انقلاب امريكي علي المتعاونين الحاليين في العراق

حجم الخط
0

انقلاب امريكي علي المتعاونين الحاليين في العراق

هارون محمدانقلاب امريكي علي المتعاونين الحاليين في العراقمن السذاجة الاعتقاد ان احتجاز القوات الامريكية المحتلة لنجل عبدالعزيز طباطبائي الحكيم وولي عهده عمار، كان خطأ أو سهواً خصوصاً وأن فترة الاحتجاز طالت أكثر من عشر ساعات متصلة علي حد قول المحتجز، وتأكيداته بأن الذين أوقفوه عرفوه وعرفوا ابن من هو؟ وكيف أنزلوه من السيارة بخشونة وعصبوا عينيه وأخضعوه الي التحقيق وعاملوه بطريقة غير لائقة؟ ثم نقلوه الي قاعدة عسكرية جنوبي بغداد، ومنها أوصلوه الي الكوت وسلموه الي محافظها الذي كان اول من زف بشري اطلاق سراحه. وصحيح ان الامريكان يخطئون كثيراً في سياساتهم وعلاقاتهم وتعاملاتهم مع الدول والحكومات، وهذا ما لاحظناه في تجارب عديدة منذ الاربعينات من القرن الماضي، وخصوصاً في منطقتنا العربية ودول المنظومة الاشتراكية السابقة وامريكا اللاتينية واسيا وافريقيا، وحتي اوروبا، ولكن الصحيح ايضاً انها في مثل هكذا حالات ذات طابع فردي او اجراءات محددة فهي في قمة الدقة والتخطيط المسبقين، ولا تقدم قواتها او اجهزتها علي اعتقال او احتجاز شخص معروف لديها كما في حالة عمار، الا بعد تحضيرات ومناقشات لبحث كيفية الاحتجاز وتوقيته، والهدف المعلن او المخفي منه، وتحديد اتجاهات وجهات رسائلها من العمل الذي قامت به، والا كان من الممكن الافراج عنه بعد ربع ساعة او حتي ساعة، اذا كان هناك خطأ رافق الاجراء.وتأسيساً علي ذلك فانه من السهل فهم ابعاد مداهمة جامع براثا الذي يديره عضو المجلس الاعلي الملا جلال كجك (الصغير) مرتين خلال ثلاثة ايام في منتصف الشهر الماضي، والبلاغ الامريكي اعلن انه تم العثور علي اسلحة مخبأة فيه اكثر من حاجة واستخدام حراسه، فيما ترددت معلومات سربتها القوات المداهمة الي وسائل الاعلام تشير الي العثور علي معتقلين في سرداب الجامع نصف أحياء نتيجة تعرضهم الي التعذيب، والمضحك في الامر ان الملا جلال حاول تخفيف المداهمة الامريكية الثنائية باتهام ضابط كردي ذكر اسمه يعمل في الفرقة 36، التي يقال ان السفير الامريكي السابق نيغروبونتي هو الذي شكلها، وسعي بطريقته الملائية ان يعزو المداهمتين الي كيدية من جماعات مدرجة في قاموس حزبه (البعثيين والتكفيريين الي اخر الاسطوانة المشروخة) دون ان يدرك ان الكيد به من هذه الجماعات لو كان صحيحاً وأخذه الامريكان علي محمل الجد لكانت مداهمة الجامع قد حدثت قبل عامين علي الاقل، بعد ان عرف القاصي والدامي في بغداد والعراق كله، ماذا جري ويجري في هذا الجامع وماذا فعلت ميليشياته في المنطقة والاحياء القريبة منها كالشالجية والعطيفية وعلي الصالح والسلام والحرية، وكلها موثقة. وفي السياق نفسه لابد من ربط قضية ملاحقة القيادي في حزب الدعوة وعضو مجلس النواب الحالي جمال جعفر محمد الملقب بـ(أبو مهدي المهندس) المتهم بالارهاب الدولي والمحكوم عليه بالاعدام من محاكم الكويت لثبوت دوره في تفجير السفارتين الامريكية والفرنسية في الكويت عام 1983 بحادثتي احتجاز عمار ومداهمة براثا وقبلها ملاحقة مقتدي الصدر وقيادات ميليشيا المهدي واعتقال مندوبه في مدينة الثورة عبدالهادي الدراجي ووكيل وزارة الصحة حاكم الزاملي القيادي في التيار الصدري، ولان ملالي الاحزاب الشيعية لا يحسنون التحليل والاستنتاج السياسيين ويفتقرون الي التقييم المنطقي للاحداث السياسية وانما يتقنون اللطم والتطبير وضرب الزنجيل وترويج مفاهيم