قبل ان يُلدغ الموريتانيون من نفس الجحر

حجم الخط
0

قبل ان يُلدغ الموريتانيون من نفس الجحر

بدي ولد ابنوقبل ان يُلدغ الموريتانيون من نفس الجحرـ1ـالعقل او بالاحري الحس السليم هو احسن الاشياء توزيعا بين الناس بحسب الفرضية الديكارتية الشهيرة التي نجدها بصيغ جد مشابهة لدي اغلب المفكرين المسلمين القدماء. ولعل اكثرهم الحاحا عليها الغزالي من المشرقيين وابن حزم من الاندلسيين. والاخير مثلا يسهب في ان الطفل يصر علي ما يقرره لانه يَشعر تلقائيا بامتلاكه الضروريات اي المبادئ المنطقية الضرورية الاولي وان كان الصبي طبعا لا يعبر عنها بصيغها ومسمــــياتها العالمة. بل ان الفرضية الديكارتية تلتقي بمعني ما في العمق مع المرتكزات الفـقهية الاكثر تداولا والتي تنبني علي ان الانسان العاقل، اي باللغة الفقهــــية المخاطب او المكلف من حيث ان الاحكام الشرعية موجهة اليه، هو الاصل، اي القاعدة، وان الاستثناء هو سقوط التكليف اي غياب العقل ـ منـــاط التكليف بلغة الفقهاء. ولا تهمنا طبعا هنا ملْكـــية الفرضية الديكارتية او نسبتها لاولي وانمــــــا مشاعيتها . فاغلب الثقافات تتضمن صيغ مـــشابهة واحيانا مطـــــابقة ـ كما في بعض الامثلة الشعبية ـ لما ساقه، تدليلا علي فرضيته، صاحبُ خطاب المنهج من ان اكثر الناس شــــــكوي مما يــــرونه تواضــــع وقلة ما رُزقوا من جمـــــيع اصناف الارزاق هم اكثرهم احتـــــفاء بما رُزقوا من العقل وافتخارا به. وهو ما يصدق حتي بالنسبة للصفات التي تبدو لاول وهلة قريبة من المجال الدلالي للتعقل والفطنة. فكثيرون يشكون مثلا بسهولة من ضعف ذاكراتهــــم بل يجـــــدونه مبررا معقولا لهفوات معينة ولكن يندر ان يوجد انسان يشكو من انه ليس ذكيا او ليس عاقلا بما فيه الكفاية. ـ2ـكلٌ بعقله اذن مغتبط. عندما عَرضَ لرفاعة الطهـــــطاوي، وهــــــو كما هو معروف الشيخ الازهري الذي كان اول عالم مسلم يُكمل دراسته في اوروبا ويضطلع بمهمة نقل المفاهيم الاوروبية الحديثة الي العربـــــية، ان يُعبّر عن المفهوم التداولي الحديث للحرية، اي المفهوم الذي صار اليوم معتادا، كتب في تخليص الابريز في تلخيص باريز ، في سياق عدة تاملات طريفة بهذا الخصوص، ان ما يسمونه الحرية هو عين ما نسميه نحن الانصاف . وبصيغة اضافية فالمواطنة الديمقراطية حلفُ فضول ، تعني بين ما تعني ايمانا بمبدأ الانصاف اي بالمبدأ الذي سماه بعض المتصوفة بمُنازلة الفضلاء، بما يتنافي جذريا مع كل ميول تعصبية تحتكر الحقيقة وتصادر الآخر.ـ3ـكلٌ بعقله مغتبط. هذه الفرضية، رغم ما عليها، لها انها مركزيةٌ علي مستويات نظرية عديدة ولها الي ذلك انها عمليا اكثر من مركزية بالنسبة للمساواة كمبدأ ممارسة اجتماعية وسياسية تنبني عليه المواطنة في الفضاء السياسي الديمقراطي. المُواطن انسان يُقر لنفسه بانه يستطيع اذا ما بذل الجهد الكافي ان يفهم ـ ولو كان اميا ـ وان يحكم علي الشأن العام كأي مواطن آخر. يُقر لنفسه بحقها في الراي كما يُقره لغيرها. وله بنفس المقتضي ان يدافع عن رايه كاي مواطن آخر. بيد ان ذلك يعني في نفس الوقت ان كل حق تمنحه المواطنة يقابله