بس مات وطن مأزوم وأغنيات عدمية لزعماء لبنان
د. عماد عبد الرازق بس مات وطن مأزوم وأغنيات عدمية لزعماء لبنانمن البرامج القليلة جدا جدا التي أحرص علي مشاهدتها علي قناة إل بي سي اللبنانية، برنامج الكوميديا السياسية الماجنة بسمات وطن . وهو برنامج متفرد في لبنانيته، وأقصد بذلك عنصرين، الأول كونه برنامج كوميدي في بلد لم يعرف بتميزه في الكوميديا(نعم فمع كل انتشار الإعلام اللبناني وشعبيته في العالم العربي بسبب حسناواته الرشيقات اللائي يتصدرن شاشاته أولا وقبل كل شيء، فإن كل محاولات الكوميديا اللبنانية التي شاهدتها كانت علي درجة من السماجة تحسد عليها. (ولأن الشيء بالشيء يذكر، اضرب هنا مثلا بمسلسل مرتي وحماتي وأنا الذي يحاول جاهدا دون طائل السير علي تقاليد كوميديا الموقف الرائجة في التليفزيونات الأمريكية والبريطانية. لكن للأسف لا الممثلون يتمتعون بخفة ظل، ولا المواقف الدرامية مبتكرة فضلا عن أنها لا تحمل شبهة كوميديا ولا أي قدرة علي الإضحاك). والسبب الثاني أن بسمات وطن يقدم نوعا متميزا من الكوميديا السياسية الساخرة نفتقده بشدة في العالم العربي. وهو نوع يسلط سهام نقده اللاذعة علي القادة والسياسيين في المقام الأول، ومرة ثانية في عالم عربي مولع حد الادمان والعته بتقديس زعمائه وتبجيل رؤسائه حتي أولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة من بينهم (وصدقوني كان هناك زعماء عرب أميون ذات يوم، وكانوا مبجلين حد القداسة). النقطة الثالثة الجديرة بالتنويه هنا هو أن البرنامج يبث علي قناة إل بي سي ، وهي قناة معروقة بانحيازها الشديد حد التعصب لخطها السياسي، وتلك وإن كانت يمكن ان تكون تهمة في بلدان أخري (ليس من بينها البلدان العربية بالطبع) إلا أنها في لبنان تعتبر وسام شرف علي صدر المحطة، لأن ذلك ببساطة جزء من قواعد اللعبة في لبنان من قديم الأزل. فكل المحطات اللبنانية حزبية، بل لعلها طائفية أولا قبل أن تكون حزبية، بل وأحيانا عائلية ، وتعرفون بالطبع أي القنوات أعني. (تخيلوا مثلا أن ال بي سي لديها كاميرا وطاقم فني دائم ومراسل مقيمين 7/24 في مقر البطريرك نصر الله صفير، لتصوير أي شخص يزوره أو يلتقي به طوال ساعات النهار، بصرف النظر عن أهمية الزيارة أو الشخص وسواء قال شيئا يستحق الذكر أم لا). الأهم من هذا وذاك المفارقة المضنية التي يمثلها برنامج كهذا، فحقيقة أن عالمنا العربي يفتقد بشدة الي هذه النوعية من كوميديا السخرية السياسية، لا يعني افتقار عالمنا العربي الي المادة الخصبة والدسمة اللازمة لصنع هذه الأنواع، بل العكس تماما هو الصحيح. فالواقع السياسي العربي ولو تم نقل أحداثه وأعاجيبه اليومية كما هي تماما ودون أدني إضافة، فلا شك أن ذلك سيصنع عروضا للكوميديا السياسية الماجنة من الطراز الأول. ويكفي عنصر واحد في هذا الصدد وهو تصريحات الساسة والمسؤولين، فهذه وحدها يمكن أن تزود كتاب الكوميديا بمدد لا ينقطع يكفي لصنع مسلسلات وحلقات تغرق التليفزيونات العربية كافة طوال شهر رمضان الكريم (شهر المسلسلات بجدارة)، وبالطبع ستفيض لباقي أيام السنة. الي جانب الشخصيات الكوميدية الثابتة التي يقدمها برنامج بسمات وطن في كل حلقة، فإن زبدة البرنامج التصوير الكاريكاتوري الذي يقدمه لمشاهير القادة والزعماء السياسيين في لبنان. وفي الحقيقة أشعر في معظم الأحيان أن تصوير هذه الشخصيات ليس كاريكاتوريا بقدر ما أنه أقرب للواقع، أو لعل السبب في ذلك هو أن هذه الشخصيات هي في الحقيقة كاريكاتورية بجدارة. فهم يقولون نفس التصريحات، ويتبادلون نفس