العراق يجمع المتناقضات في مؤتمر وفاقي
العراق يجمع المتناقضات في مؤتمر وفاقيد. سعيد الشهابي يفترض ان ينعقد يوم السبت المقبل مؤتمر بغداد الاقليمي بهدف مناقشة الازمة العراقية وتخفيف حدة التوتر وما تسميه الحكومة العراقية كسر الجليد في المنطقة. فاذا انعقد هذا المؤتمر وفق الاجندة التي وضعتها الحكومة، فسوف يكون حدثا مهما، ليس لانه سوف يحقق ما تطمح بغداد اليه وهو دعم العملية السياسية وجهود حكومة الوحدة الوطنية في تثبيت الامن والاستقرار بما يساهم في تكريس الوفاق الوطني في العراق فذلك يحتاج ليس لمؤتمر واحد فحسب، بل لمؤتمرات عديدة، والاهم من ذلك، لقلوب ترغب في الانفتاح علي بعضها لتحتضن فكرة التعايش السلمي مع الاختلاف.اهمية المؤتمر، فيما لو تحقق انعقاده، انه سوف يجمع أطرافا متناقضة في السياسات والتوجهات والنوايا، وسوف يكسر الجليد الذي يزداد متانة في ما بينها. فمؤتمر يعقد في العاصمة العراقية يجلس فيه ممثلو الولايات المتحدة بجانب مسؤولين ايرانيين، ويتباحث فيه مسؤولون بريطانيون مع نظرائهم السوريين، سيكون فرصة نادرة قلما تحدث. وسوف تترسخ في الذهن صورة بغداد التي جمعت المتناقضات ماضيا وحاضرا، كما قال الشاعر المرحوم الشيخ احمد الوائلي في قصيدة رائعة قبل اكثر من ربع قرن: بغـداد يومك لا يزال كأمســه صور علي طرفي نقيض تجمع يطغي النعيم بجانب وبجانب يطغي الشقا، فمرفه ومضيـع أمســـت تفرقنـــا يد مســمومة متســنن هـــــذا وذا متشـــيع هذه الصورة النادرة لبغداد ليست جديدة، فتاريخها موسوعة ضخمة من التعايش الذي يستعصي فهمه علي الكثيرين، بين الفرقاء الذين قلما يستطيعون التعايش علي أسس متساوية من المواطنة. فمنذ العصر الاسلامي الاول شهد العراق التناحر الفكري والديني الذي غالبا ما ينتهي الي تعايش. فأغلب الحروب الداخلية بين المسلمين حدثت في منطقة النهرين مثل حرب الجمل وصفين، والحرب بين الامام الحسن بن علي ومعاوية بن ابي سفيان، ثم حدثت واقعة كربلاء التي استشهد فيها الامام الحسين بن علي. وحتي الثورة ضد الامويين انطلقت من العراق، بتقاطع مصالح العلويين والعباسيين. يومها كان الامام أبوحنيفة قريبا في فكره السياسي مع زيد بن علي، وكان الاثنان من المتحمسين لمواجهة الامويين. وشهدت المدارس الفقهية هي الاخري جمعا من المختلفين في رؤاهم الفقهية، بدون ان يؤثر ذلك علي مشروع التعايش في ما بينهم، وان اختلفوا في القناعات الفكرية والدينية. تواصلت الفسيفساء الفكرية في العراق علي مرور القرون اللاحقة، فكان العراق من أكبر البلدان التي شهدت تعددا فكريا وعطاء فقهيا متنوعا، بدون ان يؤدي ذلك الي احتراب متواصل. فبغداد الرشيد، حيث مجالس اللهو والطرب والتحرر الاخلاقي، كانت تعيش في الوقت نفسه تنوعا فكريا وثقافيا، وتحتضن مجالس العلم والدين. فاذا كان هارون الرشيد قد فتح مجالس اللهو والطرب، فقد كانت الكوفة تنجب العلماء الكبار مثل جابر بن حيان الكوفي ويعقوب بن اسحاق الكندي. هذا التناقض يعكس واقعا متحركا ساهم في صياغة تاريخ العراق بما فيه من تنوع عرقي وفكري وديني. وقد استمر علي هذا النحو علي مدي القرون اللاحقة، اذ عاش فيه المسلم السني والشيعي، كما سكنه المسيحي واليهودي والصابئي. ولم يقتصر التنوع علي العصور الاولي للاسلام، بل امتد عبر التاريخ حتي العصر الحديث، مرورا بالعصور التي سيطر فيها المغول علي بغداد ما بين 1258 و1534. وخلال تلك الحقب تواصل التعدد الفكري والثقافي، وساهم ذلك في اثراء الممارسة الانسانية فيها، الي جانب المعاناة والخسائر المادية والبشرية. المؤتمر المزمع عقده يكتسب اهميته من توجه القائمين عليه لجمع الاطراف المعنية بالشأن العراقي، بعد ان اصبحت الجهات المتحاربة مثخنة بالجراح، ولا تكاد تقوي علي الوقوف. اول هذه الاطراف واهمها شعب العراق الذي بدأ يشعر بالتعب واليأس، وبدأ ابناؤه يزحفون الي خارجه بحثا عن ملاذ آمن بعيدا عن التفجيرات اليومية والاضطرابات. يقول وزير الخارجية العراقي، عبد الصمد رحمن سلطان، ان هناك 3 ملايين عراقي خارج البلاد، بينهم طالبو لجوء ومهاجرون بسبب سوء الأوضاع الأمنية في البلاد. وأوضح سلطان في مقابلة مع صحيفة الحياة ان عدد العراقيين في السويد وصل الي 98 ألفاً، وفي الدنمارك 25 ألفاً، وفي المانيا 45 ألفاً، وفي استراليا 65 ألفاً، فضلاً عن 80 ألفاً في امريكا، و45 ألفاً في بريطانيا و25 ألفاً في فرنسا، و120 ألفاً في ايران، وحوالي مليونين في الدول المجاورة بينهم 700 ألف في سورية و500 ألف في الاردن وأكثر من 100 الف في مصر. وأشار الي ان هذه الأرقام ليست نهائية لأن غالبية العراقيين يمتنعون عن تدوين اسمائهم في السفارات. وقال ان العراق شهد اكثر من 4 مراحل للهجرة بدأت منذ 1921 لكن غالبيتها انحصرت بين عامي 1991 و2006. اما العراقيون في الداخل خصوصا في بغداد فيعيشون حالة من فقدان الامن والاستقرار، ولا تساهم سياسات قوات الاحتلال في تحسين اوضاعهم. والطرف الثاني هم الامريكيون الذين يعانون هم ايضا من الانعكاسات السلبية للوضع العراقي علي اوضاعهم سواء كانوا قوات مسلحة ام مسؤولين سياسيين. ومع تصاعد سقوط القتلي في اوساطهم، انطلقت تحذيرات عديدة في الفترة الاخيرة من تكرار التجربة الفيتنامية. وهناك عدد من التطورات السلبية التي دفعت لهذه التحذيرات. اولها فشل القوات الامريكية في احتواء المخاطر الامنية في بغداد. ثانيها تصاعد اعداد الضحايا من القوات الامريكية. فقد تجاوز عدد القتلي في صفوفها 3200، الي جانب اكثر من 23 الف جريح. ثالثها انفراط عقد ما تسميه واشنطن التحالف الدولي بانسحاب دول عديدة منه مثل ايطاليا وتصاعد الضغوط علي رئيس الوزراء الاسترالي لسحب القوات الاسترالية البالغ عددها 1400، وقرار بريطانيا سحب 3000 جندي مع نهاية العام. رابعها تداعي معنويات الجنود الامريكيين. ففي الاسبوع الماضي اصدر فريق نخبوي امريكي تقريرا اعطي مهلة ستة شهور لكسب الحرب في العراق او مواجهة انهيار شبيه بما حدث في فيتنام، في الدعم الشعبي والسياسي بشكل قد يضطر القوات للتقهقر السريع. خامسها غياب تراجع الارادة السياسية في واشنطن لاستمرار الحرب خصوصا بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس قبل بضعة شهور. اما الطرف الثالث في المؤتمر المزمع فهو الدول الاقليمية التي تجتمع، للمرة الاولي، مع مسؤولين من الدول الغربية وبقية الدول الدائمة العضوية بمجلس الامن الدولي. بغداد تجمع مجددا بين المتناقضين علي امل التوصل الي ارضية مشتركة ولو في احد جوانب ازمة الثقة المفقودة. فالامريكيون سوف يجلسون علي طاولة واحدة مع الايرانيين في الوقت الذي تصاعدت فيه نغمة العداء بين الطرفين. وسوف يجد السوريون انفسهم يتفاوضون مع البريطانيين، وكل ذلك علي امل الاتفاق علي قدر أدني من التفاهم حول عراق المستقبل. فاذا نجح المؤتمر (وانعقاده يعتبر نجاحا لجهود حكومة السيد نوري المالكي) فقد يمثل خطوة متميزة في مسيرة العراق الجديد، تمنعه من الانزلاق علي طريق العنف والعنف المضاد في حركة مفرغة لا تنتهي. المشكلة ان لنجاح مؤتمر كهذا شروطا صعبة جدا. فلدي كل من الدول اجندته الخاصة، التي يسعي لتحقيق قدر من التفعيل والنجاح لها. وليس سرا القول بان من اصعب التوازنات المطلوبة تقديم خطاب موحد بين الايرانيين والامريكيين، في اجواء محمومة من العداء وانعدام الثقة. فالايرانيون لم يخفوا امتعاضهم من عدد من الامور. اولها تواجد القوات الامريكية علي حدودهم في الوقت الذي تخيم اجواء الحرب والتحدي في سماء البلدين. ثانيها انهم ممتعضون من السياسة الامريكية التي سعت لتجاوزهم منذ اليوم الاول للحرب، وتهميش مصالحهم واستهداف المجموعات السياسية والمسلحة الصديقة لايران. ثالثها ان استمرار قرع طبول الحرب ضد ايران من قبل واشنطن لا يساهم في استعادة الثقة بين الطرفين او تشجيع الاطراف الراغبة في الحوار من الطرفين، او استيعاب مدي شرعية الموقف المناويء لامريكا في المنطقة. رابعها انهم يرون في استهداف مشروعهم النووي من قبل الولايات المتحدة مؤشر لعداء سياسي خطير يبدأ بالتشكيك في النوايا ويصل الي حد المواجهات المسلحة. خامسها: ان اي حوار ذي معني حول العراق لا يمكن فصله عن الحوارات علي المسارات الاخري واهمها المشروع النووي، والدعم الامريكي للكيان الاسرائيلي، والمحاولات الحثيثة لضرب الاتجاهات الاسلامية في فلسطين المحتلة من قبل التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي، واعادة رسم الخريطة السياسية في لبنان بما يتناسب والاستراتيجية الامريكية الهادفة لحماية الكيان الاسرائيلي. ما هي آفاق مؤتمر بغداد الاقليمي؟ وهل بامكان المشاركين فيه فتح الملفات السياسية والاقتصادية والامنية التي تضغط علي الوضع العراقي؟ وهل سيكون لدي المشاركين الامريكيين قوة اتخاذ قرار الحوار المفتوح وغير المشروط مع الجانب الايراني؟ وماذا عن دور الحكومة العراقية في توجيه المؤتمر وتحديد اجندة عمله؟ الامر الذي لا شك فيه ان هناك رغبة مشتركة لدي الدول المشاركة في المؤتمر في تحقيق قدر من الامن والاستقرار للعراق، ولكنهم مختلفون حول القضايا الاخري. فامن العراق جزء من امن المنطقة، واذا استمر الوضع الداخلي العراقي مضطربا، فسوف ينعكس ذلك سلبا علي المحيط الاقليمي. واستمرار النزيف العراقي من شأنه ان يخترق الحدود ليصل الي عواصم الدول الاقليمية الاخري، خصوصا مع تنامي وجود مجموعات العنف السياسي وتبني الترويج للتمايز المذهبي والعرقي. فهي اذن مسؤولية كبيرة علي الجميع لمنع تفاقم الامور الي هذا المستوي. يضاف الي ذلك ان هناك حالة من عدم الرضا لدي اغلب المشاركين ازاء السياسة الامريكية في الاراضي المحتلة، ودعم واشنطن المسهب لسياسات الاستيطان الصهيوني. داعمو المؤتمر يشعرون بقدر من الامل به، فهو يوفر لهم فرصة للتباحث بقدر من الانفتاح، ويضعهم امام مسؤوليات كبيرة تجاه شعوبهم، وشعب العراق ايضا. ولكن ليس معلوما ما اذا كان هذا الانفتاح سيؤدي الي مصارحة حقيقية ام الي المزيد من التوتر في العلاقات. ان حضور ايران وسورية أمر مهم لمستقبل العراق والمنطقة، لانهما البلدان المستهدفان من قبل الولايات المتحدة التي ستجد نفسها في موقف صعب وهي تتحدث لممثلي البلدين حول موضوع العراق الذي كانت تعتبره قضية خاصة بها. لقد دعا تقرير بيكر ـ هاملتون الادارة الامريكية للانفتاح علي البلدين اذا كانت جادة في بحث مخارج مناسبة من المستنقع العراقي. وبدا في الشهرين الماضيين ان ادارة الرئيس بوش لم تصغ لتلك المقترحات، وان المحافظين الجدد ما زالوا يهيمنون علي الملف العراقي. فها هو ديك تشيني يطوف المنطقة مجددا ويلتقي زعماءها، في الوقت الذي تؤكد التقارير فيه انه هو الأبرز في مشروع العسكرة الامريكي، وانه هو الذي يدفع بالخيار العسكري ضد ايران. وبرغم التراجعات الكبيرة لتلك السياسة بما في ذلك تصاعد اعداد الضحايا الامريكيين، فما يزال تشيني متشبثا بخيار القوة برغم المعارضة الدولية لذلك. الحكومة العراقية المحاصرة بالتحديات الامنية والسياسية وغياب السيادة الكاملة، تبحث عن مخرج مناسب من الشرنقة السياسية والعسكرية والامنية. وتري في مؤتمر بغداد الاقليمي مناسبة لاستعادة زمام المبادرة، يشجعها علي ذلك النتائج الاولية المتواضعة لحصيلة الخطة الامنية التي بدأت بتنفيذها في الاسابيع الثلاثة الاخيرة. مع ذلك فهي تدرك ان من الضروري تحقيق توافق اقليمي حول ما يجري في العراق، خصوصا مع استمرار التوتر الامني والطائفي، وبروز احتمال انسحاب امريكي مفاجيء فيما لو لم يتحقق قدر كاف من الامن والاستقرار في الشهور الستة المقبلة، وهي الفترة التي حددها فريق الدراسة الامريكي في بغداد كحد أقصي لتلك المهمة، موصيا بانسحاب كلي للقوات الامريكية اذا لم يتحقق ذلك. ان خيارات الحكومة العراقية اصبحت محدودة، ولا مجال امامها الا تحقيق قدر من التوافق الاقليمي في مؤتمر بغداد، لتستطيع الانطلاق مجددا في المسار الامني والسياسي بعد ضمان امن الحدود وسلامتها. والدول الاقليمية، هي الاخري، مطالبة ببذل الجهود لانجاح مؤتمر الحوار الاقليمي لان ذلك من مصلحة تلك البلدان، وشرط أساس لتوفير مناخ مناسب يوفر للحكومة العراقية فرصة لاستعادة السيادة، ويجعل امر انسحاب قوات الاحتلال حتمية سياسية وامنية. كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9