تلقائيا واجب من نفس المستوي. يعني ان المواطنة تتنافي مع التعصب الغريزي للراي، تتنافي مع التقوقع البدائي ورفض الآخر. كلٌ مغتبطٌ بعقله ورايه ولكن كلٌ يدرك ان غيره ايضا مغتبط بعقله ورايه. ومن ثم فلكل مواطن ان يعرف بمقتضي مواطنته ان ما يحق له هو تحديدا ما يحق لغيره. ـ4ـولان المُواطن ايا كان يستطيع اذا ما بذل الجهد الكافي ان يفهم وان يحكم علي الشأن العام كأي مواطن آخر فان عليه ان يبذل ذلك الجهد. فكما لا يجوز ان لا يشارك المواطن في الاقتراع او ان يترك اختيار المنتخَبين للعشوائية ولصوص غفلة الزمن فله وعليه بمقتضي مواطنيته ان يبذل الجهد الكافي لكي يكون اختياره اختيارا مسؤولا لا اختيارا عشوائيا او مبنيا علي الغرائز لا علي العقل. انها مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه غيره. ومن البديهي ان اهمية الآلية الاقتراعية تكمن في انها وسيلة، لا غاية، ليستطيع المواطن ان يمارس حقوقه بما يمنع استتباعه او النظر اليه كقاصر. لكل فرد ان يُحكِّم ضميرَه وان يُدرك انّ ذلك حقَّه ولكنه ايضا واجبه. فقبوله بالانقياد ليس فقط خيانة لحقه بل لالتزامه الضمني تجاه الجميع. وكما يقول ايمانويل كانت في سياق شبيه فالكسل والخور هما من بين الاسباب ما يفسر ان عددا بهذا الكم من الناس ما زالوا يَقبلون اراديا ان يظلوا طيلة حياتهم قاصرين وما يفسر السهولة التي بها يصبح آخرون اوصياء علي هؤلاء . والتنور العقلي ليس الا وضع حد لعهد القصور ودخول الجميع في عهد الرشد . كَسْر الوصاية يستلزم اذن تجاوز العقلية السلبية التي تبحث عمن يفكر محلها ويقرر محلها. كَسْرها يتطلب ان يمارس كلٌّ حقه وواجبه وان يساهم بعقله، ان يغتبط بعقله كما يغتبط بعقول الآخرين، لان الصواب الوطني لا يخرج الا اذا اجتمعت ـ وتعددت وتحاورت ـ كل العقول المواطنية. ـ5ـعصابات اللصوص التي استأسدت وداست عل المواطنين الموريتانيين خلال العقود الماضية ما كان لها ان تُحكم قبضتها لولا ان الاغلبية استقالت. تَفرعنتْ العصابات لانها استخفّتْ قومها فاطاعوها. ففرحتْ بحزبها وحسبتْ اذْ ذاك ان لها عقلا ليس لغيرها يؤهلها ان تُري غيرها ما رات وان تهديه سبيل الرشاد. وكما يؤكد علم النفس التطبيقي فمهما بلغ اللص من بشاعة وعتو يظـــل غالبا يري ان فساده رشاد. واغلب عتاة الشريرين يحسبون انهم مصلحون اجتماعيون اسيء فهمهم. ولن يستطيع المواطن ايا كان ان يواجه هؤلاء الا اذا رفض كل استتباع، وتذَكّرَ انه هو السيد لا المسود، انه هو الوصي المستنير بعقله، لا القاصر المستظل بغيره. التساؤل يظل هو هو: كيف نقبل الالغاء، كيف نقبل ان نُلدغ من نفس الجحر العشائري الفئوي الماضوي؟ الم تأت الساعة الانسب كي تكون المفاجأة، كي نضاعف بصبر وعزم ومسؤولية مستوي التعبئة واليقظة حتي لا تظل صناديق الاقتراع صناديق الافتراء؟ اكثر من ثلثي البلد شباب حُرموا عقودا من ابسط الحقوق، حُرموا حتي من حق الحلم. حرَمتْهم الاسماء الصنمية التي سُميتْ، حَرمهم قُطاع الطرق وشذاذ الآفاق الذين ساموا الارض حين هزلت.ہ كاتب من موريتانيا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية