الفنان التشكيلي المغربي سعد بن شفاج: قماشات مطبوعة بقوة الرمز وبلاغة الجسد..

حجم الخط
0

الفنان التشكيلي المغربي سعد بن شفاج: قماشات مطبوعة بقوة الرمز وبلاغة الجسد..

ابراهيم الحَـيْسنالفنان التشكيلي المغربي سعد بن شفاج: قماشات مطبوعة بقوة الرمز وبلاغة الجسد..سعد بن شفاج ـ المزداد بتطوان في 16 كانون الثاني (يناير) عام 1939 ـ فنان تشكيلي طلائعي لعب دورا كبيرا في إنعاش الحركة الصباغية المعاصرة بالمغرب ولا سيما بمنطقة الشمال، وذلك من خلال مساره الجمالي الغني والمليء بالفن والإبداع..التحق عام 1956 بالمدرسة العليا للفنون الجميلة سانتا إيزابيل دي هنغريا بإشبيلية وهناك حصل علي شهادة الأهلية. وفي عام 1962، سيتابع دروس تاريخ الفن الوسيط والانطباعية بمدرسة اللوفر بباريس، قبل أن يمتهن التدريس بمدرسة الفنون الجميلة ـ المعهد الوطني في الوقت الحالي ـ بمسقط رأسه منذ عام 1965 وإلي غاية 1999، وقد تخرج علي يده وعلي يد زميله التاريخي المكي مغارة ـ فضلا عن الراحلين عبد الله الفخار ومحمد السرغيني ـ عدد هائل من الفنانين والرسامين المغاربة..معارضه الوطنية والدولية كثيرة ومتعددة كأبحاثه الصباغية الغزيرة والمتجددة..ومعالجاته البصرية للموضوعات التراثية، التي ظل يقاربها صباغيا بأسلوب تجريدي يعكس بلاغة التعبير الجمالي المتسم لديه بقوة الرمز والحفر في جسد المادة.. إلي جانب أعماله التصويرية الأكاديمية الرصينة ذات المنحي الواقعي. هو بلا شك فنان ذو فاعلية ورسام بارز في استخدام المواد والألوان والتخطيطات الغرافيكية..سؤال التراث..بعد مرحلة إبداعية طويلة مطبوعة بتكوين أكاديمي متنوع، انخرط الفنان سعد بن شفاج منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات في محاورة التراث الذي كان يعتبره نوعا من الاستمرارية الماضوية في الحاضر. فهو كان علي إدراك بصري مبكر برسالة الفن في تحقيق ما تعجز عنه الوثائق التاريخية والشهادات الشفوية والمشاهدات العابرة في صون التراث وحمايته. من ثم، برز اهتمامه واضحا بالتاريخ/ الإرث الثقافي المرئي كضرورة من ضرورات الإبداع..ولأنه ترعرع في مناخ أسري محافظ مليء بالعديد من العوائد والطقوس الشعبية العريقة والمتجذرة في التربة المغربية، فقد ظل الفنان بن شفاج في قلب الذاكرة الجمالية لبلاده بمعمارها التقليدي المتفرد بملامحه الأندلسية وألوانه البيضاء الصافية صفاء التطوانيين ورائحة أسواقها الشعبية، سوق الحوت القديم والسوق الفوقي مثلا..وحي السويقة ودروب الحرفيين والغرسة الكبيرة والوسعة والمصدع والفدان والمطامر، إلي غير ذلك من الفضاءات المعمارية الأصيلة التي تستمد أسسها وملامحها من الفن العربي الإسلامي والتراث الأندلسي، كما يتجلي ذلك في العمائر والأضرحة والمساجد والمنازل التقليدية ومختلف الصنائع والمشغولات الشعبية التي أبدعها الصناع التقليديون التطوانيون بمهارة يدوية عالية، ومنها المنتوجات المعدنية (نحاسية وفضية) المزينة بنقوش جميلة وبديعة كالصواني والأباريق والمباخر والقماقم وصناعة التسفير، أو التجليد وتنميق الجلود وزخرفتها، وكذلك صناعة الزرابي والمنسوجات الحريرية الشفافة الملونة بألوان بهيجة أو الموشاة بالذهب، فضلا عن الحلي والأسلحة المزخرفة والخزفيات الملونة والأدوات الخشبية المزينة والمنقوشة ببراعة نادرة.بكل هذا الثراء والتنوع التراثي، ظل انشغال الفنان بن شفاج بسؤال الأصالة والهوية والانتماء ينمو ويكبر سواء في تصاويره التعبيرية والواقعية أو في تجريداته التراثية، ولم يتأثر بالثقافة الغربية رغم السنوات الطويلة التي قضاها بأوروبا..خلال هذه المرحلة الإبداعية، ظل الفنان بن شفاج يعتمد علي الخداع التقني في إنجاز لوحاته الزيتية بواسطة التقنية المختلطة، واستغلاله للألوان الباردة التي تمنح فكرة العمق التأملي والفكري وما يتفرع عنها من حركة هادئة، إضافة إلي ما توفره لمسات الفرشاة الرفيعة من حياكة أكاديمية جيدة مع اللون الممزوج بعناية فائقة والذي يعطي في النهاية جمالية للعمل التشكيلي، منفذة بتقنية عالية بعيدة كل البعد عما يسمي بالتنفيذ التطبيقي للتقنية اللونية، وإن كنا نري نوعا من التصنع في اختياره للمواضيع وطرق تنفيذها التي تطغي عليها الصنعة الفنية. إن عملية مزج الألوان عند بن شفاج تعتمد بالأساس علي الألوان الباردة التي يفقدها هويتها الأصلية ويعطيها نوعا من التموقع الداخلي، أما تحديده للشكل، فيبقي رهين الصنعة والتقنية المختلفة والخطوط العمودية والأفقية للبناء التقني والجغرافي ليطرح مشكلة الأبعاد بواسطة الحياكة سواء منها الزمنية وكذا الخطوط الأفقية أو العمودية للبناء الشكلي الذي يطرح مشكلة الزمن في اتحاده مع الألوان الباردة.غير أن بن شفاج يبقي وفيا للشكل، خاضعا له وللخط الذي يحدد به سطوح المنازل الموجودة دوما تحت مستوي النظر، هذا بالإضافة إلي التقنية التي يرسم بها ـ مزج الألوان الزيتية بالرمل ووضعها علي السند بكل دقة ـ حيث يبقي عنده المنظر الطبيعي المرسوم مفعما بالرؤي اللونية وبتوزيعاته للضوء علي المساحات.وتبقي المنازل مكدسة حسب الطريقة التقليدية في البناء القديم، مثلما يظل الفنان وفيا لروح شكلها العشوائي وتقسيمه للمساحات الصغيرة الذي يخضع للخطوط التي تحدد هوية أشكال المنازل. أحمد أفيلال ـ طنجة الأدبية (18 أيار ـ مايو 2006). لوحاته التي تؤرخ لهذه المرحلة من طبيعة أخري، حيث خشونة الحياكة والملمس بفعل تعضيد المادة وامتزاج الرمل مع الأصباغ والمواد المثبتة..علامات ورموز..رموز وعلامات مقعرة بقوة الكشط وأخري ناتئة معتّقة تشي بالقدم ..أضف إلي ذلك التراكيب الهندسية الإيقاعية (الريتمية) المصاغة بألوان ترابية وصخرية ـ ذائبة ومنطفئة ـ والمكسوة ببعض الكتابات والتواقيع السريعة، غير المقروءة، وكأنها حيطان وجدران قديمة..مهترئة طالتها الشيخوخة المعمارية.. هكذا يعبر الفنان بن شفاج عن وجوده..الوجود الإنساني الذي هو شرط التراث: التراث/الحضارة، التراث/التاريخ، التراث/الأنا، التراث/الهوية المشتركة..وهكذا ظل يسافر في جسد المادة بكل تحولاتها البصرية فوق السند باحثا عن أجساد أخري تملأ مساحات اشتغاله الجمالي الواسع والمتغير علي إيقاع كل بحث صباغي جديد..الجسد بناءً غرافيكيا..بإلقاء نظرة سريعة علي القماشات التي يبدعها، يتضح نزوع الفنان سعد بن شفاج نحو موضوع الجسد الذي بات يتمحور في لوحاته، خصوصا منها ما جاد به معرضه الأخير الذي أقامه برواق Venise Cadre بمدينة الدار البيضاء التي غاب عنها لفترة تزيد عن ربع قرن، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 04 و27 أيار (مايو) 2006. فباستعمال تفصيلات متراصفة وتقاطيع وخطوط منفلتة وضاربة في اتجاهات متشاكلة تبتلع الملامح والقسمات، يشرع الفنان بن شفاج ـ دون تخصيص أو تحديد ـ في رسم أجساد هلامية تصور صراع الإنسان مع الزمن، حيث ضنك العيش وانسداد الأفق..إمرأة تواسي أخري..بالقرب من الموت هناك حديقة، الغابة المحترقة، إمرأة ورجل جالسان، مرآة الهلع وأجساد ذكورية تتوجع وتعتصر ألما..مهلوكة عاجزة..وبدون رغبات..هي عناوين للوحات مستعارة من اليومي بالشكل الذي يعيشه الفنان لا كما يراه..جسد..أجساد، منقوصة ومبتورة، تبرز في هيئة تلافيف ملونة وتكوينات خطية ومساحية تنصهر داخل جغرافية الكائن البشري، ذلك أن الفنان يمنح أجساده بعدا غرافيكيا مليئا بالخطوط والكتل دون تدخل مفبرك. فهو يترك للخطوط والمفردات التعبيرية الأخري أن ترسم مسارها داخل مساحة السند..من هنا يعلن عن مرانه ودربته المتقدمة في الرسم والتلوين والبناء التشكيلي المميز لأسلوبه التعبيري الخاص.. فقوته التعبيرية تكمن في خطوطه، ألوانه، لمساته ومفرداته الهندسية الأثيرة التي تنهض علي تشريح الأشكال وتفكيكها. إنه خطاب تصويري حداثي يرسم في نسقه الجمالي قابلية مدهشة في التخطيط ويظل متسما بإنتاج تصاوير وتكوينات هندسية آدمية سائبة..حرة ومفتوحة ـ تشكيليا ـ علي كل القراءات..أجساد بن شفاج تكوينات هندسية متراكبة يلفها ضياء أطياف بشرية قائمة علي التداخل والتماس، وكروكيهات (إسكيزات) قائمة علي الدقة والمهارة اليدوية وهيئات آدمية بدينة متلاطمة..ملتصقة تارة ومتشظية تارة أخري حسب الموضوع والفكرة..في لوحاته تجريب صباغي..وصباغة تجريبية مستقلة لا تؤمن بقوالب الرسم التمثيلي التقليدي، فهو يحسن بناء اللوحة..يفككها ويعيد التركيب بطريقة الرسم السريع مع بعض التوشيحات، وذلك لفائدة البحث والموقف الإبداعي الجاد. إنه بهذا الأسلوب يَبرز رساما مبدعا مرهفا بتقنيته التعبيرية المترعة بشاعرية بصرية ترتقي إلي مفهوم التصوير الجديد.. أجساده عموما قانطة وممزقة..غير مكتملة ولا ملامح محددة لها، لكنها تبرز قوية مليئة بالإحساس وكأنها في صراع دائم مع قوي فوقية لامرئية. تعكس ذلك الأشكال المتكسرة والتأطيرات التي يعمد الفنان بن شفاج إلي استعمالها ضمن تراكيب شبه هندسية تكثر فيها الخطوط المنفلتة والمتطايرة، وغير الخاضعة لقواعد رياضية صارمة، وتحتلها ألوان زيتية قليلة التنوع..مع وجود ملاحظة أساسية تكمن في تلك التبقيعات واللطخات ـ Taches، أو العلامة المتكررة في غالبية لوحاته والمشكلة من خطين غليظين متقاطعين يخفيان بالتقائهما جوانب حساسة من أجساده العارية..علي إيقاع هذا التشكيل الغرافيكي (التخطيطي) الذي أضحي يسم قماشات الفنان بن شفاج، يفقد الجسد هويته البدنية ليدخل في إهاب شخصية جسدية أخري قريبة من التكعيب. إنه بذلك يعلن عن نموذجه ويقدم نفسه كدليل أيقوني ـ Iconique..أليس الجسد علامة؟ وككل العلامات لا يدرك إلا من خلال استعمالاته. وكل استعمال يحيل علي نسق، وكل نسق يحيل علي دلالة مثبتة في سجل الذات وسجل الجسد وسجل الأشياء، كما يقول د. سعيد بنكراد. الفنان التشكيلي سعد بن شفاج ذاكرة جمالية تستند إلي ريبيرتوار صباغي طويل غني بالبحث والتجريب والعطاء المثمر والجاد بكل تأكيد..ناقد تشكيلي من المغربQTS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية