همس بارد

حجم الخط
0

همس بارد

رجاء بكريةهمس بارد لن يعيدني ولا الورد إليك ..هذا ما غنته العاصفة للمطر.. بلقيستكتك المنبّه علي حائط الشرفة، تنادي الغيم فوق يدي. وهناك في آخر البحر رأيت الباخرة ولارنكا. خلفهما سرب نوارس يرسم أبيضه، يوزّع عطري بين الجهات كأنّه آخر عطر يصلح لاستعادة الصورة أو الذاكرة… علي جوع هجم صوتك علي ومعه سقط همس بارد. لم يكن لرجوعك مذاق هذه المرّة. كان لرجوعك حرقة في قاع الرّحم وشتاء بدن باللوعة. تحت ملح همسك سقط مطر مشاغب. ملأ غرف بيتي بصوتك فجأة، ومن كلّ نافذة خرجت إصبع من أصابعك مغمورة بأشواق رغبة. هكذا كنت تفعل حين يطرق الشتاء النوافذ. تركض من شبّاك إلي شبّاك، وتنادي، لملمي الغسيل عن حبل الشرفة سوف تغتسل الشراشف بالعتمة، أنا اليوم معك ولا مكان لأحد بيننا. بعد تصريحك الكاذب أبتسم كلّ مرّة كأوّل مرّة أجدك حريصا علي بدن الدّهشة. ولأنّني أعرف أنّك تناور لعبة انتشائك تتسع ابتسامتي. أنا من يعرف أنّك لا تجيد تزرير شامات البدن عليك تحت الأضواء النهمة. تمتلك يدا طويلة تفهم صداقة الجدران ومفاتيح الكهرباء. وفي قمّة الإنتشاء تتذكّر أن تعثر علي المفتاح المدوّر وترسل اللامبة الباردة إلي حسرة قاتمة.عدت، لكن بهمس بارد جدا لا أحتاج تماما إليه، ومعه هواتف كثيرة وأرقام غريبة وكلاما بلا أجنحة. بفرح ضئيل لا أفهمه ومحبّة قليلة. في ساعة متأخّرة من الليل قرأت رسالتك الإلكترونيّة. حائرة كانت، ضائعة الأبعاد، مجعلكة القلب. هل رأيت قلبا مجعلكا؟ رأيته أنا حين فتحتُ كلامك وبدأت أسجّل تفاصيل مغامرتي الأسطوريّة في قلب بحر معك. كأنّ مغامرات كلّ النساء في بدني، القبيحات والجميلات، النبيهات والغبيّات. وربّما، يا سيّدي كنتُ الأغبي بينهنّ، فحين يجتاز الذّكاء حدود المتوقّع يصبح ضربا من حمق مؤكّد، وجميع نجاحاته تصبح ألوانا من الفشل ، فشل ذريع في عمق شتاء أو عمق قلب. راهنت علي قلبك! ألف مرّة فعلت، وفي كلّ مرّة كشفت عن ساقيّ ونزلت حافية إلي موجه علقتا ركبتي وصار ماءه دما. ودائما تذكّرت بلقيس ، ملكة سبأ حين دخلت إلي صرح سليمان وكشفت عن ساقيها، وخذلها الزبرجد. كلّما كشفتُ عن ساقيّ لمحتك أمامي وبيننا مساكب لانهائيّة من الورد والحبق. بدأت أجتاز مع بلقيس غمر الجوري الملوّن. وعبر الحوار المتخيّل بيننا أقنعتها أنّ الغرق في الوحل أجمل من الغرق في بركة دم. لكنني لم أكن أعرف تماما أنّ للوحل هذه القدرة العجيبة علي الإستحالة إلي محيط دم.خانني الذّكاء مرّة أخري، يا سيّدي خانني معك!ماذا أفعل كي لا تذهب!كلامك الأوّل إليّ لحن، وهمسك نخل يرقص لسواحل القمر، ماذا أفعل كي أبقي معكِ؟ تسألني علي خفر. وماذا أفعلُ كي لا أذهبُ أنا منك؟ أربك السؤال بسؤال آخر أكثر اشتباكا بك. إذن دعنا نتفق أن لا تكتب كلاما ولا ترسم قدرا بممحاة القلب، أعلن نيّتك أو توبتك ولو علي شك كي تقنع أصابعي الباردة أنّك لن تشبك فرحك بضفائر نساء أخر. علي شك أنا كأنّني علي هاوية. وأضيف حين تسكت، كأنّك تتأمل، أَطلِق بممحاة اللحن إسما جديدا علي بيتي، علي شامة ساقي، حلق أذنيّ مثلا، شعري الّذي أصبح ناعما جدا، وملامحي الّتي نضرت عمرا. تعرف استعادة التفاصيل عن غيب وعلي مهل ولا تنجح في استعادة أشياء قليلة عن تاريخي الجميل معك. قلت لك، إذا كانت استعادتي ممكنة فشكّل لحن مفاجأة لم تؤلّفها قبلك أصابع رجل. بوتر السحر الّذي لإصابعك وهي تشدّ الذاكرة إلي براري الشوق. أشعل دهشتي كما فعل حضور العرش لبلقيس يوم دخلت صرح سليمان زائرة. فتّش عن وسيلة ممكنة كي تحيلني إلي ملكة غير بائسة. معك أريد أن أكون ملكة تصلح لكلّ العروش ولكلّ الأمكنة.علي رجف بقيت..عددا من أيّام الهمس البارد بعد مغامرة أخري صريعة أو صريحة. من النوع الخائب جدا يا سيّدي. لا توجد مغامرات معك غير قاتلة.وهذه المرّة.. علي وجع انطلت علي أظافري ألوان الخديعة. حسدتك هذه المرّة علي حذقك في تلوين قلبي بالحكايا. ألوان الطلاء الّتي اخترتها كانت مضللة جدا ومباغتة. تناثرت، تلاحمت، تكاثفت، تعانقت وصنّعت عيد ورد يصلح لكلّ أشكال الجرائم والقبل.في عيد الحبّ هيّأت لك طقسا لا يحلم به الرّجال مع نسائهن. سلّة عطور طبيعيّة برائحة محبّتي. انتقيتها في ساعة متأخّرة من المساء، بل وانتظرت بالدّور حتّي تفرغ صاحبة الزهر من كمّ العاشقين الّذين التفوا حول ورودها لانتقاء ما يناسب أذواقهم. انتظرت بصبر كي أعثر علي تركيبة جديدة للعطر الّذي سأدهشك بلونه ورائحته. تذكرت أنّك تحبذ الرّوائح المطعمة بنبيذ النساء وتخيلت نفسي كلّهن. حرصت هذه السنة وخلاف السنة السابقة علي خصوصية ما. لقد تعبت الورود من سفراتها الطويلة إليك في يوم يطلّ علي القلوب بملابس خفيفة وابتسامات لطيفة. قررت أن أجنبها اللف وأجّلتها ليوم عادي من أيّام السّنة ألتف فيه علي صباحك وانزرع مشتل حبق حول عنقك. أحاصرك علي طريقة العشاق المبتدئين بأزهار بيضاء مستحية كي تفهم من جديد أنّني بطريقة ما أحبّ الرّجوع إليك. وأشتاق إلي رغباتي فيك، إلي سفح وجهي تحت راحة انفعالك، إلي الأيام الّتي تبحث عن مواعيدها ورائحة وردها وهي بدونك.يا سيّدة الوردذهبت إلي بائع الأسطوانات، وبحثت عن أغنية مرهفة اللحن، عفوية الكلام ولا تثرثر كما تفعل معظم أغاني العشق الجديدة. ..يا سيّدة الورد، إن كنت علي الوعد، فحبيبك منتظر.. قررت أن أجمع العطر والورد في عمق السلّة الّتي تتهيأ لسفرتها السريعة والمباشرة في يوم الكذب كما تسميه. تغاضيت عن أحكامك الإعتباطية، وهمست لسيّدة الورد النائمة في صوتي، أنت الأقوي يجب أن تهاجمي مزاجياته كما يهاجم بدنك.. لا تصغي إلي ثرثراته، فهو ككل الرّجال اعتاد علي هزيمة أشواقه. وسوف تدقين رأسه بكلمات الغزل وتعيدين نوافذ المدن المرسومة فوق رسغك وضباب مخيّلته، المدن الّتي كتََبَتها خطوات أشدّ حرارة من أنفاسه. قبل لارنكا كان أكثر قدرة علي غزْل الفرح في صوتك، ودفن صوتك بالقبل. كان يعرم الدّفء والزّهر بمجرّد أن يلقي همسة علي هاتف الصباح الأول، وكان يقول لا تتركي ورد الشرفة بدون ماء. وشتلة الصبّار الطويلة لا تتركيها تموت من العطش، هل تذكرين كم كانت صغيرة حين أدخلتها إلي شرفتك؟ “بعمر أشواقنا هذه الصبّارة”، أعلّق جذلة.حديث الصباح القصير استطاعت أن تحتله بسهولة تلك الشتلة المجنونة. بعد ذلك بدأت أغار منها، وأتجاهلها عمدا. ومنذ استثنيتها من حديثنا تضاءل صوتك، وغابت حرارة نفسك، لم تعد تغرس سؤالك عند عقارب السابعة، “كيف الصبرة بعدها عايشة؟” ذات يوم استفردت بشوكها وقصصته بمقص الأظافر، ثمّ أنبتها علي تدخلها بشؤوننا أنا وأنت. فوجئت بك عند السادسة تلح بالسوال، “كيف الصبره؟ حلمت إنها ذبلت”. “هذا غير صحيح حبيبي مجرّد أوهام غياب عابرة، دافعت عن فعلتي المشينة، “شوكها يطول والخط الأحمر حول عنقها يزداد انفعالا حين تكثر غيابك”. بعد يومين استعنت بمتخصص أعشاب كي يعيد رأسها المائلة إلي مكانها. ذاكرة المطر..سيّدة الورد لم تصل إليك. اكتفيت بإرسال سلّة العطور الطبيعيّة، وأوصيتهم أن ينعفوا أعناق الورد الأحمر حولها. أفرغت آخر نقود وجدتها في حقيبة اليد وخرجت منتشية، كأنني كنت أسجّل حينها للتاريخ فصلا من نجاحاتي الأسطوريّة غير المستعادة. بمجرّد أن لمحتك مع سلّة الشوق تلك رأيت الشوارع والوجوه والأعمدة البردانة تحت شتاء المساء سلال لا نهائية للعطر ومخابئ سريّة للعشق. سيّدات المدينة لا يعرفن أنّني أحتفي اليوم بتتويج فرحي الراجع مجنونا إليك. أميرة الشتاء سأعلّق فوق قلبي كي أستوقف الناس المارقين علي عجل، وأخبرهم أنّني اليوم أستعيد عرشا أضاعه خلوّ العالم من الورد. هل عرفت مثلا أنني أكتب طريقا من الحكايا وأنا أعلق أعناق الورد علي أسلاك الشتاء! لم تعرف لأنك دوما كتبت حكاية أخري لا تشبه حكاياي. فكرت بعطر امرأة أخري سواي، وورد بائعة لا تسجل أسماء العشاق علي فخذها، وعناوين انفعالهم علي فضاءات كفها. في عيد الحب لم تسجل سبقا في دفع قلبي إلي القفز تحت ذاكرة المطر. بقيت غبيا وبليدا كما اعتدت أن أعرفك. كرهتك قليلا، وكرهت معك سائر الرجال البليدين، أمطارهم وأعمارهم. كان مطرك لمدينة، ومطري كان لمدينة اخري. ورغم إضراب سيارتي عن الدوران إلا أنني نجحت في إرغامها علي السفر حتّي عتبة البيت. سحبت الساعات أرقامها وسجائرها، ولم تطلّ سيجارتك علي. حتّي ساعات المساء بقي صوتك غائبا. بعد أن أعتمت نوافذ قلبي لمحت رقمك يترنح علي شاشة الهاتف. لم أبتهج تماما ولكن خالجني إحساس بالإمتلاء، لقد تذكرت فجأة أنّه عيد يقول الرجل فيه لحبيبته كل سنة وأنت لسنيني الآتية، لم تكن هذه الأمنية منك إلي. قلت لي كلاما خائبا لا يذكره العشاق أوقات انتكاسهم. “كل سنة وأنت بخير، هذا عيد الكذب” قلت وذبت في ملح الصمت. تماما كما توقعت، لا جديد في كلامك الصفيق. بقيت باردا مثل لوح زجاج. استوقفتك قليلا كي أهاتف حامل العطر إليك وأعيد سلّة محبّتي لكنه سبق أرقامي إليك، سبق تراجعي عنك. حينها فقط فهمت أنني لم أعد قادرة علي محبّتك. لم أعد قادرة علي البقاء معك.كم سرقتني يداك!تعال معي جئت إلي هنا كي أجد مكانا لضمّك، قلت لك وسحبت أصابعك من جيبك، لا تكن مترددا هكذا. رأيت القمر يطل عليك وحدك يشجّع خوفك من قلبك، ومن الغيمة الّتي تمطر دفئا بين عينيك. اقتربت منّي حيث وقفت مباشرة تحت الإستدارة الملوّنة، وجهك ساخنا جدا كما أعرفه وأنا معك، ويداك تسرقان الورد الّذي ينتشر في حضن يدي. بقيتَ هكذا تقطف ما يخرج، تقبّله وتدفن وجهك بين كتفي. كم سرقت وردي يداك. وكم أخذني الورد إلي حقول الشتاء الّتي تهاجمني معك. “أحبّك.. هل تصدّق محبّتي الحمقاء لرجل لا يعرف غير خيانتي؟” لم تجب ، أحبّك همست ثانية كلاما أبرد من شفتيك.. ولا أعرف لماذا ألتصق برجل يلاحق كلّ امرأة صغيرة تلوّح له بتنورتها القصيرة. “لم أخنك.. الناس يغزلون الكذب”. قبلّت أصابعي ألف قبلة، لاعبت أظافري، ومسحت خدّي بأحمر شوقك. “لمن تركت شفاهي تحنّ إذن؟” همست تحت سترتك، بعد ذلك لم أسمع خلاف أنفاسك تختنق في صوتي. لم تكن قبلة عشقك إلي بل قبلة قلبك الأخيرة لكلّ ما ستحن إليه بعدي أيّها البائس.أنا ذاهبة، ولن يعيدني ولا الورد إليك… فبراير 07كاتبة من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية