الأمني والإعلامي في برامج التلفزيون السوري: ذوبان الحدود واحتضار الهامش!

حجم الخط
0

الأمني والإعلامي في برامج التلفزيون السوري: ذوبان الحدود واحتضار الهامش!

محمد منصورالأمني والإعلامي في برامج التلفزيون السوري: ذوبان الحدود واحتضار الهامش!بسبب الارتباط الوثيق بين الأمني والإعلامي في التلفزيون السوري، وبسبب تلك العلاقة الحميمة والتلقائية بين عقول الكثير من الإعلاميين العاملين في إدارات التلفزيون السوري ومفاصله الهامة بقنواته المختلفة، وبين ضوابط ونواهي أجهزة الأمن ووزارة الإعلام التي ليست إلا امتدادا أمنيا لمتابعة وضبط وتعقيم وفلترة العمل الإعلامي… أقول لهذا السبب تري علي شاشة التلفزيون السوري أو الفضائيةالسورية، الكثير من البرامج ذات الطبيعة المخابراتية، وتري الكثير من الحوارات تدار وكأن المحاور أعد أسئلتها واختار ضيوفا في فرع أمن، وليس في مكاتب التلفزيون السوري، وتجد الكثير من الظواهر الحياتية والاقتصادية والسياسية يتم رصدها بطريقة تنسجم في النهاية مع وجهة نظر العقلية الأمنية التي باتت معششة في آلية صناعة الكثير من البرامج التلفزيونية.ففي البرامج السياسية مثلا، لا فرق بين أن تشاهد برنامجا علي الفضائية السورية لنضال قبلان أو نزار حمود أو نضال زغبور وسواهم، أو أن تحضر تحقيقا في فرع أمن… ففي الحالتين ثمة طرف واحد يمتلك حقيقة واحدة يصدرها إلي الطرف الآخر ويفرضها علي لغة الحوار بحيث يتحول الحوار في النهاية إلي مونولوج مضجر تردد فيه كل الأطراف مقولة: مصلحة الأمة… والثوابت القومية والوطنية الثابتة في السياسة السورية.وفي برنامج (جهات الصحافة) أو فقرة الصحافة في برنامج (العالم هذا الصباح) لا فرق أن تقرأ زاوية رأي في أي من الصحف السورية الرسمية الثلاث، أو تحاول تلخيص أفكارها وموقفها السياسي علي الشاشة… فهذه الصحافة مع ملحقاتها هي أكثر ما يناسب الشاشة السورية، حتي لتبدو وكأن مقالات الرأي الواحد فيها، كتبت كي تعكس خصوصية الزي الواحد في كل ما يقدم علي قنوات التلفزيون السوري.وفي البرامج السياحية كل السياح الذين تلتقيهم الفضائية السورية في برنامج (دليل سياحي) أو سواه من البرامج يعبرون عن إعجابهم بكرم الضيافة وحسن الاستقبال والاستقرار الأمني، وكم تمنيت ولو علي سبيل التغيير والخروج عن الروتين والتكرار ليس أكثر… أن يرصد البرنامج مثلا مظهرا واحدا من مظاهر القصور في تفعيل حركة السياحة التي تجعل من سورية التي تمتلك كل مقومات السياحة من غني تاريخي وأوابد أثرية وطبيعة خلابة ومناخ لطيف، بلدا لا يصنف من بين البلدان السياحية، حتي لو اعتمدت وزارة السياحة في رصدها لعدد السياح علي إدراج أعداد المغتربين السوريين العائدين إلي الوطن في إجازة الصيف ضمن السياح!طبعا يدرك الإعلاميون في الإعلام الشمولي الموجه عادة أن الهامش ضيق، وأن مهمتهم ليست إحداث ثورة، أو قلب النظام… بل توسيع هامش العمل الإعلامي لكي يصبح معبرا ما أمكن عن طموحات وقضايا وآلام الناس… لكن المشكلة في التلفزيون السوري اليوم، أن الجهد الإعلامي ينصب علي نيل رضا الجهات الأمنية، وتمثل العقلية الإعلامية التي تحكم وزارة الإعلام والتي تتعامل بعداء وقرف وإلغاء مع كل ما يمكن أن يمثل رأيا آخر، أو حتي رأيا اجتماعيا عاما، يمكن أن يصطدم بأي شكل من الأشكال مع الرأي الذي تعلنه الدولة مهما كانت القضية هامشية.وعلي سبيل المثال فقد قرأنا في الأشهر الأخيرة العديد من الأخبار التي تتحدث عن رفض الجهات الأمنية المختصة، إعطاء تراخيص لجمعيات حقوق إنسان، أو مراكز دفاع عن حريات الصحافة، أو حتي جمعية لمكافحة الفساد… وبدل أن يقوم الإعلاميون في التلفزيون السوري بإعداد برامج لمناقشة رفض الترخيص لمثل هذه الجمعيات ومناقشة الجهات المختصة في مبررات هذا الرفض، وإجراء حوار إيجابي مع جهات عدة حول أن مثل هذا الحجر الصحي الذي تصر السلطات السورية أن تمارسه علي قوي المجتمع الأهلية… أمر يتنافي مع ضرورات التطوير والتحديث بأبسط قواعدها ومظاهرها.أقول بدل أن يقوم الإعلاميون بمحاولة مناقشة الظاهرة موضوعيا، ولو علي طريقة (أضعف الإيمان) تبرعت الفضائية السورية بتقديم برنامج دعائي بعنوان (مرايا المجتمع) يرصد في كل حلقة من حلقاته نشاط جمعية أهلية مرخصة ليقول إن في سورية العديد من الجمعيات الأهلية التي يفوق عددها ربما عدد هذه الجمعيات في أكثر المجتمعات الحرة نشاطا… وبالتالي كل الدعايات المغرضة حول منع منح تراخيص الجمعيات الأهلية، وإعاقة نشاط المجتمع المدني وتقييد حرية هذا المجتمع… ما هي الا دعايات كاذبة هدفها النيل من مواقف سورية الوطنية والقومية المبدئية والثابتة!وهكذا فبرنامج (مرايا المجتمع) مثال حي علي البرامج التي تقدم لدواع أمنية… ولتحقيق دعاية سياسية مغايرة تماما لواقع الحال… هذا الواقع الذي يقول إن معظم هذه الجمعيات محصورة في أنشطة هامشية، ومقيدة بالموانع والموافقات المسبقة في كل نشاط يستهدف التواصل الاجتماعي، وبعضها الآخر نسخة باهتة ومصغرة عن واقع النقابات المهنية المؤممة حكوميا، ومنها ما هو حبر علي ورق… لا يمتلك مقرا، ولا يمتلك برنامج عمل…وهو ليس أكثر من رقم يضاف إلي الأرقام التي يرصدها برنامج (مرايا المجتمع) كي نري أي صور زائفة ومختـَلقـَة ومضخمة تعكسها هذه المرايا التلفزيونية التي تنضح بما فيها أيضا، والتي تؤكد أنه حين يتماهي الإعلامي بالأمني والمخابراتي في عقل الإعلاميين وانتماءاتهم وليس في الخطوط الرقابية فقط، فإن الهامش سيلفظ آخر هوامشه الحقيقية.لا… ثم لا… ام. بي. سي أكشن! لم أتلق نبأ انطلاقة قناة (إم.بي. سي) أكشن في الخامس من آذار (مارس) الحالي بإيجابية وتفاؤل علي الإطلاق!فالمعروف أن نوعية أفلام ودراما الأكشن، تولي الاعتبار الفني والفكري الأساسي في صناعة أي عمل، لعنصر المغامرات بكل ما ينطوي عليه من عنف وإثارة وتشويق وفبركة في تركيب الأحداث، واختلاق الصراعات… وهي تعتمد علي تقنيات الصناعة السينمائية الأمريكية المتطورة في تصوير كل هذا، وتلعب علي مشاعر الملل، والكسل الفكري لدي المتلقي المستهدف والجاهز في كثير من الأحيان للفرار من متابعة أي موضوع جدي يحمل قيما حقيقية… وبهذا فالقناة تتخصص في مد مدمني هذه المخدرات الدرامية بجرعة متواصلة من الأفلام والأعمال التي تقتل الوقت… وخصوصا لدي فئة الشباب الذي تستهدفهم المحطة أساسا في إعلاناتها الترويجية ولو افترضنا ـ من زاوية أخري ـ أن دراما الأكشن هي نوع ترفيهي مسل، وهي مادة جماهيرية رغما عن تنظيرات النقاد وفذلكة المتفذلكين… لأمكن لنا أن نتساءل عن البيئة الاجتماعية لهذه الأعمال ومدي غربتها عن بيئة المتلقي العربي… إلا إذا أردنا أن نجعل من الشباب العربي مستهلكا نموذجيا لهذا النوع الدرامي المثير ومن الملاحظ هنا أن الدراما العربية السينمائية والتلفزيونية علي حد سواء سجلت علي الدوام أضعف حالات الحضور في دراما الأكشن وكانت غائبة وقاصرة علي المنافسة… وبالتالي فإن هذه القناة لن تروج سوي للدراما الأمريكية علي وجه الخصوص… ولبيئة عصابات شيكاغو ومافيات القتل الرخيص… ولا يخفي علي أحد أن سينما الأكشن الأمريكية هي صناعة تجارية خالصة، وتعامل حتي في الثقافة الأوروبية باعتبارها تجسيدا لثقافة أمريكية استهلاكية فارغة، تروج لقيم العنف، وتقدم حياة الإثارة باعتبارها نمطا أخاذا يأسر عقول الشبان.باختصار وانطلاقا من رأي شخصي جدا، فإن (إم. بي. سي) أكشن، تمثل أخطر حلقات مشروع نشر الثقافة الأمريكية الاستهلاكية، ووضعها في متناول كبسة زر أي مراهق في أي بيت عربي… وهو مشروع من المؤسف أن يكون المال السعودي الذي ينتمي لبلد يمثل الخصوصية الإسلامية العربية ـ دينيا علي الأقل ـ هو من يعمل علي نشره وتعميمه والمتاجرة به وبنا وبما تبقي من هويتنا، في سوق العرض والطلب والإعلانوالدعاية والترفيه.ہ كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية