ماذا يفعل داني غلوفر، وايليا سليمان، وزيكو لابلين في شوارع تمبكتو المغبرة؟ باماكو : فيلم يقيم محكمة هزلية للبنك الدولي والعولمة والهجرة غير الشرعية في ساحة بيت

حجم الخط
0

ماذا يفعل داني غلوفر، وايليا سليمان، وزيكو لابلين في شوارع تمبكتو المغبرة؟ باماكو : فيلم يقيم محكمة هزلية للبنك الدولي والعولمة والهجرة غير الشرعية في ساحة بيت

ابراهيم درويشماذا يفعل داني غلوفر، وايليا سليمان، وزيكو لابلين في شوارع تمبكتو المغبرة؟ باماكو : فيلم يقيم محكمة هزلية للبنك الدولي والعولمة والهجرة غير الشرعية في ساحة بيتماذا يفعل المخرج الفلسطيني ايليا سليمان مع الممثل الامريكي داني غلوفر، وزيكو لابلين، عبد الرحمن سيساكو، وجين هنري روجر، في شوارع مدينة تمبكتو العاصمة الثقافية لمالي؟ وفي مشهد من فيلم ويسترن امريكي يقوم آبقون علي الطريقة الامريكية بافتعال معركة، لا تخلو من هزل وقتل نساء في الشوارع الترابية وبين البيوت الطينية، تحدث المواجهة والقتل، ويحمل الفيلم عنوان موت في تمبكتو . وهو فيلم السهرة في تلفزيون مالي الذي عاني قبل العرض من مشاكل تقنية قبل ان يعرض الفيلم والمذيعة التي ملت من الانتظار قبل ان يصلح العطل ويخفي وجهها لكي يبدأ الفيلم. مشاهد الويسترن التي ذكرت بكلينت ايستوود كانت مشهدا من فيلم المخرج الموريتاني المعروف عبدالرحمن سيساكو باماكو (2006) في اشارة للعاصمة التجارية لمالي التي نشأ وترعرع فيها، حيث يعود بعد في انتظار الفرح و الحياة علي الارض في هذا الفيلم الجميل الذي يضع فيه افريقيا في مواجهة سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والعولمة والفقر والارهاب والهجرة غير الشرعية للغرب، وقد تمت محاكمة العولمة واقتصاد السوق الحر، في محكمة هزلية جمع فيها المخرج ابناء افريقيا وقضاة ومحامين، فرنسيين وافارقة واقامها في ساحة دار كان والده يجلس فيها، وعلي توتر بين ميلي عائشة ميجا وشاكا تيكورا تراوري اللذين يحاولان انقاذ زواجهما، حيث تخطط ميلي للسفر والعودة الي داكار فيما يهدد شاكا بانها اذا عادت تعود الي اهلها بدون ابنتهما. يبدأ الفيلم بمشهد شاكا في صباح جميل وهادئ في باماكو حيث لا تزال العتمة تظلل المدينة الا من اضواء خافتة وصوت المؤذن الذي يحضر في افلام غرب افريقيا والصلاة، حيث يتفقد شاكا بقرته، بعدها يفتتح الفيلم علي قاعة محكمة تدور جلساتها في ساحة البيت، ومن خلال الصخب والضجيج الذي يحدثه الاطفال والرجال الذين يتأهبون ليوم جديد قد يجدون فيه عملا، وميلي التي تخرج من مقصورتها حيث تملأ سطل الماء وتلبس ملابسها قبل ان تطلب من ميا الصبي احد سكان البيت ان يعدل لها ثوبها ويربطه من الخلف، كل هذا وجلسات المحاكمة جارية والدفاع والاتهام يقدمان الشهود الذين يمثلون افريقيا، بعدها تخرج ميلي كالسندريلا تتبختر من بين الجلوس، حيث تركز الكاميرا علي وجه شاكا الذي يبدو قلقا ولا يقول شيئا. فيلم عبدالرحمن سيساكو، هو محاكمة دائمة وطويلة، تأخذ المشاهد في رحلة مع تاريخ افريقيا المعاصر، خاصة بعد الاستعمار، ويقوم بشجب ثقافة الاستعمار الماضي وسياسات الاستعمار الجديدة التي يمثلها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كوجهين من وجوهه، وسكان الدار او المدينة غير معزولين عن الحياة في العالم، فهم يقدمون في مرافعاتهم ادلة عن خراب الاقتصاد وسياسات السوق والخصخصة الذي بدأ يقضي علي التجارة المحلية والزراعة المحلية، حيث لم يعد امام سكان القري الذين كانوا يعتمدون في بيع سلعهم اي امكانية لبيعها لركاب القطار الذي كان يتوقف علي عدد من المحطات في الطريق بين دكار ومالي وهو الخط الحديدي الذي كان مسرحا لرواية هامة للكاتب والمخرج السنغالي الاب الحقيقي للسينما الافريقية صنبين عصماني، اله الخشب المتفرقة . يخلق سيساكو جوا افريقيا في داخل قاعة المحكمة فهذا الفيلم الدرامي ـ الوثائقي يعيد تشكيل الحياة في القرية والمدينة الافريقية، من العمال والباعة ومحلات الصباغة، حيث تدور عمليات التآمر والتحقيق علي خلفية الاثواب الملونة التي تنز ماء ولم تجف والمعلقة في صفوف تخلف جوا من الالوان الجميلة. يبرع سيساكو في رسم الاطارات، كل وجه يبدو علي لوحة جامدة او اطار، بحيث يحكي من خلاله المخرج قصة افريقيا في حزنها ونبضها وجفاف حياتها ومشاكلها. فصور الشباب الذين يتلصصون علي المحاكمة تبدو صورة فوتوغرافية التقطها مصور محترف. من بين ركام الاضبارات والملفات القديمة والقضاة بملابسهم الجميلة التي لم تتلوث بالغبار تتم محاكمة بول وولفويتز، مدير البنك الدولي الذي يصفه الدفاع بانه كان يبكي مثل التماسيح في مؤتمر باريس، وهو الذي هندس دمار العراق. كما تتم محاكمة السياسات الغربية وربطها الدائم بين الارهاب والهجرة غير الشرعية. فيما يقوم محامو الشيطان الاكبر او البنك الدولي بتقديم احصائيات عن المساعدات التي قدمتها الدول الغربية لافريقيا والتي تقدر بالبلايين ولكن اين هي؟ فالدولة كما يقول احد المهاجرين غير الشرعيين لم تقدم له مساعدة او تعليما ولم توفر له ضمانات صحية مما يعني اضطراره للخروج والمغامرة مع الذين يغامرون بحياتهم في الصحراء، عبر الجزائر او المغرب، منهم من يموت جوعا وعطشا او تعبا في الصحراء او غرقا في البحر. حول المحاكمة تدور الحياة الافريقية المفترضة، الباعة المتجولون الذين يبيعون كل البضائع والماركات العالمية، مشهد محاولة محامي الدفاع عن البنك الدولي مارتين رابور وهو يحاول شراء نظارة شمسية من بائع متجول يؤكد له انها من انتاج بيت الازياء العالمي غوتشي . يخلق سيساكو توترا اخر في الفيلم، ليس بين ميلي وشاكا ولكن بين مظاهر الحياة المعاصرة ومحاولة الحفاظ علي الهوية الافريقية، ففي الوقت الذي يتم فيه شجب الاستعمار القديم والجديد يتم شجب ابناء افريقيا الاتكاليين الذين يجيدون القاء اللوم علي الدولة. كما في تدخل مديرة ورشة الصباغة التي اخذت تسخر من المحامين الذين يدافعون عن مهاجر غير شرعي وتتهمه بعدم المسؤولية. مع الحس الساخر والاجواء الغرائيبية التي يخلقها سيساكو، اطفال يلهون بالعابهم في القاعة، حفل زفاف يمر من قرب المحكمة حيث يقرر القاضي تعليق المداولات حتي تنتهي المراسيم، مصور فيديو افراح يحاول التكسب من تصوير الاحداث وبيعها، يرشو حارس المحاكمة للدخول وعندما يسمح له بالدخول يحذره من عدم شرعية التصوير، دخول المبشرين الحماسيين، الافارقة السود الامريكيين الذين جاؤوا يحملون معهم كلمة السيد المسيح، حيث يحضر شاكا المسلم احدي الجلسات ويأخذ بالرقص والهتاف هاليلويا.. . لا ينسي سيساكو السياسة، ففي حوار بين المصور وشاكا يقول متسائلا ان كانت اسرائيل ستفتح لها سفارة في مالي فيضحك المصور، ولكن شاكا يبدو متيقنا ان الامر قد يحدث في القريب العاجل. لا ينسي المخرج تظليل الدور الصيني والمصالح الصينية في افريقيا، وقضايا الايدز والمرض، والديون الافريقية التي طالب المحامون بشطبها. تبدو جلسات المحكمة طويلة ومملة والقاضي كان صبورا ويؤدي القضاة والمحامون دورهم بجدية فمرافعاتهم لا تختلف في جديتها عن مرافعة اي محكمة اخري. لكن سيساكو يجدل بين هذه ويمزجها في داخل الحياة اليومية التي تدور دون توقف بعيدا عن جدل وترهات المحامين، الدفاع والاتهام، وبعيدا عن صخب المحكمة ينقل الينا سيساكو مظاهر الحياة الراقية في باماكو والبارات والنوادي الليلية التي تغني فيها ميلي، وهي تنقل في صوتها عذوبة الاغنية والموسيقي التي ولدت في هذا البلد الافريقي وجعلت كل العالم يرقص علي ايقاع البلوز الافريقية. وفي نهاية الليل تضطر المغنية لخلع حذائها والقفز الي داخل الدار لان البوابة مغلقة. هنا ايضا مشاهد جميلة عن علاقة الاب والبنت، وبراءة الاطفال الذين هم ضحايا الجشع الاوروبي وضحايا الخلافات بين الزوجين. لا يقول سيساكو شيئا عن تاريخ الشخصيات، فهو يترك المشاهد يتكهن ويبحث خلف الرموز الكثيرة التي يخلقها، فالفيلم يبدو في النهاية كسلسلة من الالغاز التي علي المشاهد حلها، وهو بهذه المثابة علي بساطة مكان التصوير فيلم بلا نص، كما هي العادة، خطي ذو بداية ونهاية وعقدة تقود الي فهم النص. فهو اعادة تمثيل للحياة ولكن بحس ساخر، ولكن هذا لا يعني ان الفيلم هو عن عبث الحياة وقدريتها وجشع المستغلين، ففي بنيته الباطنية او الجوانية هناك لغز وجريمة قتل، القاتل غير معروف، والقتيل او الضحية غير معروفة. يتركنا المخرج في النهاية للتساؤل، حيث يحاول مصور الافراح والاتراح التركيز علي الكفن لكنه لا ينجح في نقل وجه القتيل المسجي والمغطي لكي تصلي عليه الجنازة. نعرف ان عملية القتل ربما بالاستئجار والقاتل الذي نفذ الجريمة كان من بين المصلين، وهو الذي كان يتلصص علي ميلي وهي تدهن جسدها بالزيوت والكريمات تحضيرا لحفلتها الغنائية. ونعرف ان شخصا مؤثرا كان وراء القتل حيث يوقف ميلي مرة في الطريق ويسألها عن السلاح وان كان شاكا يعرف مكانها. في نهاية الفيلم، رصاصة قوية تنطلق وتردي شخصا، ربما كان شاكا لاننا لا زلنا في ساعات الفجر، والشخص الملقي علي الارض يشبه شاكا بجلبابه الازرق. لكن المخرج لا يقول، وليس مهما الافصاح عن الضحية او القاتل طالما استمر الاستغلال والاستعباد.ومع ان الفيلم جدلي (فيه كلام كثير ومرافعات الا ان فيه شاعرية، وهي شاعرية يتميز فيها سيساكو، شاعرية اللون والصورة. والشاعرية تبدو علي الرغم من قساوة اللحظة فالكاميرا تلتقط جمالية المكان، وكما قلت فاحيانا يشعر المشاهد انه امام معرض صور فوتوغرافية. اذ ان المخرج يتحكم في موضوعاته وصوره بحيث يلتقط في الداخل الانساني ويركز علي التوتر والحزن والقلق والغضب الذي ينفجر علي شكل قصيدة طويلة لا يترجمها المخرج وتبدو انها محاولة لاحياء الثقافة التي جعلت الحياة في القرية الافريقية منسجمة ومتواصلة قبل دخول الاستعمار ووصول الشركات العملاقة.لا تزال افريقيا خاصة دول الصحراء وغرب القارة قادرة علي انتاج افلام مثيرة وعميقة في بعدها الثقافي، وعلي الرغم من ولادة مراكز مثل نيجيريا في صناعة الافلام السريعة والدراما التي تستخدم تقنية الفيديوكام الا ان مالي والسنغال وبوركينافاسو تعتبر من الدول الرائدة في صناعة السينما، وهذا يعود لان مولد السينما الافريقية بدأ في السنغال علي يد عصماني (ولد عام 1923) الذي آمن منذ البداية بقدرة السينما البصرية علي التعليم والتثقيف. واقر بمحدودية القراء في افريقيا. وقد قال مرة ان الافارقة يرتادون دور السينما اكثر مما يرتادون المساجد والكنائس. وقد اكد عصماني في افلام مثل الحوالة (1968) و اللعنة (1974) و البنت السوداء (1967) و معسكر ثيوري (1988)، و اله الرعد (1971) علي ريادية السينما. ومع جبريل ديوب ممبيتي الذي توفي عام 1998 وقدم افلاما مهمة مثل توكي بوكي (1973)، و مدينة المقارنة ( 1968) و ابن آوي (1992)، استطاع المخرجون الافارقة تقديم صورة وهوية افريقيا وثقافتها. ويعتبر عصماني بمثابة ملك او رئيس دولة السينما الافريقية والاب الذي رعاها. وكانت جماعة السينما الافريقية التي اسسها مخرجون من السنغال علي رأسهم بولين فيرا، منعوا بموجب قرار اصدره لافال عام 1934 بعدم التصوير في المستعمرات الافريقية، ومن هنا كان اول فيلم افريقي قد صور خارج حدود افريقيا. وتحتفل دول الصحراء بعدد من الاسماء التأسيسية في السينما الافريقية مثل سليمان سيسي من مالي صاحب فيلم الطامح (1968) و الفتاة (1975)، وشيخ عمر سيسكو صاحب فيلم دروس من المزبلة (1986) وميد هوندو من موريتانيا صاحب ننام عندما نموت (1977)، ومصطفي الاساني من النيجر صاحب فيلم العرس (1965)، ومحمد كامارا من غانا صاحب دينكو (1992)، والتراث السينمائي والموسيقي خاصة تراث علي فاركا توري وعائلته المعروف، ارضا خصبة للسرد الموسيقي، كما ان التراث الشفوي والاسطوري يمنح المخرج فرصة لبناء عالم سينمائي مليء بالضوء والفنتازيا، مثل مشهد سامبا ديكايت الذي قدم مرافعته الشعرية وتركها المخرج سيساكو بدون ترجمة، تاركا اثرها وصدمتها علي وعي المشاهد. فيلم سيساكو يمزج الفتنازيا، داني غلوفر وفريقه، والواقع. المحامون الماليون والقضاة حقيقيون يتحدثون بحرية ويقومون باتهام وتجريم البنك الدولي. وينتقدون المجتمع الافريقي والاستعمار. التساؤل الوحيد الذي يتركه الفيلم في ذهن المشاهد عن السبب الذي جعل المخرج يقدم ميلي وشاكا بدون تطوير شخصيتيهما وبدون اللعب علي التوتر الذي كان يتفاعل ويزداد مع تواتر جلسات المحاكمة. لم يخل الفيلم من لحظات مرحة وساخرة، عندما لم يستطع احد القضاة التلفظ باسم محامي الادعاء، وعندما كان هذا الاخير يتحدث علي هاتفه النقال واقتربت منه الشاة المربوطة في الساحة في حركة اندفاعية اخافته.ولد عبد الرحمن سيساكو في موريتانيا عام 1961 ونشأوتربي في مالي بلد والده الاصلي. وعندما عاد لنواكشوط عام 1980 وجد صعوبة في التأقلم مع وضعه الجديد، حيث لم يكن يعرف الحسانية، ولغته البامبارا قليلون يتحدثون بها، كما لم يكن له اصدقاء، اضافة الي ان زوج امه الجزائري اخذ ابنها منها وذهب به للجزائر تاركا اياها تندب حظها، وبدأ يذهب الي المركز الثقافي الروسي لتمضية الوقت وهناك تعرف علي مدير المركز الذي قدمه للادب الروسي، فتعرف علي دستويفسكي، وتورجينف، وحصل من المركز علي منحة لعام لدراسة اللغة الروسية في موسكو، وهناك تقدم لمعهد السينما حيث قبل ودرس فيه واخرج اول افلامه، الذي عرضه في مهرجان اوغادوغو في بوركينا فاسو، عرض فيلمه بانتظار الفرح في مهرجان كان السينمائي. بدأت عروض فيلم باماكو في لندن في الاسبوع الاخير من شهر شباط (فبراير) الماضي، وذلك ضمن تظاهرة افريقيا علي الشاشة التي عرضت فيها مجموعة من افلام عصماني، وجبريل ديوب ممبيتي وافلام من اثيوبيا ايضا.ناقد من اسرة القدس العربي Bamako (2006)Director:Abderrahmane SiakoMali/USA/France0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية