لقد اسمعت لو ناديت حيا!

حجم الخط
0

لقد اسمعت لو ناديت حيا!

د. عبد العزيز المقالحلقد اسمعت لو ناديت حيا!الاقصي في خطر، العراق يحترق، لبنان علي حافة الحرب الاهلية، السودان يتفتت، الصومال علي كف عفريت، والبقية تأتي. هذه هي الصورة العربية كما يعكسها الاعلام وكما هي في الواقع، ومع ذلك فهي لا تحرك ساكنا لكن الكلام لا يتوقف مع انه من العبث ان يخاطب الموتي، وان ترغم الكلمات علي ايصال اشاراتها الي القبور الساكنة. ويبدو ان الشاعر العربي القديم كان قد ابتلي بمثل ما ابتلي به احفاده من شعراء القرن العشرين من صمت مرعب تجاه ما يقولونه او يحذرون منه. أليس ذلك الشاعر هو القائل بوضوح لا يحتمل اللبس والغموض:لقد اسمعت لو ناديت حياولكن لا حياة لمن تنادي!ان وجه الشبه ـ بين الامس الذي انطق الشاعر بهذا القول واليوم الذي انطق عشرات بل مئات الشعراء بأقوال امر واقسي ـ يتجلي في هذا الاستقبال الصامت لكل ما يقال ولكل ما يكتبه الكتاب وتردده وسائل الاعلام صباح مساء مسموعة كانت او مرئية او مقروءة. والمثير للقلق بل للفزع ان هؤلاء الموتي الذين تتم مخاطبتهم عبر كل هذه الوسائل، يختلفون عن الموتي في انهم يتحركون ويأكلون ويشربون ويستهلكون الكثير جدا مما تجود به الارض وتتعب في اعداده ايدي جبلت علي الايثار والعطاء.ولا ادري منذ متي والعرب يرددون ذلك البيت الذي يشكو من قسوة قوم لا يفقهون او لا يردون والذين يشبهون الموتي في صمتهم وعزوفهم عن كل ما يجري في الحياة الدنيا من احداث وتطورات لا يعنيهم من امرها شيء ولن ينالهم من ضررها ما يجعلهم يخافون ولا من خيرها ما يجعلهم يطمعون. وسوف اسمح لنفسي ـ علي مسؤولية الواقع العربي الخانع الذليل ـ بأن اقول بأن مجمل تاريخ الانسانية لم يحمل من الجبن والخسة والغدر بالذات وبالتراث كما يحمله التاريخ العربي الراهن، ولولا نماذج نادرة وناصعة من التضحيات المتلاحقة التي تتم هناك في فلسطين والعراق والتي ما تزال تضيء هذا السواد لكانت الصورة ـ صورة الواقع العربي ـ اشد قتامة وبؤسا وخسة ووقاحة.مواطنون عرب (!!) يرحبون بالغزاة، وآخرون يطالبون بمحاكم اجنبية تنصفهم من انفسهم، وبعض حكام يهللون لمن يحتل تراب بلادهم ويعتبرون زيارة المحتل الي عواصمهم مناسبة مقدسة تنحني لها الرؤوس والابدان، وعندما يقال لهم ان هذا عار وجريمة ينبغي ان لا تحدث ولا يجوز السكوت عنها او القبول بشيء منها، فانهم لا يسمعون ولا تصل الكلمات مهما تعالت بها الاصوات الي ضمائرهم الميتة واحاسيسهم التي تبلدت وتجمدت، ولم تعد قادرة علي الاهتزاز، مجرد الاهتزاز، تجاه الواقع البشع الذي خلقته مواقفهم واطماعهم ورغبتهم في ان يشاركوا الغزاة في استنزاف ما تبقي في عروق اشقائهم من دماء الكرامة والشعور الحق بالوطنية.حين طلب اليّ صديق يعيش خارج دائرة الموات العربي ان ارسم له صورة الواقع في هذه الدائرة، كتبت اليه اقول: فراغ هائل في الارواح، وفراغ هائل في الحياة. فراغ هائل في المكان وفراغ هائل في الزمان، واقتتال محموم علي مصالح تافهة، وصراخ يتعالي عند كل ما يفرق الناس ويهدد التضامن، وصمت غامض مبهم تجاه ما يجمع القلوب ويوحد المواقف، استعداد نفسي واخلاقي لبيع الاوطان بابخس الاثمان وسواء اكان الدفع مقدما او مؤجلا، وهو دائما مؤجل. وتراجع مهين عندما ينادي واجب الدفاع عن الارض والاهل، واقدام منقطع النظير عندما يقتضي الامر الاستسلام والتسليم للعدو بما يريد.لم اكن ابالغ في رسالتي الي الصديق الذي يعيش خارج دائرة الموات، او اكتب قصيدة يلعب الخيال فيها دورا مركزيا وانما كنت ارسم الواقع كما هو، وكما يبدو لمن يري بعقله اولا ثم بقلبه ثانيا، ولا يعنيني بعد هذا كله، او قبل هذا كله ان يتقبل الموتي هذه الصورة عن حياتهم او يرفضوها، فقد اسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن انادي!تأملات شعرية:اهجوهم وانا منهماهجرهم وانا فيهماخجل من كلمات تحرث في البحرومن حطب لا ماء بهاو ناريا أهلي:اعرف ان القيد ثقيلوالاقدام مدماةلكني اعرف ـ ايضا ـان العاقبة الأبهي للأحرار.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية