حكايات من البر الإنكليزي: طرزان بالمر غرين
جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: طرزان بالمر غرينذات مساء شتوي وأنا أغادر محطة قطار الأنفاق في منطقة وود غرين في طريقي الي بيتي، مررت، كالعادة، بالركن المخصص لتوزيع الجريدة المحلية التي تصدر في المنطقة. التقطت صحيفة ووضعتها في حقيبتي وغادرت المحطة. بعد تناولي لطعام العشاء مع زوجتي وطفلي، انتحيت جانبا لتصفح الصحيفة والاطلاع علي ما يجري في المنطقة من نشاطات وأخبار وغيرها. في الصفحة الثالثة من الصحيفة قابلتني صورة كبيرة نصفية لوجه أعرفه جيداً وتحت الصورة كتب: (طرزان في بالمر غرين). فهمت من الخبر أن طرزان المعني مواطن من أصل ليبي وأنه وجد عارياً كما ولدته أمه أمام باب بيته. اتصلت بصديق لي هاتفياً وحكيت له ما قرأت في الصحيفة، وأبلغته انني أعرف الشخص لكن اسمه غريب عليّ. سألني عن الاسم، فأجبته ان الاسم الموجود بالصحيفة هو المبروك عبد السلام. ضحك صديقي ورد سريعاً: هذا المو . أنا أعرف المو عن طريق دائرة الاصدقاء الليبيين، ولم التق به منذ سنوات، لكني لم أكن أعرف ان اسمه المبروك عبد السلام. كنا جميعاً نسميه المو، ومنذ أن تعرفت عليه لم اسمع في حياتي أحدا يناديه باسمه المبروك. واعتقدت خطأ أن المو هي اختصاراً لاسم محمد أو محمود. طلبت من صديقي ان يعطيني رقم هاتفه فأملاه عليّ وكتبت الرقم في مذكرتي الخاصة.الحقيقة التي اربكتني أنني في لقاءاتي القليلة بالمو لم ار فيه ما يشين. كان شخصاً عاقلاً خفيف الظل ورزيناً. لذلك اندهشت مرتين: أولاً لسكناه بمنطقة بالمر غرين علي مسافة مرمي حجر من وود غرين حيث اقيم، ولم اكن اعرف ذلك، وثانياً للسبب الذي جعله يخلع ملابسه ويظهر عارياً في شارع عام،وهو فعل لا يمكن ان يصدر عن شخص عاقل ورزين مثل المو. أمسكت بالهاتف وادرت الرقم فردت عليّ زوجته الانكليزية سلمت عليها وعرفتها بنفسي وابلغتها انني اريد محادثة المو. قالت لي أنه في حالة نفسية سيئة ولا يود الرد علي اي هاتف. رجوتها أن تبلغه رسالتي وأمليت عليها رقم هاتفي وقلت لها أن بامكانه ان يهاتفني متي شاء ثم تمنيت لها مساءً طيباً وأنهيت المكالمة. بعد ثلاث ليال رن جرس الهاتف في بيتي وردت زوجتي عليه ثم سمعتها تضع الهاتف علي المنضدة وتناديني. نهضت من مقعدي واتجهت نحوها. قالت لي ان شخصاً يسمي المو يريد محادثتي. كانت مفاجأة غير متوقعة لأنني اعتقدت، خطأ، أن المو لن يرد عليّ حياءً وخجلاً مما حدث له. سلمت عليه بحرارة وسألت عن أخباره وتبين لي أنه في حالة نفسية جيدة. كان كما عرفته يلقي بنكاته ويضحك بصوت عال.عاتبته علي عدم ابلاغي بانتقاله الي بالمر غرين، واستفسرت منه عن مقر سكناه الجديد، ثم وجدت الفرصة سانحة أمامي وبدون تردد سألته عن الخبر الذي رأيته وقرأته في الصحيفة. ضحك المو وقال معلّقاً: العار والرزية . رجوته أن يحكي لي ما حدث. قال أن الموضوع لا يستحق الضجة التي أثيرت، وانه لا يريد الخوض فيه علي الهاتف لكن بامكاننا الالتقاء مساء الغد في المقهي القريب من محطة الحافلات العامة في وود غرين.في اليوم التالي، وفي الموعد المتفق عليه،كنت في المقهي جالساً اشرب قهوة واتصفح جريدة. بعد قرابة نصف ساعة وصل المو واعتذر عن تأخره لاسباب قال أنها عائلية. طلبت له قهوة وقدمت له سيجارة ودخلنا في دردشة عادية. ثم وبدون مقدمات دخل المو في الموضوع الذي التقينا لأجله. قال أنه في اليوم الذي حدثت فيه الكارثة المزرية كان في عطلة من العمل،لأن زوجته الحامل لديها موعد مع الطبيب وكان عليه البقاء في البيت للعناية بطفلهما في غياب امه. حين خرجت الزوجة قرابة الظهر لموعدها،كان الطفل نائماً واعتقد المو أن الفرصة مواتية له للاستحمام. خلع ملابسه وبدأ استحمامه وحين انتهي جفف بدنه وخرج من الحمّام عارياً. بمجرد خروجه من الحمّام وجد نفسه وجهاً لوجه مع رجل غريب يقف في الدرجات السفلية من السلم الخشبي ويبدو أنه كان في طريقه للدور الأول حينما غادر المو الحمّام. قال المو: أدركت أن اللعين مجرد لص حقير دخل البيت خلسة لاعتقاده بخلوّه من ساكنيه، فلما رآني خارجاً عارياً من الحمّام، وجاءت العين في العين ارتبك للحظة، ثم وبأسرع من لمح البرق ولي راكضاً باتجاه باب البيت فتحه بسرعة وانفلت كالريح، فما كان مني، وبدون تفكير، سوي ملاحقته. قفزت نازلاً درجات السلم ثلاثاً ورباعاً وخرجت خلفه ركضاً في الشارع ناسياً انني لا أرتدي اي قطعة ملابس فوقي. ركضت ركضت حتي أحسست برئتيّ تكاد تنفلقان، الا أن اللص اللعين اختفي كفص ملح في كوب ماء. عندها، وأنا أكاد أموت من شدة لهاثي ادركت حراجة الموقف الذي كنت فيه فتحاملت علي نفسي وبدأت رحلة العودة الي بيتي،وحين وصلت تبين لي أن باب البيت موصد، ولم أكن أدري كيف أو متي حدث ذلك؟ بدون قصد مني صدرت عني ضحكة. نظر المو اليّ نظرة مليئة بالعتاب وقال: هذي ضحكة شماتة حتي أنت زيهم متشمّت فيّ . اعتذرت له وقلت مواسياً أن شر البليّة ما يضحك. قال المو: تخيّل نفسك مكاني!! الدنيا برد ، وأنت زقطوط وباب الحوش مسكّر، وفرخك صغير وحاصل داخل ،وانت قاعد فرجة للرايح والجاي وما تعرف حد من جيرانك لانك كيف أنتقلت للبيت، شن تقدر ادير يا صاحبي؟ حصلة ما تتمنهاش حتي لعدوك . سألته ماذا فعل؟ رد عليّ: وانت شنو رأيك؟ قلت له: علاش ما حاولتش تستنجد بجيرانك؟ قال لي: هذا تماما ما درته . قال أنه طرق علي باب جاره ففتحت له الباب امرأة جاره وما أن رأته حتي صرخت بأعلي صوتها وأغلقت الباب في وجهه، ثم اتصلت بالشرطة، وفي اقل من ربع ساعة كانت سيارة الشرطة واقفة امام البيت، خرج منها شرطيان واقتاداه للسيارة دون اي كلام. حاول أن يشرح لهما ما حدث الا أنهما طلبا منه التزام الصمت. في نقطة الشرطة حكي لضابط التحقيق ما حدث،ورجاه أن يعيده الي البيت بأقصي سرعة لأن طفله موجود بداخله لوحده. استجاب الضابط لتوسله وأعاده في نفس السيارة الي بيته، وقام شرطيان بفتح الباب بالقوة. قال المو: وجدنا الطفل في سريره نائماً، ودخلت الي حجرة نومي وأرتديت ملابسي، ثم أيقظت الطفل، وأخرجته من سريره، وحملته بين أحضاني وعدت مع الشرطة الي السيارة ومنها الي النقطة حيث وأصل الضابط التحقيق معي وأغلق المحضر. وأنا خارج من النقطة وجدت مصوراً وصحافيين في انتظاري وبمجرد أن رأوني التقط المصور لي عدة صور، وبدأ الصحافيان في محاصرتي بأسئلة سخيفة أغاظتني، ورفضت الاجابة عن أي منها. ثم أوقفت سيارة أجرة وعدت مع طفلي الي البيت. سألني المو ان كان الموضوع وصل لاسماع الأصدقاء، قلت له بصراحة أنني اتصلت علي الأقل باثنين منهم وابلغتهما بما قرأت في الصحيفة، وأعتقد أنهما بدورهما أبلغا بقية الأصدقاء. حدّق في عينيّ معاتباً،ثم نهض من مقعده وودعني.في مساء اليوم التالي اتصل بي المو وابلغني أنه لدي خروجه من البيت صباحاً وجد يافطة كبيرة موضوعة أمام باب بيته كتب عليها: هنا يسكن طرزان . كاتب من ليبيا0