بطل يمضي وامرأة تكتب!
الياس خوريبطل يمضي وامرأة تكتب!فجأة عادت الصورة الي ذاكرتي، انزلت الكتاب عن رفوف المكتبة واعدت قراءة تلك الجملة التي لم انسها: وغاب خليل، صار ذكرا يضحك، وانا بقيت امرأة تكتب.خليل، بطلي الحبيب.بطلي الحبيب… هكذا تنتهي رواية هدي بركات: حجر الضحك . لكن ما علاقة الرواية بذاكرتي الشخصية، ولماذا احتل مقطع لا علاقة له بالموضوع مساحة الحزن التي حاصرتني عندما سمعت خبر موت جوزف سماحة في نوبة قلبية في لندن؟هل صارت ذاكرتي جزءا من الكتب التي قرأتها، ام ان صرخة النهاية الساحرة في رواية بركات، اعفتني من الكلام المكرر، او من الهمهة التي تصاحب العجز عن الكلام؟ النظر الي العالم بعينين مصنوعتين من الكلمات، يسمح لنا بتغطية العبث المطلق الذي يصنعه الموت. نسخر من الموت بالكلام كي نحتمل دويّه الصامت، لكن الكاتبة لم تكن تسخر، كانت تطلق صرخة حزن مغطاة بالحياة. فبعد ان مشينا مع بطل الرواية دروب الحرب الأهلية اللبنانية، وعشنا التباساته الشخصية ومقاومته للاندراج في لغة الحرب، اذا بالرجل يتحول في النهاية رجلا، يدخل ايقاع الحرب متخليا عن كل مقاومة، ويصير جزءا من حجر الضحك اللبناني. في تلك اللحظة نستمع الي صرخة المؤلفة، التي تخلق فينا شعورا بأن ما قرأناه لم يكن سوي حكاية عن حزن مؤلفة تفترق عن بطلها.لكن اليست الحياة نفسها مجرد لعبة ادبية؟ الا نحيا كقصة وننطوي مثلما تنطوي صفحات الكتاب؟ الا نقف مذهولين امام الموت مودعين ابطال حكايات حياتنا من دون ان نطالبهم بالبقاء، لأن الموت وحده يستحق ان نستسلم له ونسلم به.لا ندري كيف نحكي؟ جيلنا لم يمت كما الموت، فنحن لم نعرف الموت العادي الطبيعي الا فيما ندر. كان الموت شرفتنا علي الحرية، او هذا ما شعرنا به ونحن نودع رفاقنا واصدقاءنا الذين قضوا شهداء، او الذين اغتيلوا كي يكملوا سيرة شهداء حرية الكلمة التي بدأت في السادس من ايار.لكن عندما نواجه الموت العادي البارد، الذي يذكرنا بأن الموت هو حكمة الحياة الأخيرة، نكتشف اننا لا نملك لغة خاصة نغطي بها الالم. امام الشهداء كنا نلوح بالرايات، ونتعهد بمتابعة المسيرة ونطوي الألم بالألم. اما امام موت مختلف، موت يشبه موت آبائنا وامهاتنا، موت تنطفئ فيه الحياة مثلما تنطفئ الحياة. امام هذا الموت فقدنا اللغة، او لنقل اننا لم نؤلف لغة لائقة. لا نستطيع ان نقول الكلام المكرر الذي كان يضحكنا في الجنازات. فحين يقول لك شخص العوض بسلامتك ، فإنه لا يقول شيئاً، فتجيبه بكلام مشابه، اي بلاشيء. الكلام الذي ليس كلاما هو العبث المطلق، لأنه يستند الي مدونة من الاستعارات التي صنعت كي تمحو الكلام بالكلام. لذا نلجأ الي الأدب ونجد فيه المعني في ذروة اللامعني.في العام الاول من الحرب الأهلية اللبنانية ذقت طعم الفقد، حين بدأ الأصدقاء يتساقطون شهداء واحدا بعد الآخر. يومها، وامام موت صديقي طوني النمس، جاء الملصق كي يساعدنا علي حل معضلة الكلام. ففي اسفل صورته المشرقة الضاحكة، كتبنا بيتا شعريا لأدونيس: اذا ضحك الموت في شفتيكبكت من حنين اليك الحياة .اذهلنا الطباق، الذي جاء مطابقا لصورة الطالب الجامعي وهو يواجه موته علي قمة جبل صنين ضاحكا.اما حين نكون امام الموت البارد، الموت الذي يجعل من الغياب مرادفا للحضور بل شكله الأخير فماذا نفعل؟ مع موت جوزف سماحة. اتخذت المسألة شكل حكاية احد ابناء جيلنا من الصحافيين اليساريين، بكل ما فيها من التباسات. ورأيت مارون بغدادي يقف علي منعطف درج المبني الشاهق الذي هوي منه، ورأيت كيف تحوط بنا الالتباسات من كل جانب: خطاب سياسي لا يستقر علي حال لأنه فجع بواقع مفارق، ووطن صغير اسمه لبنان يتفكك بين ايدينا لحظة نعتقد انه بدأ يتركب من جديد.في هذه الدوامة عشنا ولا نزال، نفترق كي نلتقي من جديد، نروض اللغة كي نجد لانفسنا فسحة للتنفس، ثم نكتشف كم تخوننا اللغة او نخونها، فتصير تصرفاتنا مشرعة علي مزيج الصواب والخطأ.هكذا لا يبقي لنا من مكان الا ان نصير ابطال حكايات لم تكتب، او ان نتماهي مع الروايات، او نخلق روايتنا بأيدينا.وهذا ما فعلناه جميعا.في رواية حجر الضحك لا نستمع الي صوت المؤلفة الا عبر بطلها، نعيش معه ايام الحرب، لكننا نعيش ايضا صعوبات الحياة، والعلاقة بين عالم خارجي يغرق في الفوضي والاتساخ، وبين غرفة البطل التي تزداد ترتيبا ونصاعة، بين فوضي الروح التي يعيشها البطل في حيرته الجنسية والوجودية، وبين فوضي المدينة. لا يهم لمن سوف تكون الغلبة في النهاية، لأن ما ينتظر القراء هو لحظة افتراق النص عن البطل، وهي اللحظة التي تعطي صرخة المؤلف شرعيتها وهي تودع بطلها، وتطلب منا ان نطوي الكتاب علي النهاية.ها نحن نطوي الكتاب وننطوي في داخله. 0