السياسة الداخلية السعودية: بين العريضة والعنف
د. مضاوي الرشيدالسياسة الداخلية السعودية: بين العريضة والعنفحدثان مهمان يعكسان تطور السياسة الداخلية السعودية كلاهما يعتبران ردة فعل علي السلطة المطلقة الممارسة من قبل وزارة الداخلية. الحدث الاول هو عريضة الاصلاحيين الاخيرة والتي تقدم كتابها بطلب مهم لم توله اجهزة الاعلام حقه من النقاش. تضمنت عريضة دولة الشوري والعدل تسعة بنود من اهمها ما يتعلق بوزارة الداخلية المناطة بالوضع الداخلي والامني. اقرت العريضة ان الوزارة اصبحت دولة داخل دولة وهي الحاكم الفعلي للبلاد وتحت ذريعة الحرب علي الارهاب تحولت الي سلطة مطلقة.واشار كتاب العريضة ان السلطة المطلقة مفسدة مطلقة خاصة عندما تراكمت تجاوزاتها علي المواطنين وتقويض حقوقهم الحد غير المقبول. ومن هنا جاء اقتراحهم بتقسيم الوزارة الي مؤسستين واحدة تعني بأمور الحكم المحلي واخري تعني بالشأن الامني. يعتبر هذا التقسيم صمام الامان في وجه تجاوزات حصلت وقد تستمر تحت ذريعة مكافحة التطرف والحرب علي الارهاب وحفظ الامن الداخلي. يعد هذا الطرح انقلابا واضحا وصريحا علي سلطة وزارة الداخلية بعد ان طفح كيل المواطنين والمثقفين والنخب من التقييد المستمر والمتواصل علي الحريات العامة وحق التعبير والكتابة في المنتديات والمنابر المتاحة لمن هم في الداخل. اشار موقعو عريضة العدل والشوري الي امتداد نفوذ هذه الوزارة الي وزارات اخري بل الي جميع الوزارات واصبحت تعتمد علي الحدة و الشدة والاخذ بالظنة وتنبثق هذه السياسة من تبني هذه المؤسسة للحل البوليسي والذي بدوره يزيد من تفجير مخزون العنف. وقد صدق حدس هؤلاء عندما خنقت هذه العريضة قبل ان تري النور بسجن المجموعة الاخيرة والتي منها من هو متعاطف مع مضمون العريضة رغم انه لم يسجل اسمه علي لائحة الموقعين.وبعد اسابيع قليلة جاء الحدث الثاني والذي هو بدوره يعتبر صفعة قاسية للدولة البوليسية المناط بها حفظ الأمن. قتل اربعة فرنسيين من مجموعة مكونة من سبعة عشر سائحا بالقرب من المدينة المنورة انما هو فشل واضح وصريح لمقولة حفظ الامن والقضاء علي الارهابيين في المملكة وهي مهمة وزارة الداخلية والتي تتقاضي علي اساسها الملايين من الدولارات لتطوير قوتها البوليسية والتجسسية ولكن يبدو ان وزارة الداخلية قد حققت نجاحا باهرا في مشروع تقييد حريات المواطنين ومصادرة حقوقهم دون ان يؤدي ذلك الي توطيد الامن المزعوم. سقط السياح الفرنسيون ضحية لسياسة امنية لم تؤمن الأمن ودفعوا ثمنا باهظا من ارواحهم حين اصبحوا فريسة سهلة يقتنصها البعض في معركته مع المؤسسة المختصة بشؤون الامن الداخلي.العنف الموجه الي الفريسة السهلة كالمنتجعات السياحية والسياح والفنادق ليس بالجديد في العالم العربي. كلنا يتذكر مجزرة السياح في مصر من الاقصر الي فنادق سيناء هذا بالاضافة الي فنادق عمان وخارج المنطقة كما حصل في بالي مثلا. اصبح السائح ومنتجعاته ساحة للمعركة، وقد يفسر البعض مثل هذا العنف علي انه موجه الي بؤر الكفر والشرك الموجودة والمتكاثرة علي ارض المسلمين ولكن يبدو ان لمثل هذه الاعمال دلالات تتجاوز مثل هذا التبرير والتفسير السطحي. اعمال العنف هذه تمثل ضربة لاجهزة الامن ذاتها رغم ان ضحيتها تكون عادة من غير المعنيين مباشرة والضالعين كطرف حقيقي في معادلة الصدام الحاصل علي الارض بين الانظمة واجهزتها الامنية من جهة وبين المجموعات المناهضة لهذه الاجهزة والتي هي نفسها اي المجموعات المتبنية للعنف تكون عادة المستهدفة من قبل اجهزة الامن.قتل السائح الاعزل عمل اجرامي مفضوح كذلك هو عمل جبان يقوم به من له ثارات مع السلطة المركزية التي تدعي حماية الامن. وبما ان هذا الاجرام يلقي تغطية اعلامية كبيرة عالميا وداخليا لان ضحيته من الاجانب نجده يتفشي ويصبح استراتيجية مدروسة ومخططا لها من قبل منفذيها فكما ان عريضة الاصلاحيين نبهت الي معضلة التجاوزات المستمرة من قبل وزارة الداخلية نجد ان العنف ضد السياح هو ايضا يمثل ضربة قاصمة للنظـام الذي يدعي حمايتهم في بلد كالسعودية. وبما ان اي دولة مسؤولة بالدرجة الاولي عن حماية ليس فقط الاجانب وهي التي نظريا تمتلك احتكار استعمال السلاح نجد ان اعمال العنف المستشرية ليس فقط في السعودية بل في العالم العربي كله تقوض صلاحيات الدولة ذاتها وتنبيء بسقوط مفهوم الدولة نفسها. أحد المعايير المهمة والتي تقاس بها صلاحية الدولة هي قدرتها علي احتكار العنف ولكن عندما يوجه هذا العنف باتجاه ترويع المواطنين تحت ذرائع مختلفة منها حفظ الامن والحرب علي الارهاب نجد ان فئات وشرائح اجتماعية تلجأ هي نفسها الي استعمال السلاح باسلوب لا يختلف كليا عن النمط المتبع من قبل اجهزة الدولة.عندما تقمع الدولة عن طريق وزارة الداخلية واجهزة الامن الاعتراض السلمي والمظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني وتستعمل العنف المكثف فهي تحدد مسبقا شروط اللعبة السياسية وتقدم نموذجا عادة تتبعه الجهات الخارجة عن الدولة. وبذلك يصبح العنف الذي تعرض له سياح ابرياء ساعة استراحة قصيرة مرآة لعنف اكبر مسلط علي المجتمع من قبل من يملك اساليبه وآلياته المتطورة والمركزية. وبما ان يد اجهزة الامن تكون عادة اطول واكثر غلاظة من اي عنف يستشري في المجتمع تأتي ضربات من يتبني العنف كوسيلة للضغط والتغيير مشتتة وغير قادرة إلا علي اقتناص الفريسة السهلة. هذا الاقتناص لا يفضح السياسة البوليسية في الداخل بل له بعد خارجي اكثر واهم من ردود فعل الشارع الداخلي. قتل السائح في بلد كالسعودية لا يزعزع الامن فقط بل هو رسالة للعالم الخارجي وخاصة الغربي والذي يعتبر النظام السعودي درعه الاول في تثبيت الامن القومي للغرب نفسه. منذ فترة اعتبر الغرب النظام السعودي نقطة مهمة ليس فقط من اجل تأمين استقراره الاقتصادي عن طريق انتاج نفطي متوفر ومتواصل الي موانيء العالم الغربي بل ايضا من اجل مكافحة ما يسمي بالفكر المتطرف. ضربة السياح القاتلة جاءت لتذكر الغرب ان هذا النظام يفشل في تأمين الجزء الاخير من المعادلة الصعبة. قتل السائح الاجنبي البريء هو قتل متعمد وضربة ليس للغرب بل للنظام الذي انيط به حماية الغرب. وما زال الغرب يتمسك بالنظام السعودي رغم ان سياسته الداخلية تظل المفرخ الاول والاخير لاعمال العنف والذي يذهب ضحيتها الغربي نفسه المتواجد علي ارض السعودية. وبما ان الحكومات الغربية ومؤسساته الرسمية تلتزم الصمت تجاه تجاوزات النظام علي المواطنين في الداخل السعودي تظل هذه الحكومات ورعاياها عرضة للاقتناص السهل في انظمة تفتقد لكل المعطيات التي تجعلها تتردد في انتهاك حقوق مواطنيها. بل اصبح البعض مقتنعا ان الغرب نفسه شريك فعال في استمرارية عنف الانظمة ضد مواطنيها وخاصة ان الغرب نفسه هو المزود الاول والاخير لآلية القمع المتطورة التي تمكن الانظمة من تفعيل انتهاكاتها لحقوق الانسان. والغرب نفسه يضع امكانياته التكنولوجية والعسكرية المتطورة في خدمة انظمة فاسدة وسلطات مطلقة لا تقيدها اي قوانين لذلك يجد مواطنوه العزل انفسهم في خطر وفي قلب الصراع الدائر بين الانظمة ومواطنيها الذين يتبنون العنف.العنف الذي تشهده وشهدته الساحة السعودية في السنوات الاخيرة والذي كان بعضه موجها للاجانب هو من افرازات عملية تراكمية تحركها تداعيات العلاقة بين الدولة الممثلة بوزارة الداخلية والمجتمع. في السنوات الاخيرة فقدت الدولة مصداقيتها وثقة المجتمع بها. اصبحت هذه الدولة فريسة الاهواء والصراعات الحاصلة علي مستوي القيادة وكذلك فريسة المصالح المتضاربة الممثلة بكتل قيادية اشبه ما تكون بالسلطة المستقلة. اضف الي ذلك التزامات النظام السعودي للغرب والتي يراها الكثير في الداخل السعودي متعارضة مع مصالحه وتطلعاته وتوجهاته.صدام مطالب الاصلاح السلمية مع عنف الدولة من جهة والعنف الممارس من قبل الجماعات المسلحة يطرح علامات استفهام كبيرة علي مسيرة النظام ورؤيته خاصة المتعلقة بالحلول الامنية ودور وزارة الداخلية وممارساتها في تأجيج الصدام ليس فقط في الوقت الحاضر بل في المستقبل ايضا. وبما ان لكل فعل ردة فعل يصعب علينا ان نتخيل تجفيف الارضية التي ينمو فيها العنف طالما ان الخيــــار الاول والاخير لاجهزة الدولة لا يزال ترويـــع المواطنين واكثريتهم من المسالمين الرافضين لجميع اشكال المصادمة المسلحة مع الدولة او رعاياها الاجانب. ونري ان النظام دوما يحصد ما تزرعه يداه. وبما ان النظام يكثف الحماية لرموزه ومنشآته الحيوية ويصرف طاقته علي تأمين سلامة نفسه اولا سيظل السائح الاعزل والمواطن العادي من يدفع الثمن الباهظ للانفلات الامني الحاصل علي الساحة والصراع الدائر والمستمر بين الدولة وبعض اطياف المجتمع. ورغم ان العريضة الاصلاحية المطالبة بتوزيع اعباء وزارة الداخلية صدرت من مجموعات تختلف تماما عن اولئك الذين يقتلون بدون هوادة الا ان الحدثين العريضة والعنف المسلح لهما دلالة واحدة الا وهي انفراط العقد الاجتماعي والذي علي اساسه تصبح الدولة جزءا من المجتمع وليس عنصرا ضده.وبدون العودة الي العقد الاجتماعي واعادة صياغته ستتكرر العرائض ومع الاسف ستتكرر اعمال العنف.9