خرافية وثقافة ظلامية، فقد فسروا ما وقع لقياداتهم ورموزهم بانه ليس مهماً ولا يستحق التحسب، لآثاره وتداعياته اللاحقة، لأن كثرة الامتيازات التي حصلوا عليها في ظل الاحتلال نتيجة تعاونهم مع قواته واجهزته المخابراتية، اسكرتهم وما زالوا سكاري بها، وما دروا ان امريكا دولة تضع مصالحها فوق كل اعتبار، وتاريخها مليء بتغافلها واهمالها بل تآمرها علي قادة ورؤساء دول وحكومات بعد ان استنفدت اغراضها منهم، ثم حولتهم الي سلة المهملات، وتجربة شاه ايران محمد رضا بهلوي ما زالت حية في الاذهان، وهو الذي كان شرطي واشنطن في المنطقة ثم تحول الي لاجئ يبحث عن مكان يقضي فيه اخر ايامه فلا يجد، ولولا مبادرة صديقه السادات باستضافة موته، لكانت جثته حتي هذا اليوم موضوعة في صندوق للامانات في احد بنوك سويسرا. لقد حدثت تحولات في موقف الادارة الامريكية ازاء العراق منذ اربعة شهور تحديداً، فرضتها جملة من المعطيات ابرزها تصاعد عمليات المقاومة العراقية واتساعها وتمكن فصائلها من تحقيق انتصارات علي الالة الحربية الامريكية رغم ما تملكه الاخيرة من اسلحة حديثة وتقنيات عالية، ومن هذه المعطيات ايضاً ان البيت الابيض اكتشف مؤخراً انه اخطأ تماماً عندما اعتمد علي الاحزاب الشيعية والكردية في تمرير سياساته واجندته في العراق، بعد ان اثبتت هذه الاحزاب انها كارتونية رغم ما تدعيه من قوة وقواعد وانتشار، وقد صارت عبئاً ثقيلاً علي القوات الامريكية التي باتت جهودها مقسمة بين حماية جنودها وآلياتها وطائراتها، وبين توفير الغطاء الامني والعسكري للقيادات الشيعية والكردية المتعاونة معها، واصبح واضحاً ان هذه القيادات ليست لها القدرة علي البقاء والاقامة في العراق الا في ظل الحماية الامريكية لها، وتنقل شبكة (سي ان ان) عن احد القادة الميدانيين الامريكيين في معرض توضيحه لاسباب اسقاط ست طائرات هليكوبتر في اسبوعين ان المسلحين المتمردين ويقصد بهم المقاومة العراقية نجحوا علي امتداد اكثر من عام من تحقيق امرين بالغي الاهمية، الأول ايجاد بيئات وحاضنات جديدة اسهمت في توسيع انشطتهم افقياً وعمودياً وهو ما يتطلب قوات امريكية اضافية لمواجهة هذا الاتساع في الانتشار والحركة والعمليات (المعادية) وهذه المسألة أقلقت الرئيس بوش الذي من المستحيل ان يقدم علي خطوة جديدة لارسال قوات اضافية الي العراق، وهو ما زال يستعطف الديمقراطيين في الكونغرس لمؤازرته في قضية التخصيصات للعشرين الف جندي المرسلين الي العراق لتنفيذ استراتيجيته الجديدة التي بدأ العمل فيها منذ اسبوعين. والأمرالثاني الذي نجح فيه المسلحون المناوئون لامريكا هي قدرتهم في اتباع وسائل جديدة في ايقاع الخسائر بالجنود والاسلحة الامريكية، وخصوصاً سلاح المروحيات (الهليكوبتر) سواء عبر التصنيع المحلي او من خلال استيراد اعتدة وذخائر من الخارج، ورافق هذين الامرين انحسار في تعاون الاطراف الحليفة المحلية وتراجع دورها المساند لنا وعزلتها في الشارع العراقي. وقد صار واضحاً ان الاستراتيجيات الامريكية المتعاقبة التي طبقت في العراق منذ احتلاله تهاوت الواحدة تلو الاخري دون ان تحرز نجاحاً في اي مجال او ميدان، وهو ما أربك صناع القرار في واشنطن والبنتاغون ومجلس الامن القومي ووكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية واخيراً الكونغرس، وهي المؤسسات المعنية مباشرة بالمشكلة العراقية، كما ان الفشل الامريكي في العراق انعكس سلباً علي من يسمون بـ(المتعاونين) ويقصد بهم السياسيين وقادة الاحزاب المشاركة في العملية السياسية والهيئات الحكومية، فلم يعد المسؤولون الامريكيون يثقون باصدقائهم وحلفائهم السابقين ولا يستمعون الي طروحاتهم وآرائهم. ولعل ابرز الرؤي الجديدة التي توصل اليها الامريكيون: ان التدخل الايراني في العراق اصبح من الخطورة عليهم بحيث جعلهم في وضع اشبه بالاسري داخل الدائرة العراقية وهذا وصف تسرب عن حديث لكوندوليزا رايس في اجتماعها الاخير مع مسؤولين عرب في عمان، في معرض دعوتها لهم للتعاون والتنسيق اكثر فاكثر مع واشنطن خلال المرحلتين الحالية والمقبلة لمواجهة ايران، وحسب ما قالته رايس ايضاً ان الادارة الامريكية توصلت الي ضرورة احتواء اتباع ايران في العراق والتضييق عليهم، والمقصود الاحزاب والتنظيمات الشيعية الموالية لطهران، ولمحت الي سيناريو امريكي جديد يأخذ في نظر الاعتبار مخاوف دول الخليج ومصر والاردن من الامتدادات الايرانية، واوضح ما في هذا السيناريو الذي هو في الواقع انقلاب سياسي علي السائد حالياً في العراق، هو وقف العمل في الدستور الحالي واجراء تغييرات كبيرة في السلطة وتعطيل البرلمان الحالي من خلال اصدار مذكرات توقيف لاكثر من ثمانين من اعضائه متهمين بالفساد والاختلاسات والانتهاكات والعمالة لايران، تسعين بالمئة منهم من الائتلاف الشيعي، والتفاوض المباشر مع قادة اطراف في المقاومة، واطلاق سراح المئات من المعتقلين وخصوصاً الضباط العسكريين والامنيين السابقين وعددا من القياديين البعثيين عرف منهم طارق عزيز وسمير النجم وفاضل المشهداني ومحمد عبدالرزاق السعدون ولطيف نصيف جاسم، ونقلاً عن السفير الامريكي المنتهية ولايته زلماي خليل زاد لاحد كبار مسؤولي جبهة التوافق ان محاكمة الانفال هي آخر نشاطات المحكمة الجنائية العليا واغلب الذين يحاكمون امامها سيطلق سراحهم بعد اصدار احكام بالسجن المؤبد عليهم، باستثناء علي حسن المجيد الذي له وضع خاص، ونفي زلماي ان تبدأ محاكمات جديدة كما يروج لها في بعض الأوساط. وحسب رأي وزير الخارجية التركي عبدالله غول لوفد عراقي زار انقرة مؤخراً ان واشنطن ابلغت تركيا رسمياً ان لا تنجر الي صدام مع الاحزاب الكردية في المرحلة الراهنة، ولا تصدق تصريحات وتهديدات قادتها، لان الوضع المقبل في العراق سيكون منسجماً مع تركيا ومطمئناً لها ولا داعي لمزيد من التوتر!كل هذه المؤشرات تؤكد ان الامريكيين بصدد اجراء تغييرات واسعة في العراق بما يضمن مصالحهم الاستراتيجية البعيدة ليس في العراق فحسب وانما في المنطقة برمتها، وهذه المصالح لا تتحقق الا بالتهدئة في العراق وطمأنة حلفائها العرب، وقال لي الدكتور محمود المشهداني، رئيس البرلمان العراقي، في لندن أمس الأول انه التقي مع زلماي مؤخراً وسأله: (لقد دوختونا بتقلباتكم السياسية.. قل لي يرحم والديك، شنو استراتيجيتكم الجديدة؟) فرد عليه السفير الامريكي بجدية علي رأي المشهداني: الاستقرار في العراق، وبعد ذلك لكل حادث حديث!.وبالتأكيد فان الاستقرار في العراق من وجهة نظر الامريكيين يعني التقليل من خسائرهم البشرية والتسليحية، واجراء تغييرات في المشهد السياسي واقامة تحالفات جديدة علي انقاض التحالفات السابقة والاعتماد علي طبقة سياسية غير محروقة بالكامل من الاحتياطي الامريكي المضموم، وهذا يستدعي من اطراف المقاومة والمعارضة العراقية ان تكون واعية ومنتبهة لمسارات الاستراتيجية الامريكية الجديدة، ولا تفرط بثوابتها لان قطف الثمار قد حان الآن، والضرب علي الحديد وهو ساخن، أفضل من الضرب عليه عندما يبرد.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية