الفزاعتان السورية والايرانية: سيناريو مكرر
نقولا ناصرالفزاعتان السورية والايرانية: سيناريو مكرر تبالغ الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل في حملتهما الاعلامية علي الدورين الاقليميين لسورية وايران حد التهويل بالثبور وعظائم الامور في سيناريو مألوف وممجوج ومكرر تعي الذاكرة العربية والاسلامية سوابق ليست بعيدة له مما يثير العديد من القضايا المتناقضة والتساؤلات المستهجنة الخاصة بالادوار القومية للدول العربية والادوار التضامنية للدول الاسلامية في محيطها الجيوبوليتيكي المكتظ بمئات الملايين من العرب والمسلمين، الذين ما زالوا في غالبيتهم الساحقة يرفضون تجزئة الامة الواحدة الي كيانات سياسية بعضها يمتلك مقومات الدولة ومعظمها دويلات تستمد مقومات بقائها من الدعم الاجنبي كما من افتعال المعارك الصغيرة او الوهمية فيما بينها.واذا كان المراقب لا يسعه ان يجادل في وجود مآخذ ومخاوف اقليمية حكومية وشعبية جادة من الدورين لا يفوته في الوقت نفسه ان يلاحظ كيف سارعت القوي الغريبة عن المنطقة والطامعة فيها الي استغلال هذه المآخذ والمخاوف وتحويلها الي فزاعة لابتزاز المنطقة لمآربها واهدافها الخاصة واستخدامها كساتر دخاني للتعتيم علي التناقضات الرئيسية للمنطقة مع النافخين الامريكان والاسرائيليين في رماد هذه المخاوف بقصد تاجيجها، مما يرتب علي الايرانيين والسوريين مسؤوليات بحثها خارج عن سياق هذا الموضوع. واذا كانت المقتضيات السياسية الضاغطة تفرض علي حكومات المنطقة الاصغاء الدبلوماسي المهذب لما تقوله الحرب الاعلامية للحليفين الاستراتيجيين او مجاراتهما في حملاتهما الدبلوماسية المرادفة لاسباب وطنية او لخلافات جادة مع البلدين المستهدفين لكنها لا ترقي الي حد التحريض للتعبئة الحربية ضدهما، كما هو حال خلاف ايران مع شريكها التجاري الاول الاماراتي حول الجزر العربية الثلاث المحتلة، فان الراي العام الشعبي في العالم العربي لا يري في ايران وسورية تهديدا رئيسيا للمنطقة بل يري في اسرائيل التهديد الاكبر (85%) تليها امريكا (72%) حسب الاستطلاع السنوي الذي اجرته مؤخرا جامعة مريلاند/جيمس زغبي انترناشونال في ست دول حليفة او صديقة للولايات المتحدة منها الاردن ومصر الموقعتان علي معاهدتي سلام مع اسرائيل. وليس الضجيج الحالي حول الدورين الايراني والسوري الا فصلا جديدا لنمط سياسي لا تزال الذاكرة الشعبية العربية تعي فصولا سابقة له اثيرت ضد عراق صدام حسين ومصر جمال عبد الناصر وجزائر الثورة وفلسطين الكفاح المسلح وايران محمد مصدق. وفي تاريخ حديث اقدم قليلا، عندما لم تكن القوة الامريكية قد ورثت بعد الهيمنة علي العالم العربي وجواره الاسلامي، اثارت الامبراطوريتان البريطانية والفرنسية ضجيجا مماثلا انتهي باجهاض الطموحات القومية للثورة العربية الكبري ورجالاتها.وفي خضم الضجيج حول ارهاب القاعدة والخطر الايراني و الاحتلال السوري يجري تغييب تناقضات اساسية والتعتيم علي الاهداف الحقيقية لهذه المبالغة والتهويل، اذ يجري التعتيم اولا علي تمكين الدور الاقليمي للولايات المتحدة القادمة باساطيلها وجنودها عبر البحار والمحيطات لكي تكون القوة الاقليمية الاوحد التي تقرر مصير المنطقة ومستقبل شعوبها وشكل الانظمة التي تحكمها ونوعية التفسير الفقهي الذي يتعبد بموجبه اهلها لخالقهم والثقافة والمناهج الدراسية التي يربون اولادهم وبناتهم من خلالها.وثانيا يجري التعتيم علي الاحتلال الامريكي للعراق منذ عام 2003 وعلي خطط بقائه الي امد غير منظور، مثلما هو الحال في اليابان والمانيا، كما ابلغ وزير الدفاع الامريكي روبرت غيتس احدي لجان الكونغرس يوم الاربعاء الماضي. وثالثا يجري التعتيم علي تمكين الحليف الاسرائيلي الاقليمي الاهم للولايات المتحدة ليس لكي يكون فقط الوكيل الاقليمي المفوض، كما تبين في الحرب الاسرائيلية علي لبنان الصيف الماضي، بل لكي يمارس كل شكل يستطيعه من الادوار الاقليمية في المنطقة والاحتفاظ بمكاسبه السياسة والعسكرية منها. الم تقدم واشنطن ضماناتها العسكرية والمالية لاهم فتوحات اسرائيل السياسية المتمثلة بمعاهدات السلام الثلاثة المعلنة بينما تفتح القنوات المتزايدة لعلاقات السلام المتنامية المعلنة وغير المعلنة؟ الم تحم واشنطن مكاسب التوسع العسكري الاحتلالي والاستيطاني الاسرائيلي منذ عام 1967! ومن لم يعد يتذكر رسالة الضمانات التي بعثها الرئيس جورج دبليو. بوش لرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الغائب عن الوعي ارييل شارون في نيسان / ابريل 2004 واعلن فيها انه لم يعد من الواقعية ان تعود اسرائيل الي حدودها في ذلك العام بسبب الحقائق الي خلقها احتلالها علي الارض طوال الاربعين عاما المنصرمة، فان وزيرة خارجية اسرائيل تسيبي ليفني حرصت يوم الخميس الماضي علي التذكير بتلك الرسالة، التي وصفها الاعلام العربي الغاضب في حينه بـ وعد بلفور الثاني ، عندما رفضت مبادرة السلام العربية لسببين اولهما نصها علي حل قضية اللاجئين طبقا للقرار 194 وثانيهما لنصها علي ما وصفته بـ حلم العودة الي حدود 1967 . واللافت للنظر ان جامعة الدول العربية تجمع علي خطر القاعدة لكنها تنقسم حول الخطر الايراني و الاحتلال السوري انقساما يعطل اي دور جمعي فاعل لها في حل القضايا العربية الشائكة الي تتطلب منها موقفا موحدا، خصوصا الصراع العربي ـ الفلسطيني مع اسرائيل واحتلال العراق والازمة اللبنانية حيث تتداخل الادوار الاقليمية لسورية وايران تداخلا متصادما مع الدورين الاقليميين للولايات المتحدة واسرائيل.لذلك يجري رابعا التعتيم علي دور الولايات المتحدة في تعطيل اي عمل عربي مشترك من خلال الجامعة باجهاض كل مبادراتها للقيام بدورها باعتبارها المنظمة الاقليمية المختصة منذ عقدت قمة قادتها في بغداد عام 1979 لاستيعاب صدمة الانفراد المصري بالتعاهد علي السلم مع لاسرائيل، ثم بعد ذلك تتالي اجهاض مبادراتها لحل المنازعات العربية البينية والداخلية منذ الاجتياح العراقي للكويت مرورا بمشكلة الصحراء الغربية فقضية العراق الراهنة واخيرا الازمات السودانية واللبنانية والصومالية.ومن الواضح ان واشنطن لم تعد عمليا تعترف بالجامعة كمنظمة اقليمية وهي تريد استبدالها باخري شرق اوسطية يمكنها ان تضم اسرائيل اليها كجزء لا يتجزأ من المنطقة المجزأة التي تسعي للامعان في تفتيتها علي اسس عرقية وطائفية تحت عنوان التعددية الديموقراطية التي تمكن الاقليات من الوصول الي مواقع صنع القرار فيها، ليكون رئيس العراق كرديا والسودان افريقيا والجزائر امازيغيا ومصر قبطيا ولكي يبقي الرئيس في لبنان قصرا علي الاقلية المارونية، الخ، لان نظاما اقليميا كهذا هو الوحيد القادر علي استيعاب اسرائيل وضمان مكاسب الاحتلال الامريكي للعراق وافغانستان.اليس من المفارقة ان تفتقد الدول العربية وجوارها الاسلامي رؤية وفعلا استراتيجيا موحدا في نطاق سياداتها مجتمعة بينما الولايات المتحدة تخطط للشرق الاوسط الجديد او الكبير للمنطقة برمتها وتعين لها قيادة عسكرية واحدة هي القيادة الوسطي التي تشمل ولايتها ونطاق عملياتها منطقة قلبها العراق وجزيرة العرب وبلاد الشام والصومال وتمتد من حدود الهند والصين وآسيا الوسطي مرورا بافغانستان وباكستان وايران الي حدود مصر والسودان واثيوبيا مع الدول الواقعة الي غربها؟ وفي هذا السياق، الا تبدو ايران وسورية موقعين شاذين في قلب نطاق عمليات القيادة الوسطي الامريكية مثلما كانت يوغوسلافيا السابقة في قلب ولاية حلف الناتو؟ الا يفسر ذلك التهويل في الحملة علي البلدين؟ان نظرة سريعة الي موقع القيادة الوسطي الامريكية علي شبكة الانترنت يبين ولايتها حيث اكبر احتياطيات للنفط والغاز في العالم وحيث توجد حربان مستعرتان في افغانستان والعراق واطول حالة حرب في فلسطين وجوارها وحيث يوجد ايضا الاحتلال الاسرائيلي والامريكي المباشر او بالوكالة كما في الصومال. الا يكشف ذلك دون اي ظلال من الشك الاهداف الحقيقية للولايات المتحدة التي تعتم واشنطن عليها بمظلة الحرب العالمية التي تديرها ضد الارهاب في منطقة غالبية اهلها الساحقة من العرب والمسلمين، الذين يجري التعتيم علي انسحاقهم تحت الوطأة الثقيلة لتفوق تقنيتها العسكرية وانفرادها كالقوة الاعظم الوحيدة في العالم بعد انهيار القوة الموازنة والرادعة للاتحاد السوفياتي السابق؟لقد اقام العرب الدولة الاسلامية ثم ارتضوا طواعية ان يكونوا رعاياها عندما تسلم قيادتها الفرس والاكراد والمماليك والسلاجقة والاتراك في اطار حضارة عربية اسلامية عاش في كنفها المسلمون والمسيحيون واليهود وحتي عبدة النار اول تعددية عرقية ودينية في عصور امبراطوريات اقامت محاكم التفتيش وارتكبت المذابح ومحارق الغاز لانها لم تحتمل حتي تعددية المذاهب ضمن الدين الواحد. ان صلاح الدين الايوبي (الكردي) وطبيبه موسي بن ميمون (الحاخام اليهودي) وطارق بن زياد (الامازيغي) ليسوا الا حوافز تختزنها الذاكرة العربية والاسلامية في العصر الحديث معتزة بتراثها من اجل المحافظة علي وحدتها ثقافة وتاريخا وجغرافيا وديموغرافيا.ان التجريد التعسفي للمنطقة من هويتها العربية الاسلامية كان هو المدخل الي تجزئتها وسيظل هو المدخل لمنع وحدتها ومع ان كل دول الجامعة العربية تنص في دساتيرها علي عروبتها واسلاميتها، بما في ذلك القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية، فان حكوماتها تحاول بالوسائل كافة ترسيخ هويات قطرية واقليمية لا يمكنها بحكم الامر الواقع ان تكون بديلا للهوية القومية علي اساس مقومات الحضارة العربية الاسلامية، وهي في احسن الاحوال قد تساهم في تأجيل قيام الدولة القومية مستفيدة من الهيمنة الاجنبية الراهنة لكنها لن تنجح في منع قيام هذه الدولة بهذا الشكل او ذاك عندما تتوفر الظروف المناسبة، اذ ليس من منطق التاريخ ان تظل القومية العربية هي الوحيدة في العالم المحرومة من اقامة دولتها.وقد كان تحييد الادوار القومية لدول الجامعة العربية ومنعها من اي عمل عربي مشترك بعزل البعد القومي عن علاقاتها البينية شرطا مسبقا لاضعافها جميعا. ان التدمير الامريكي الاسرائيلي للبني التحتية للدولة القطرية في العراق ولبنان والصومال، وحتي البني التحتية التي اقامها الحليفان الاستراتيجيان لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية بعد عجزها عن ردع المقاومة الوطنية، قد خلق حالة هجينة غريبة لا مثيل لها في العالم حيث توجد حكومات لا دول لها ولا تتعدي سلطاتها جدران الحصون المرتهنة داخلها لكن الحليفين بالرغم من ذلك يعترفان بها ممثلا شرعيا لشعوبها!وبسبب الوحدة الجيوبوليتيكية للمنطقة فان افراغ دولة قطرية واحدة من مقومات الدولة له فعل الأواني المستطرقة في بقية المجموعة الاقليمية. ان تفعيل الدور القومي للدول العربية كمجموعة والادوار القومية لكل منها علي حدة هو وحده الكفيل ببقاء الدولة القطرية نفسها وباحتواء المضاعفات القاتلة للوجود الاجنبي الي ان تتحرر المنطقة من هذا الوجود لتلحق بركب الدول القومية الموحدة في العالم. اما الاستمرار في استبدال العدو الاجنبي والاسرائيلي باعداء محليين يخلقهم ويهول من امرهم هذا العدو نفسه فانه وصفة مناسبة تماما للانتحار الذاتي.ہ كاتب من سورية[email protected]