تركيا في الذكري العاشرة للانقلاب ما بعد الحداثي

حجم الخط
0

تركيا في الذكري العاشرة للانقلاب ما بعد الحداثي

د. بشير موسي نافعتركيا في الذكري العاشرة للانقلاب ما بعد الحداثيبدون أجواء احتفالية خاصة، أحيا الأتراك، أكاديميون وصحافيون ومثقفون ومجتمع سياسي، الذكري العاشرة لما بات يعرف في التاريخ السياسي التركي الحديث بـ الانقلاب ما بعد الحداثي . كان شهر شباط/ فبراير 1997 قد شهد بداية التحرك العسكري ـ السياسي، الذي قاده مجلس الأمن القومي، وأدي بعد أشهر قليلة الي اطاحة الحكومة الائتلافية للزعيم الاسلامي التركي الكبير نجم الدين اربكان. المفارقة ان الجيش التركي، بميراثه الانقلابي المتعدد، لم يضطر هذه المرة لا لاطلاق طلقة واحدة، ولا للاستيلاء المباشر علي السلطة والحكم. ومن هنا جاء الوصف المميز للانقلاب بأنه انقلاب ما بعد حداثي.انطلقت سلسلة التطورات التي أوصلت تركيا الي التحول السياسي الانقلابي الغريب من انتخابات 1995 البرلمانية. فقد نجم عن الانتخابات حصول حزب الرفاه، اسلامي التوجه، بقيادة اربكان، علي أكبر عدد من المقاعد، بدون ان ينجح في تحقيق أكثرية برلمانية تكفي لتشكيله الحكومة منفرداً. لم يكن اربكان حديث العهد بالحياة السياسية أو الحكومات التركية؛ فقد شارك من قبل في أكثر من حكومة ائتلافية كشريك أصغر. ولكن فوزه غير المتوقع في الانتخابات عزز من ثقته وثقة التيار الاسلامي السياسي بالنفس. وبالرغم من ان جنرالات الجيش، الحراس غير المعينين للدولة العلمانية، والقوي الفكرية والسياسية العلمانية داخل مؤسسة الدولة وخارجها، كانوا يعرفون كفاءة اربكان ونظافة يده، فقد خشوا دائماً توجهه الاسلامي وعزمه المعلن علي تغيير دفة السياسة الخارجية التركية نحو العالم الاسلامي. كانت تركيا قد شهدت الانقلاب الأخير للجيش علي الحياة الدستورية في 1980، ولم يكن ممكناً في ظل الظروف الدولية التي سادت التسعينات (نهاية الحرب الباردة وبروز الديمقراطية كأيديولوجية عالمية جديدة) التدخل العسكري لالغاء نتائج الانتخابات أو منع العملية السياسية من الوصول الي نهاياتها. وبعد شهور من المساومات، عقد اربكان وتانسو تشيلر، زعيمة حزب يمين الوسط المعروف بحزب الطريق القويم، اتفاقاً لتشكيل حكومة ائتلافية، بحيث يتولي اربكان رئاسة الحكومة وتشيلر وزارة الخارجية، ثم يتبادل الزعيمان موقعيهما بعد عامين.أعلنت الحكومة الائتلافية في صيف 1996، لتبدأ عملها بكسب ثقة البرلمان. وخلال الأشهر القليلة التالية، أثبت طرفا الحكومة قدرتهما علي التعايش وارساء قواعد حكم مستقر. أخذ الاقتصاد التركي في الانتعاش، وسرعان ما أطلق اربكان سياسة التوجه نحو المشرق في سلسلة من الزيارات للدول العربية والاسلامية. وقد توجت هذه السياسة بمشروع تكتل الدول الاسلامية الكبري، الذي اعتقد اربكان ان بامكانه تأسيس قواعد تضامن اسلامي وسوق اسلامية مشتركة. ولم يغفل اربكان تماماً عن توازنات الدولة التركية، لاسيما ان دستور البلاد يعطي دوراً سياسياً هاماً لمجلس الأمن القومي، ويضع مقاليد المجلس فعلياً في يد كبار ضباط الجيش. وهكذا، وبالرغم من علاقاته العربية والاسلامية الوثيقة، لم تمس حكومة اربكان العلاقات مع الدولة العبرية، لا العلاقات السياسية ولا العسكرية؛ بل واستقبل رئيس الوزراء الاسلامي المسؤولين الاسرائيليين في العاصمة أنقرة. كما أبدي احتراماً رمزياً ملفتاً لذكري كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية وواضع أسس الدولة العلمانية. ولكن أحداً من خصوم اربكان وحزب الرفاه لم يكن مستعداً لتقبل الحكومة الجديدة ورئيسها. بعض من القلق الذي أخذت الحكومة الجديدة في اثارته ارتبط بالسياسات الفعلية للحكومة، والبعض الآخر ولدته التعبيرات الرمزية. فمنذ وضعت أسس الجمهورية وتركيا تري نفسها جزءاً من الفضاء الأوروبي، بغض النظر عن قبول الأوروبيين تركيا أو خشيتهم منها؛ بينما أظهر اربكان عزماً علي اعادة التموضع السياسي والثقافي والاقتصادي للبلاد بتبني سياسية العودة الي المحيط العربي والاسلامي. ومن ناحية أخري، أدخل اربكان ووزراؤه تقاليد الالتزام الاسلامي وزارات الدولة؛ ثم فاجأ رئيس الوزراء المجتمع التركي، باسلامييه وعلمانييه، بدعوة قادة الطرق الصوفية الي مقر رئيس الحكومة؛ في الوقت الذي اتسعت فيه نشاطات الاسلاميين الأتراك من كافة التيارات، التعليمية والثقافية والاعلامية، وأصبحت أكثر وضوحاً.أخذت الأمور بالتوتر في اجتماعات مجلس الأمن القومي. وفي الرابع من شباط/ فبراير 1997، فوجيء سكان العاصمة التركية أنقره بطابور من دبابات الجيش يتحرك من معسكره للاستعراض في شوارع ضاحية سنكان الراقية. عندما سئل قائد طابور الدبابات عن حقيقة دوافعه، أجاب بأن التحرك لم يكن أكثر من مناورة عادية. ولكن الأتراك لم تخف عنهم الدلالات التهديدية التي أرادت قيادة الجيش ارسالها للحكومة ورئيسها؛ فليس من تقاليد الجيوش، التركية وغير التركية، اجراء مناورات سلاح المدرعات في شوارع الأحياء الراقية للعواصم. في 28 شباط/ فبراير، اليوم الذي يعتبر البداية الفعلية للانقلاب ما بعد الحداثي، اجتمع مجلس الأمن القومي بحضور رئيس الحكومة، حيث تقدم قائد الجيش لأربكان بقائمة من التوصيات (هكذا كانت توصف طلبات الجنرالات من السياسيين). وحتي هذه اللحظة لم يكشف في شكل رسمي عن هذه التوصيات . وكنت قابلت اربكان في أيلول/ سبتمبر الماضي، وألححت في السؤال عن حقيقة توصيات المجلس له في 1997، علي اعتبار ان الامر بات جزءاً من التاريخ ولم يعد له من أثر مباشر علي الحياة السياسية التركية. ولكن رجل الدولة فيه رفض تقديم اجابة واضحة وصريحة علي سؤالي ما دامت أوراق الاجتماع لم تكشف بعد في ارشيف الدولة. ما قاله اربكان ضمنياً ان استجابته لما طلب منه كان يعني اظهاره أمام انصاره بمظهر من تخلي عن التزامه الاسلامي. ويعتقد أغلب المهتمين الأتراك بأحداث تلك الفترة ان ما كانت قيادة الجيش تطالب اربكان القيام به يتمحور حول مواجهة التعليم الاسلامي والحد من انتشاره، كماً ومظهراً.خلال الأشهر القليلة التالية، حاول اربكان بكل الطرق والوسائل الممكنة ايجاد منطقة توازن بين رؤيته للحكم وارادة جنرالات الجيش، ولكن حنكته السياسية لم تكن كافية لانقاذ حكومته. وعندما بدا في يونيو/ حزيران ان البلاد تقف امام مفترق طرق بين استقالته أو وقوع انقلاب عسكري جديد، قدم اربكان استقالة الحكومة. بعد فترة قصيرة، أعلن عن حل حزب الرفاه، ووجهت لاربكان سلسلة من التهم التي قصد بها منعه من ممارسة العمل السياسي. ولكن الأثر الذي تركه الانقلاب ما بعد الحداثي علي البلاد كان أثراً عميقاً. فقد حكمت تركيا طوال السنوات الخمس التالية حكومات ضعيفة، قادها سياسيون مفسدون، مما أدي الي القاء الاقتصاد في براثن الأزمة التي كان الاتراك يعتقدون أنهم غادروها بلا رجعة. ومن ناحية أخري، أخذ الأتراك يتساءلون عما ان كانت التدخلات المتكررة للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية قد أصبحت قدراً لا فكاك منه. وحتي الأوساط التركية العلمانية، لاسيما أوساط المثقفين والأكاديميين، أدركت ان الثمن الذي دفعته الحياة السياسية الدستورية والديمقراطية لاطاحة اربكان كان ثمناً باهظاً. أما علي صعيد الظاهرة الاسلامية في الشارع التركي، فلم يكن هناك من تأثير سلبي يذكر. المسألة التي لم يرها الجنرالات في تلك الأشهر من 1997، ان ما يريده عموم الشعب التركي هو تصالح دولته مع دينه وموروثه، لا الغرق في دورات متكررة من المواجهة بين التيار الاسلامي السياسي والمؤسسة العلمانية، وان حركة الاحياء الاسلامي قد وصلت مدي لم يعد من الممكن العودة به الي علمانية الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين.بيد ان المتغير الرئيسي كان يتبلور في صفوف حزب الرفاه نفسه. فقد توصلت مجموعة من الشبان من أتباع اربكان، في مقدمتهم رئيس الوزراء الحالي أردوغان ووزير الخارجية غول، الي قناعة بأن لا اللحظة التاريخية ولا توازن القوي الفعلي في الدولة والمجتمع يسمحان بتحول اسلامي سياسي شامل في البلاد. ومن هذا التصور لتركيا نهاية القرن العشرين ولد حزب العدالة والتنمية، ليس كحزب اسلامي، بل كحزب وطني، ديمقراطي، يحترم الاسلام وتقاليد الشعب التركي. وبالرغم من حملة التشكيك الهائلة التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية، سواء من المعسكر العلماني الذي اتهم الحزب الجديد وقادته بالراديكالية الاسلامية المقنعة، أو من المعسكر الاسلامي الذي اتهمه بخيانة الاسلام والسعي الي تحويل تركيا الي معمل تجارب للاسلام الأمريكي، فقد حقق العدالة والتنمية انتصاراً ساحقاً في انتخابات 2002 البرلمانية. علي الصعيد الداخلي، كان أداء حكومة العدالة والتنمية ايجابياً الي حد كبير، بحيث لا يوجد في تركيا سوي قلة من المعلقين الذين يشككون في قدرة الحزب علي الانتصار من جديد في الانتخابات المقرر عقدها في خريف هذا العام. ولكن الامتحانات الكبري التي كان علي أردوغان وحكومته مواجهتها وقعت علي صعيد السياسة الخارجية، من غزو واحتلال العراق وما أوصل الاحتلال العراق اليه، مروراً بالعلاقات التركية ـ الاسرائيلية، وصولاً الي أزمة الملف النووي الايراني ونذر الحرب المتصاعدة فــي أفق المنطقة. السؤال الأعمق الذي ما يزال يدور في العقل السياسي التركي يتعلق بالموقع الذي يحتله الجيش في الدولة والاجتماع السياسي، والدور الذي يفترضه الجيش لنفسه في تحديد مستقبل تركيا. هل يمكن ان تواجه تركيا مخاطر الانقلاب العسكري، أم ان عهد الانقلابات قد ولي الي الأبد، سواء بفعل ارتباطات تركيا المتزايدة بالكتلة الأوروبية، أو بمعارضة الشعب المتصاعدة للحل الانقلابي؟ أي جيش يريده الأتراك وأي دولة يريدها الجيش؟ وهل حققت تركيا العدالة والتنمية اخيراً مصالحة الدولة مع دين الأغلبية وميراثها؟ليس ثمة اجابة قاطعة أو واضحة علي أي من هذه الأسئلة، بل ليس هناك حتي اجابة واحدة علي أي منها. هذه بلاد ذات جذور وتقاليد عسكرية عميقة، وبالرغم من الفرضية غير المسوغة تماماً لحراسة الجيش لعلمانية الدولة، فان الدور الأبرز الذي يراه الجيش لنفسه هو حراسة الجمهورية ذاتها، وحدة وحدوداً واستقلالاً. وقد عانت تركيا طويلاً، لاسيما خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، من استشراء الفساد في أوساط الطبقة السياسية التركية، مما جعل الجيش ينظر للسياسيين بقدر قليل من الاحترام. وبالرغم من ان طبقة الجنرالات العلمانيين تعيد توليد نفسها باستمرار، فربما لم يعد أمام الجيش مناص من القبول باحياء ولو جزئي للتقاليد الاسلامية، ما دامت حركة الاحياء هذه لا تهدد السلم الاجتماعي ولا تشكل ضغطاً فوق العادة علي الدولة. وقبل ذلك وبعده، يتحرك الأتراك وجيشهم، ببطء ربما، ولكن بلا نكوص في أغلب الاحيان، الي قلب مناخ التأزم والأمل والحيوية، الفكري والسياسي والثقافي، الذي يحيط بالعالمين العربي والاسلامي. وهذا كله لا يمكن ان يكون بلا أثر علي الحياة والسياسة التركية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية