معرض الأرمن والتصوير الفوتوغرافي في معهد العالم العربي بباريس: رواد الصورة الشمسية في الشرق

حجم الخط
0

معرض الأرمن والتصوير الفوتوغرافي في معهد العالم العربي بباريس: رواد الصورة الشمسية في الشرق

بدر الحاجمعرض الأرمن والتصوير الفوتوغرافي في معهد العالم العربي بباريس: رواد الصورة الشمسية في الشرقأسهم الأرمن بشكل رئيسي في ازدهار شتي أنواع الحرف والمهن في السلطنة العثمانية، وتواصل زخمهم ونشاطهم حتي بعد سقوطها. وبرغم تعرضهم للاضطهاد السياسي والمجازر، فقد نقلوا حرفهم ومهنهم إلي أقطار اللجوء في المشرق العربي سواء في بلاد الشام والعراق ومصر، أو في إيران وآسيا الوسطي.يأتي التصوير الفوتوغرافي في طليعة المهن التي كان للأرمن دور ريادي فيها،وقد لاقت في بداية انتشارها في السلطنة العثمانية معارضة من الاتجاهات الدينية المتزمتة. لكن هذه المعارضة انحسرت تدريجياً نتيجة لموجة التحديث التي أخذت طريقها إلي السلطنة والتي تم فرضها علي مراحل بعد ضغوط أوروبية. ونتيجة لتكفير المصورين من قبل التيارات المتزمتة فقد انحصر نشاط المصورين في البداية بين فئات محددة من ” المواطنين العثمانيين ” مثل الأرمن والمسيحيين السوريين وغيرهم من الأقليات. ومنذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر كانت معظم المدن في السلطنة العثمانية ومصر تضم استوديهات للتصوير أصحابها من هذه الفئات الاجتماعية. كانت موجة التحديث في السلطنة العثمانية قد بدأت ببطء قبل إعلان فرانسوا داغر في باريس عام 1839 عن اختراع التصوير الفوتوغرافي، إذ أبدي السلطان محمود الثاني اهتماماً خاصاً بما كان يعلن في الغرب من اختراعات، ولجأ إلي الاستعانة بالخبراء الأوروبيين لتطوير الجيش العثماني، وتم تأليف فرق موسيقية ومسرحية عثمانية تقليداً لأوروبا. وأبرز ظاهرة خرقت كافة التقاليد المتعارف عليها كانت السماح لأول مرة سنة 1836 بتعليق لوحة زيتية تمثل السلطان في ثكنة السليمانية في اسطنبول. كما تم في تلك السنة أيضاُ تصنيع ميداليات رسمت عليها صورة السلطان وجري توزيعها علي ضيوفه وكبار القادة. وفي عام 1847 قدم الموسيقار فرانز ليست في قصر السلطان حفلة موسيقي كلاسيكية أعقبها تقديم هدية له، هي عبارة عن ميدالية رسمت عليها صورة السلطان. وهكذا انتشرت عادة تعليق الصور الشخصية شيئاً فشيئاً، وبدأت صور السلطان تغزو المكاتب الحكومية وبيوت المواطنين، وأصبح الأمر مقبولاً من العامة. لم يؤثر الجو المتزمت الذي انحسر تأثيره تدريجياً علي الحيلولة دون إقبال الأرمن علي تعليم مهنة التصوير، بل علي العكس من ذلك فإن نشاطهم في هذا المجال كان يتم دون أية قيود. وكانت الفرصة سانحة أمامهم لتثبيت أقدامهم في هذا الحقل لدرجة أنهم، وبدون أية مبالغة،سيطروا علي سوق الإنتاج الفوتوغرافي في المشرق لعقود طويلة وحتي منتصف القرن العشرين. كان لإسهام الأرمن في ازدهار وانتشار التصوير الشمسي عدة أسباب، يعود بعضها إلي الأوضاع السياسية والاقتصادية التي واجهتهم من جهة، ومن جهة أخري إلي النشاط الثقافي والعلمي المتزايد في صفوفهم مع تدفق المبشرين الأجانب إلي السلطنة العثمانية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، بهدف العمل في صفوف ” الأقليات العثمانية ” لأجل استقطابها في معركة التنافس الأوروبي لاقتسام ما كان يعرف بتركة رجل أوروبا المريض. أما بالنسبة إلي الأوضاع السياسية فقد كان للاختراق الأوروبي البطيء للسلطة العثمانية علي الأصعدة العسكرية والثقافية والعلمية طيلة عقود القرن التاسع عشر الدورُ الأساسي في تشكيل البني الاقتصادية والسياسية في المشرق، وبالتالي الانقضاض النهائي علي السلطة العثمانية وما تلاه من تشكيل كيانات سياسية لا تزال قائمة حتي الآن. كانت الحملة الفرنسية علي مصر وسورية سنة 1799 قد فتحت الباب واسعاً أمام زيادة الاهتمام والتنافس الغربي في الشرق. ورغم فشل الحملة عسكرياً فقد عمد البريطانيون إلي احتلال عدن عام 1838، وأجبر السلطان عبد المجيد علي إصدار خط شريف كولحانة سنة 1839 وإعطاء بعض الحريات للأقليات الدينية مقابل دعم الدول الأوروبية له ضد محمد علي باشا بهدف إخراج هذا الأخير من سورية. وعسكرياً أيضا ًتدخلت فرنسا سنة 1855 في لبنان خلال الحرب الأهلية، وكان قد سبق هذا التدخل مشاركة كل من فرنسا وبريطانيا إلي جانب العثمانيين في حرب القرم 1853- 1856 ضد الروس. وفي نهاية هذه الحرب أجبر السلطان عبد المجيد مرة أخري علي إصدار فرمان خط همايون بهدف إعطاء المزيد من الامتيازات للسكان غير المسلمين في السلطنة العثمانية من جهة، وتعزيز ما كان يراه الأوروبيون الخط الإصلاحي من جهة أخري . كل ذلك مقابل حصول السلطان علي الدعم الأوروبي في مؤتمر باريس الذي أنهي حرب القرم. وهناك تدخل عسكري آخر قام به البريطانيون سنة 1882 حيث نزلت قواتهم في الإسكندرية ثم ما لبثت أن احتلت مصر. هيأ التدخل السياسي والعسكري الأرضية للتدخل والاختراق الثقافي. ونشطت البعثات التبشيرية في أنحاء الإمبراطورية العثمانية من أقاصي الأناضول إلي بلاد الشام والعراق واسطنبول. وكان المجتمع الأرمني قد شهد ، ومنذ القرن الثامن عشر، وبصورة خاصة الأرمن الكاثوليك، انبعاثاً في الدراسات الأرمنية الكلاسيكية تركزت بصورة أساسية في دير سان لازارو في البندقية، حيث تم نشر الكتب التي تتحدث عن علوم الكيمياء والرياضيات والفيزياء والفنون والتاريخ، وذلك من خلال مطبعة الدير. وكانت هذه المطبوعات قد أسهمت في انتشار آخر أخبار الاختراعات العلمية الأوروبية، والتي كانت تظهر تباعا وخاصة بعد الثورة الصناعية، وبالطبع كان من بين هذه الاختراعات التصوير الفوتوغرافي. لذلك لم يكن من العسير في مثل هذه البيئة ذات المستوي الثقافي المتميز أن تنتشر حرفة التصوير الشمسي، فالأرضية كانت جاهزة لتلقي تقنيات هذا الاختراع وتطبيقه علي أرض الواقع.أسهمت أيضاً النهضة الأدبية التي شهدها الوسط الأرمني منذ عقد الأربعينيات من القرن التاسع عشر ، وانبعاث نهضة الوعي القومي، وانتشار الأفكار الحديثة في صفوف الأرمن العثمانيين، وخاصة تلك المتأثرة بالثورة الفرنسية والتي كان المثقفون والطلاب الأرمن الكاثوليك الذين عاشوا في باريس في طليعة المنادين بها، وفي مقدمتهم غارابيد هاجيانGarabed Hajian صاحب مجلة Mais، في اندفاع اليقظة الأرمنية. أما بالنسبة إلي الأرمن البروتستانت فقد نشط المبشرون البريطانيون والأميركيون في صفوفهم منذ عقد الأربعينيات من القرن التاسع عشر، وقاموا بتمويل 131 مدرسة في اسطنبول وعينتاب ومراش وأماكن أخري، في حين أشرف الفرنسيون علي 127 مدرسة. وفي عام 1897 كان عدد المدارس الثانوية التابعة ل Gregorian Armenians إلي 653 مدرسة، في حين كان عدد المدارس التابعة للأرمن البروتستانت 198 مدرسة.هذا التوسع الضخم في عدد المدارس وضع الأرمن بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخهم علي مستوي متقدم من الوعي العلمي والثقافي، وبالتالي أدي إلي تحول جذري في أوضاعهم الاقتصادية، وفي الوقت نفسه إلي تنافس الإرساليات الأجنبية إلي اكتساب ولائهم. كانت اسطنبول مركزاً رئيسياً لتجمع الأرمن القادمين من الريف العثماني، وفي حين كان عددهم عام 1844 ما يقارب 85438 شخصاً في العاصمة، ارتفع هذا العدد بشكل كبير عام 1886 ليصبح 149590 شخصاً، وكان 43 بالمئة منهم يعملون في التجارة والصناعة والحرف ) 2(، كما كانت لهم مراكز مرموقة في المصارف ووكالات الشركات التجارية الأوروبية . وكان الأوروبيون الذين سبق لهم أن وقعوا المعاهدات التجارية مع السلطنة العثمانية يفضلون أن يكون الأرمن الممثلين الحصريين لوكالاتهم التجارية. ومن ناحية أخري شهدت العاصمة اسطنبول تدفق الكثيرين من الأوروبيين إليها، وخاصة بعد نهاية حرب القرم سنة 1856. وفي أواسط الثمانينيات من القرن التاسع عشر كان عدد الأوروبيين المقيمين في اسطنبول يقارب المئة ألف شخص، ومعظمهم يقطن في شارع بيرا الذي اكتظ بالمصارف والمخازن الفخمة التي تعرض أحدث الأزياء والمنتجات الأوروبية، وهذا ما يفسر السبب وراء انتشار استوديوهات التصوير الأرمنية في هذا الشارع الكبير علي امتداد نصف قرن ونيف.إن الوجود الكثيف للأوروبيين في اسطنبول، وتدفق المزيد من السياح الأوروبيين إلي الشرق وخاصة مصر، وازدياد الحجاج إلي الأراضي المقدسة، خلق أنماطاً جديدة من الخدمات السياحية والحرفية التي لم تكن معروفة في السابق، وخاصة التصوير الفوتوغرافي. لذلك نلاحظ أن معظم الزوار الرسميين لاسطنبول مثلاً قصدوا استديو عبد الله إخوان لالتقاط صور لهم. والمثال علي ذلك الأمير البريطاني ألبرت ادوارد سنة 1869 والامبراطور نابليون الثالث وزوجته أوجيني وامبراطور النمسا فرانز جوزيف وغيرهم. وقد عملت الشهرة التي استحوذ عليها المصورون الأرمن أمثال عبد الله إخوان والميداليات التي حصلوا عليها في المعارض العالمية، إلي دفع السلاطين لاختيارهم مصورين رسميين للبلاط، وفي هذا المجال كان عبد الله إخوان وغولمز إخوان من أبرز المصورين الذين اعتمد عليهم البلاط السلطاني في تصوير عائلة السلطان والمناسبات الرسمية والضيوف. وكان عام 1863 نقطة تحول في عمل استديو عبد الله إخوان، إذ اختير أصحابه من قبل السلطان عبد العزيز كمصورين للقصر. وفتح هذا الاختيار آفاقاً جديدة أمام الأخوة عبد الله الذين شاركوا في معرض باريس الدولي سنة 1867 ضمن الجناح العثماني وبحضور السلطان عبد العزيز الذي قام بزيارة لفرنسا اعتبرت أول زيارة إلي الخارج يقوم بها سلطان عثماني. عام 1886 انتقل الأخوة عبد الله إلي القاهرة وأسسوا فرعاً لمؤسستهم الأم. وبدعم من الخديوي توفيق باشا ازدهر الاستديو الذي واصل عمله حتي 1895 .في الوقت الذي ثبت فيه الأخوة عبد الله سيطرتهم علي السوق المحلية في العاصمة إسطنبول بلا منازع قوي، كانت القدس تشهد تجربة فوتوغرافية رائدة من قبل القس الأرمني عيساي غرابيديان الذي افتتح في مرحلة متأخرة من عام 1859 أول مدرسة للتصوير في دير سان جيمس للأرمن الأرثوذكس. وكان لهذه المدرسة دور رئيسي في نشر مهنة التصوير الشمسي بين الأرمن القاطنين في بلاد الشام ، إذ تدرب فيها مصورون أرمن وسوريون أمثال غرابيد وكيفورك كريكوريان، وخليل رعد وغيرهم.وإذا كان النصف الأخير من القرن التاسع عشر قد تميز بتألق عدد كبير من المصورين الأرمن وسيطرتهم علي سوق الإنتاج الفوتوغرافي في المدن الرئيسية في السلطنة العثمانية فإن الأوضاع السياسية العنيفة والمذابح التي راح ضحيتها الأرمن في العقد الأخير من القرن التاسع عشر)1894 و 1897( واستمرار ذلك ما بين السنوات 1915 و 1917 علي أيدي جماعة تركيا الفتاة، دفع العديد منهم إلي التشرد في المدن السورية والعراق ومصر وبعضهم إلي الهجرة إلي أوروبا وأميركا الشمالية. وكانت مهنة التصوير من العوامل التي ساعدت الأرمن في تشردهم علي إعادة بناء حياتهم مجدداً في أماكن إقامتهم الجديدة. فالمهن التي أتقنها الأرمن كانت بالنسبة لهم رأسمالاً يعتمد بالدرجة الأولي علي المعرفة التقنية، والتهجير من بلد إلي آخر كان يضع المهجّر أمام واقع جديد يضطره إلي أن يبدأ حياته المهنية من جديد منطلقاً من الصفر. وكانت الحرفة والمعرفة رأسمال الأرمن الرئيسي فأبرزوا خبراتهم في المجتمعات الجديدة التي أقاموا فيها، واثبتوا جدارتهم، فتصدروا الناشطين اقتصادياً في شتي المجالات. وبرغم الهجرة الكثيفة للأرمن المقيمين في بلاد الشام إلي أميركا الشمالية لا يزال الأرمن، حتي يومنا هذا، في طليعة المنتجين والحرفيين والتجار . ملاحظة أخيرة لا بد من الإشارة إليها وهي أن الأرمن بشكل عام تميزوا بقوة روح الجماعة في أعمالهم. ومنذ بدايات انخراطهم في الإنتاج الفوتوغرافي في مطلع الستينيات من القرن التاسع عشر، تميزت نشاطاتهم بكونها خلية نحل عائلية . وكان الأخوة يتشاركون في العمل، وتنتقل المهنة من الأب إلي الابن، أو من الأخ إلي الأخ، أو من أسرة إلي أخري عن طريق الزواج. والأمثلة علي ذلك كثيرة. ختاماً لا بد من التأكيد علي أن تميز الأرمن وتفوقهم ثم سيطرتهم علي سوق الإنتاج الفوتوغرافي في المشرق إنما يعود بالدرجة الأولي إلي عوامل سياسية وثقافية واقتصادية ، تفاعلت فيمل بينها لتضعهم في قمة التفوق في الإنتاج والتسويق والتجارة في المواد الفوتوغرافية وذلك علي امتداد ما يقارب القرن من الزمن (1859 ـ 1960 ).وعلي الرغم من التبدل الجذري الذي طرأ علي التصوير الفوتوغرافي وسوقه نتيجة للثورة التقنية الهائلـــة التي حدثت في العقد الأخير، فإن ما أنتجه الأرمن علي امتداد ما يقارب القرن من الزمن هو بمثابة سجل وثائقي مصور علي درجة كبيرة من الأهمية لمنطقة تبدلت تبدلاً جذرياً، وبقيت اللقطات التي سجلتها العيون الأرمنية شاهداً ليس فقط علي كفاءة أصحابها، إنما علي زمن انتهي و تثبت فقط علي الأوراق المصورة. كاتب لبناني لديه مجموعات من الصور الفوتوغرافية القديمة، وهذا المعرض يأتي في اطار سنة (ارمينيا صديقتي) في فرنسا.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية