان الي التساؤل عن سبب زيادة عدد المجموعات والمنظمات المشاركة في المظاهرة الاخيرة مقارنة بمظاهرة عام 2003، ولمعرفة السبب علينا النظر الي طبيعة المنظمات والتجمعات العراقية ونشاطاتها في بريطانيا. هناك في بريطانيا الكثير من المنظمات والجمعيات العراقية ذات المهام والنشاطات المختلفة بدءا من النشاط السياسي والمهني وانتهاء بادارة الجمعيات التي يقتصر معظم نشاطها علي الاعمال الخيرية وتحويل الأموال لمساعدة الأهالي. وقد نشأت المنظمات العراقية وتكاثرت بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991 وجاء نموها طبيعيا مع تزايد عدد المهاجرين العراقيين لاسباب اقتصادية بسبب الحصار الجائر وفي اعقاب انتفاضة الجنوب ومع استقرار اللاجئين افرادا وعوائل في امريكا واوروبا. وقد تمكن عدد من اللاجئين من الاستفادة من الفرص السانحة في بلدان الاقامة للحصول علي ترخيصات ومنح ومساعدات من اجل انشاء الجمعيات والمنظمات الانسانية والخيرية، كما استفاد بعضهم من فورة حماس الحكومتين الامريكية والبريطانية لتبني الصوت العراقي المعارض للنظام السابق وخاصة اذا ما كانت الجمعية او المنظمة واجهة لحزب سياسي معين دون غيره والحزب قد تم اعلانه عضوا في احد مؤتمرات (المعارضة لتحرير العراق) ومن تلك العين شرب الكثيرون. ومن العين ذاتها شرب الكثيرون ممن تلفعوا برداء الطائفية المقيتة والعرقية والاشكال الاولية للمحاصصة كما نراها اليوم في داخل العراق وخارجه، فضلا عن المنظمات التي جمعت في تسميتها ما بين الدين وتلوينات الديمقراطية والدراسات الاستراتيجية ومستقبل العراق وتحرير العراق والمرأة. ولم تكن الحكومة البريطانية سخية سخاء الادارة الامريكية في توزيعها المنح وتكريس الميزانيات حسب قرار الكونغرس في اقرار قانون تحرير العراق في عام 1998 وتشكيل لجنة تحرير العراق ومنظماتها في عام 2002، ودعمها المؤتمر العراقي لصاحبه أحمد الجلبي الذي سبقه في التأسيس المعهد العراقي لصاحبيه كنعان مكية ورند رحيم فرانكي وعدد من المنظمات الكردية ومنظمات الاقليات الاخري. كما لم تكن الحكومة البريطانية تتمتع بسخاء الدول الاسكندنافية التي ابرزت الي الوجود منظمات وهيئات لاحصر لها تقتصر احيانا علي الاسم دون النشاط وقدرة من يملأ الاستمارة علي تهويل الاحداث للحصول علي منحة اكبر من غيره. وان كان هذا لايعني عدم وجود منظمات تستند الي حاجة المهاجر العراقي الحقيقية ومساعدته علي تجاوز مرحلة التكيف الاولي مع البلدان المضيفة. لاسباب مادية اذن اكثر منها اجتماعية او سياسية بقي انتشار المنظمات في بريطانيا في فترة ما قبل غزو العراق محدودا ومقتصرا في معظم الاحيان علي المنظمات والهيئات الناشطة كملحقات للاحزاب العراقية المتلقية للدعم من جهات مختلفة، من بينها المجلس الاسلامي الاعلي للثورة الاسلامية وحزب الدعوة والحزب الشيوعي والحزب الاسلامي والوفاق والمؤتمر الوطني العراقي والحزب الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. وبحكم النمو غير الطبيعي للمنظمات ولكونها منظمات حزبية اكثر منها مستقلة او شبه مستقلة، ساهمت وبدرجات مختلفة، كما الاحزاب، في الترويج للحرب واضفاء طابع التحرير والشرعية علي الغزو غير الشرعي وغير الاخلاقي، كما زودت اجهزة الاعلام البريطانية بانواعها بتصريحات وقصص جعلت من الحرب المدمرة خيارا وحيدا. وشهدت مرحلة الغزو رحيل بعض المنظمات ومعظم قيادات الاحزاب مع قوات الاحتلال الي العراق وان أبقي بعضها مقراته وفروعه في بريطانيا تحسبا لليوم الاسود. وقد لاحظنا، في مرحلة الاحتلال، واستشراء جرائمه ومجازره وانغمار حكومة الاحتلال في خدمة خطابه وتوسعه الامبريالي، وعلي الساحة البريطانية بروز منظمات ذات برامج عمل جديدة. ويمكن تقسيم المنظمات الناشطة حاليا الي نوعين، الاول هو منظمات الاحزاب السياسية الداعمة للاحتلال التي تصف نفسها بانها منظمات مستقلة وتدعي الدفاع عن المواطن العراقي تمويها وتقيم الندوات بكاء علي اغتيال الاكاديميين والعلماء والمواطن العراقي بينما تساهم قياداتها الموجودة في العراق وضمن التركيبة السياسية الطائفية في اغتيال المواطن العراقي بلا حياء او خجل لتسارع بعد ذلك الي اتهام (الارهاب). ان عمل المنظمات المسؤولة مع قيادتها عن الجرائم والفساد والنهب واثارة الفتنة يهدف الي التضليل واخفاء الجريمة وتحويل الانظار عن تاريخهم. فلا غرابة ان نري هذه الايام وبعد ان وصلت رائحة الموت الحاصدة لارواح العراقيين الي اقصي الارض ان يسارع كل من شكل حزبا او منظمة بسرعة فائقة قبل الاحتلال لئلا تفوته الغنيمة ان يقوم الان بكتابة النداءات مناشدا المجتمع الدولي والدول المجاورة الي حماية المواطن العراقي وكأن المواطن العراقي، ضحية جرائم احزابهم، هو ابن منظمات الامم المتحدة وسورية والاردن وليس ابن بلده العراق ومسؤولية الدولة العراقية! في الوقت نفسه نلاحظ نشوء شكل مختلف ومتميز من النشاط العراقي المستقل حقا من الناحيتين المادية التي تفرض وتحدد برامج النشاط عادة والناحية الفكرية البعيدة عن توابيت الاحزاب القديمة وعناصرها ذات الالوان الحرباوية المتغيرة بتغير من يدفع ومن هو السيد. تجمع التكوينات الجديدة ما بين الحرص علي وحدة العراق واستقلاله والعمل مع المنظمات العالمية والبريطانية الشعبية المناهضة للاحتلال ودعمها غير المشروط لحق الشعب العراقي بمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة، وللمقاومة العراقية الباسلة. وهذا شرط اساسي يميز فورا ما بين المتأتئين في خطابهم باعتبارهم ضد الاحتلال والذين لا يملكون الجرأة علي قول انهم ضد الاحتلال الا بعد ان يذكروا ان بوش نفسه هو ضد الاحتلال، وبين الواقف صراحة وبلا خوف او مداهنة مع المقاومة الباسلة ضد الاحتلال. والا ما معني ان نكون ضد الاحتلال وكيف نتخلص من القوات الغازية التي اشبعت اهلنا قتلا وتدميرا بعد مرور فترة الستة اشهر الاولي التي حددتها بعض الاحزاب كخطوط حمراء قالت بان من المستحيل علي ادارة الاحتلال تجاوزها؟ هل سيحررون العراق عن طريق تطريز وخياطة شعارات الاحزاب ومنظماتها جلوسا في المنطقة الخضراء؟ ان المنظمات العراقية الجديدة التي ولدت في فترة ما بعد الغزو تتميز بصفات وأساليب تصلح لكل جماعة محلية أو مجموعة اصدقاء يرغبون في خدمة قضية العراق. فهي عبارة عن جماعات ومواقع الكترونية، ومشاريع مذكرات ووفود، تعتمد علي المبادرة الذاتية ولا تنتظر للارتباط المسبق بجهة ما. انها ايضا تعتمد في تمويلها علي مواردها وتنظم اجتماعاتها في اماكن اللقاء العامة المجانية مما يجنبها الحاجة الي التمويل المشبوه وبذخ الاماكن، كما تعتمد في تنظيمها علي شبكة إرتباطات وتوزيع المهام السريع لا علي الأساليب البروقراطية. وتجمع بين الأجيال الشابة والكهول، وبين النساء والرجال، وبين العراقيين المهاجرين حديثا والعراقيين المستقرين منذ عقود في بريطانيا أو أبنائهم. وكثير منها قد نشأ علي جوانب الحركة المناهضة للحرب والعولمة، وتبقي متحالفة في جبهة العمل الواحد مع العدد القليل من المنظمات التي وقفت مع الشعب العراقي في فترة الحصار الجائر والداعية الي انهاء الاحتلال المقيت بكل اشكاله العسكرية والسياسية الواضحة والعسكرية والمدنية الخفية. انها المنظمات التي سترسم ملامح العمل التعبوي والمستقبلي بين الشعبين العراقي والبريطاني وهي القادرة علي ان تكون نموذجا للعلاقات الانسانية وجسرا ثقافيا وحضاريا قائما علي مبدأ التكافؤ وتحقيق العدالة والسلام بعد التحرير. 9