الاتهامات، ويظهرون في اليوم الواحد خمس لست مرات علي كل القنوات، دون أن تكون هناك اي قيمة لما يقولونه لا في حلحلة الأزمة ولا حتي في شرح أبعادها. الحلقة الأخيرة من بسمات وطن ، كان ختامها مسك بأغنية ساخرة لخص مطلعها أزمة لبنان المستحكمة، ربما منذ مولده علي الخارطة، يقول المطلع: علي دلعونا وعلي دلعونا ليش هالدول عم بيساعدونا ما بدنا سلاح وما بدنا مصاري اعملوا معروف انقبروا وفرقونا بالروح بالدم نفديك يا حكيم .. و الزعما ما فلو من لبنان القول بأن مشكلة لبنان الأزلية أنه كان دائما في مهب تدخلات وأطماع القوي الإقليمية والأجنبية، لا يمثل سوي نصف الحقيقة، لأن هذه القوي ما كان لها ان تقتحم الدار اصلا لو لم يفتح لها الباب نفر من أهل الدار، أو علي الأقل تركوه مواربا. وهذا هو الدور الذي برع فيه زعماء لبنان وساسته وتفوقوا فيه علي أنفسهم، كل علي هواه السياسي الذي يسفر عن زواج مصلحة يتبدل فيه الزوجان بين حقبة وأخري حسب شروط العرس والمهر ولوازم الفرح. ولذا ليس غريبا أن لبنان الذي أنتج كوميديا التهكم السياسية سواء التليفزيونية منها أو المسرحية، أن ينتج لنا أغنيات ساخرة سياسيا علي نفس المنوال. أحدث التنويعات علي هذا الجنس الغنائي، أغنية تسخر من الأزمة المستحكمة التي وصل فيها الصراع السياسي في لبنان حاليا، دون بارقة أمل لانفراج وشيك. الأغنية التي يقول مطلعها: الزعما فلوا من لبنان.. وكبرت فينا فرحتنا صار فينا نعيش بأمان.. وصارت جنة دنيتنا الأغنية تقترح حلا عبقريا وبسيطا جدا لأزمة ـ أو أزمات ـ لبنان يتلخص في رحيل كل زعماء اليوم (أمراء الحرب بالأمس) وهو حل لو تعلمون تكمن عبقريته في أنه لا يصلح فقط للبنان بل لكل بلدان العالم العربي قاطبة بلا استثناء. لكن للأسف هذه الأغنية بالذات لم ترق للقائد الأعلي والزعيم المفدي لحزب القوات اللبنانية سمير جعجع الملقب بـ(الحكيم). في حديث طويل مستفيض علي (إل بي سي) أجرته معه المذيعة مي شدياق اعتبر حكيم لبنان مثل هذا النوع من الغناء، عدميا متسائلا: شو يعني لو كل الزعما فلوا ، يقول حكيم لبنان، هذا النوع من الفن، ما بيساعد، بيزيد يأس وقنوط، لو واحد مريض وتيجي تقولي كل الحكما مابيسووا! شو بيستفيد؟ ثم إن الأغنية مش مضبوطة ، علي حد قوله، لأن ما حدا فل من لبنان، وهو بالذات لم يفل بل قضي 11 عاما خلف القضبان (ولعل هذه هي مشكلته بالتحديد، أنه لم يفل حينما كان يتعين عليه الفللان)، من الواضح أن الحكيم أخذ الأغنية علي محمل الجدية أكثر من اللازم، وهذا ما حاولت أن تلفت نظره اليه محاورته ليخفف من غلوائه لكن عبثا راحت جهودها النبيلة، فقد ظل هو عابسا مشمئزا، مكفهرا، واستطرد قائلا إن هناك زعماء سياسيين يعملون ويكدحون اناء الليل وأطراف النهار، بل إن بعضهم يعمل 12 ساعة في اليوم. يا حرام؟ّ (يعني أكثر من سائقي الأجرة وعمال التراحيل)، ثم إن ما حدا بلبنان زعيم سياسي فرض نفسه بالقوة خاصة بعد 2005 لأن كانت هناك انتخابات . ويا عيني علي الانتخابات؟ وعلي ذكر الانتخابات ناوشته المذيعة ثانية وسألته عن رأيه في أغنية أخري علي نفس منوال السخرية السياسية اللاذعة ظهرت في خضم حمي الانتخابات اللبنانية التشريعية بعنوان شرشحتوا البلد ، فأجاب بالرفض القاطع الممهور بامتعاضة كبيرة. والله حرام، لأن هذه بالذات كانت أغنية في منتهي الظرف تكشف بوعي نقدي لاذع الجانب الآخر الخفي أو المسكوت عنه من مهازل السياسة في لبنان، يقول مطلعها: شرشحتوا البلد أكتر ما شرشحتوا علقتوا الصور والبلد علقتوه ما عاد في حيطان بتكفي لزقتوا الصور ع الحافة وكيف بدا سوكلين تعزل.. وتنضف هالعملتوهفقرتوه جوعتوه.. شو في بجيابه سحبتوه زفتوه.. بهدلتوه.. بلدي الأخضر سودتوه فكرنا بلدنا اتحرر.. انتوا رجعتوا احتليتوه كنت أود لو سألت المذيعة حكيم لبنان عن نوع الفن الذي يفضله، أو الأغنيات التي لا يعتبرها عدمية ولا تبعث علي اليأس والقنوط؟ فإذا كان الحكيم لا يحب الأغاني التي تسخر من الزعماء وتشرشح السياسيين، تراه يفضل أغنيات من نوعية بالروح بالدم نفديك يا حكيم ؟ أو يا حريري يا حبيب الملايين ؟ في العالم العربي شبعنا وانتخمنا بهذا النوع من الأغاني البناءة ، المفعمة بالأمل التي تستشرف صورا مزهرة ومشرقة لمستقبل براق لم ولن نري منه مقدار خردلة. وفي العالم العربي يحشون الجماهير تبنا وقشا حتي أوشكوا علي النهيق. العالم العربي متخم حتي الثمالة بما لا حصر له من نماذج عبادة الفرد وتأليه الزعماء وتقديسهم مخلدين علي كراسي الحكم. لا بأس إذا من بعض النقد نوجهه إليهم، وقليل من الشرشحة لا يضر، خاصة ولو كان في صورة برنامج أسبوعي خفيف الظل يضحكنا علي خيبات السياسيين وأكاذيبهم. ويا حكيم حكماء لبنان: خفف من غلوائك يا شيخ. كارتر رسول السلام: لا كرامة لنبي في وطنه شفاك الله من الباسور يا كارتر.. فهو بظالم غيرك أجدر . كان هذا مطلع قصيدة بعثها مواطن مصري إلي بريد صحيفة الأهرام بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق لمصر في أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وكان المواطن قد قرأ في الصحف أن كارتر يعاني من البواسير فرق قلبه ودبج هذه القصيدة التي لم تتردد الصحيفة في نشرها. وقد تذكرت القصيدة مع صدور كتاب كارتر الجديد عن الصراع العربي الإسرائيلي فلسطين: السلام الآن لا التفرقة العنصرية .في كل المقابلات التي شاهدتها مع كارتر علي القنوات الأمريكية ـ وهي جد كثيرة ـ (فضلا عن لقاء أجرته الجزيرة ) وهو يتحدث عن كتابه الجديد راح يكرر عبارة واحدة غالبا ما كانت تأتي ردا علي اتهامات له بمعاداة السامية أو كراهية إسرائيل وغيرها من تنويعات الإرهاب الفكري الذي تمارسه إسرائيل واللوبي الموالي لها. كان يقول بهدوء ودون تشنج إنه كرس نفسه لتحقيق السلام في الأراضي المقدسة، وهو ما نجح في إنجازه بين مصر وإسرائيل. تلك الإجابة تحمل معني مضمرا أو كامنا في بطن الشاعر لم يهتم أحد من محاوريه باستكناهه، وأحيانا تجاهلوه عن عمد. وهو أنه يسعي من خلال كتابه هذا إلي إنقاذ إسرائيل من نفسها، من سياستها العنصرية الظالمة، العدوانية، بوصفها العائق الأكبر أمام استيعابها في الشرق الأوسط كأحد شعوب المنطقة، ومن ثم تحقيق السلام الذي يتشدق به الجميع دون أن يعملوا حقا من أجله.جي لينو، المذيع الشهير بنكاته اللاذعة والذي يقدم برنامجا يحمل اسمه يستضيف مشاهير الفن والمجتمع، سأل كارتر كيف إن إسرائيل كلما حاولت أن تعطي شيئا للفلسطينيين لا تحصل علي شيء في المقابل (لاحظوا كيف أن السؤال نفسه مضلل، وكأنما إسرائيل تجود بهذا الذي تعطيه للفلسطينيين، وليس حقا اغتصبته في الأساس)، فرد عليه كارتر بنفس الهدوء وابتسامة عريضة قائلا إن هذا غير صحيح، فإسرائيل أعطت الفلسطينيين جزءا فقط من غزة، لكنها ظلت تستولي علي أراضيهم ومزارعهم وتقتلع أشجار الزيتون وتهجرهم من منازلهم وتضعهم في سجن كبير. كما نوه كارتر بأنه كرئيس أنجز اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل منذ أكثر من ربع قرن وحتي الآن لم يتم خرق كلمة واحدة من هذه الاتفاقية. رغم كل حجج كارتر والأدلة التي يقدمها علي أطروحته، فإن الاتهامات لم ولن تتوقف. ناقد من مصر