أدونيس.. في قصائد أولي!
محمود أبو عبيدأدونيس.. في قصائد أولي!مما لا ريب فيه، ان كثيرا من الشعر، في مدارسه الحديثة، وفي اولها مدرسة الرمز، هو من شعر العفو العابث الذي لا يعني الشعراء انفسهم معه في شيء، وحتي موسيقي اللفظ التي يدعون انها صدقهم الوحيد، لا يوفقون فيها اكثر من سائر الشعراء الذين لم يذهبوا في نظمهم بعيدا عن اعمدة الشعر السوي في الشرق او في الغرب، بل هم مقصرون في احوال كثيرة لضعف ادواتهم الشعرية، عن اصحابهم الشعراء الآخرين في اختيار اللفظ الموسيقي الموحي الدال بجرسه ونغمه علي المعني.ہہہاكثر ما يُعاب علي شعرنا الحديث، فقدان الشخصية، ولما افتقد اكثر شعر الرمز، الوحدة الفنية، افتقدت قصائده كذلك الشخصية المميزة، فأنت اذ تقرأ تكاد تحس ان بعض القصيدة يغني عن كلها، وبعض الديوان يغني عن كله، ومن هنا تتكرر الصور الواحدة او المتقاربة، اشد التكرر، علي عكس قصائد كبار الشعراء وصورهم وافكارهم، فأنت اذا اخذت مثلا قصيدة للشاعر القروي او لأبي ماضي او لشوقي او للصافي النجفي، لا تكاد تري قصيدة لهؤلاء تغني عن قصيدة، ولا صورة تغني عن صورة، واذا تكررت الصور عند هؤلاء وعند غيرهم من كبار الشعراء، فقلما يجيء تكرارها تكرار المماثلة التامة وانما يجيء كتكرار صورة الفتاة الجميلة لأمها او اختها الجميلة وهكذا.ہہہاقوي الشعر وأبلغه، ما جسمت فيه المعنويات، واضعفه وأسرعه الي الفناء والزوال ما حاول تجريد المحسوسات، فليعلموا مكان شعرهم من البقاء والفناء، وانني الاحظ بالرغم من كثرة هذا الشعر، في العقود الاخيرة انه لم تشع منه قصيدة واحدة، حتي بين المتحمسين لمدارس الرمز علي اختلاف ظلالها ومناهجها.ہہہقبل ان نستعرض مع القارئ صفحات ديوان قصائد اولي ، لا بد من التلميح الي ملاحظات عامة علي هذا الديوان واشباهه توفيرا لعناء التكرار: هو من شعر الرمز.. فيه قليل من الشعر الحسن المستقيم، وهذا القليل يخرج بذاك عن نطاق الرمز او يكاد، وفيه وسط كثير، ورديئه اكثر. نلاحظ ان الشاعر يستعمل من ألفاظ العامية، كل ما يعنّ له، فيجيء بعضها في محله وبعضها الآخر نافرا غير منسجم مع سواه. فلقد استعمل لفظة بعده بمعني اما يزال، وهي تعبير عامي في هذا البيت:تري بعده حلف رتق وفتق ونضو جراح.. وكذلك: وهنا علي هذا التراب، تتربي.. فهنا تتربي لفظ جميل موح..وايضا:علي كسرة الخبز، أهلي ناموا وراء وحاوحهم واستفاقوا..لفظ وحاوحهم حكاية صوت المبرود..وايضا: وكيف تري بيتنا؟ هل تداعت قرانيه ام ما تزال تقاوم! لفظ قرانيه..وكذلك: قدرنا البقاء له والخلود، ولو تخ عودا وخيطا وشكلا.. لفظة تخ عامية بهذا المعني، ولا نجد في الفصحي ما يؤدي معناها الدال الموحي اقوي الدلالة والايحاء.ولا ادري لم يستعمل ادونيس هذا اللفظ المائع.. يبسط للناس الغوي والبقاء.. شر استعمال، ما علاقة الغي بالبقاء؟ فهما لا يكمل بعضهما بعضا، ولا يتضادان ولا نري وجها آخر لاقترابهما هنا. اباح ادونيس لنفسه منتهي الحرية في الاشتقاق واستعمال ما يشاء من اوزان الجموع وما اليها من قواعد اللغة وضوابطها.. في قصائد اولي . كثير من القطع في قصائد اولي .. بدون عنوان محدد مما يدل علي فقد الوحدة الفنية فيها او عدم وضوحها في نص ناظمها بحيث يلخصها في عنوان.. وهذا العيب عام في كل شعر الرمز وقد يعنونون بعضه، ولكن عنوانه، كعنوان الزهر علي جذور الفجل في اغلب الاحيان.ہہہ قصيدة الي عرافة.. مثلا.. المعني فيها واضح، والا لما تجرأ ادونيس ان يضع لها عنوانا، وهي علي فكرة، من اشد قصائد الديوان، ابانة، ووحدة فنية، علي ضؤولة الوحدة الفنية فيه.ہہہ الكثير من صور قصائد اولي واستعارات هذا الديوان ومجازه يحتمل كل تفسير، وما يدل علي كل شيء، لا يدل او لا يكاد يدل علي شيء، مثل القول: الانسان ذو حدود، فأي حدود تعني؟ حدوده المادية او حدود فكره، او روحه او قدرته..الخ.فاذا كان مثل هذا التعبير البسيط، يحتمل هذه الردود، فتعابير الرمز، وهي اشد ايضا لا في العموم والابهام تحتمل اكثر من هذه الردود، فهي اذا وقتها او عدمها سواء.ہہہ اين ادونيس الان.. من قصائد اولي .. في فاتحة لنهايات القرن.. واسئلة الشعر.. وصدمة الحداثة وغيرها.. يعلن: ان علينا في الشعر والثقافة، أن نتخلص من اشكال التعبير القديمة، ويعلن ايضا.. ان شعراء الحداثة العميقة يفرغون اللغة من شحنتها ويقصد بها الافرازات الاغترابية ويضعون القارئ امام هاوية لا يري فيها عادة او تقليدا او اي اقرار استلابي، وانما يري فيها ذاته العميقة الاصيلة. هو له نظرية نقدية في الشعر، تقدم رؤيا محددة لاكثر من علاقة، علاقة الشعر بنفسه وعلاقة الشعر بقارئه وعلاقة الشعر بالثورة الاجتماعية.كاتب اعلامي من الاردنQMK0