دالّ الإيقاع في قصيدة النّثرالمغْربيّة

حجم الخط
0

دالّ الإيقاع في قصيدة النّثرالمغْربيّة

عبد اللطيف الوراري دالّ الإيقاع في قصيدة النّثرالمغْربيّة أ.في فهم الإيقاع:قصيدة النّثر هي ،بامتياز،قصيدة الدّالّ وشعريّته، الّذي يتحرّك في شبكةٍ من الخصائص النّوعيّة شديدة التّنوُّع.مثلما يرتبط، بلّورياً، بالذّات والمعْني ،يتحدّد الدّال ،أيضاً وبالنتيجة،بالإيقاع بوصفه عُنْصراً ينظّم معني الذّات داخل خِطابها.بهذا المعْني،المتبلور في عمَل الشّعريّة اليوم،يكون الإيقاع أكبر من العروض،ومشتملاً عليه كدالّ من دوالّه الّتي لا تتوّقف عنْده في سيرورة الْخِطاب.وبوصفها مسعيً كتابيّاً ،تسعي قصيدة النّثر إلي إعادة بناء هذا الدّالّ بالخروج علي العروض،والإنقطاع عن قياساته الثّابتة.وفي غياب مقوّمات الإيقاع العروضي ذات التّكوين المنتظم النابع من التّركيب الوزني للّغة العربيّة،لا مندوحة لنا من تغيير مكان القراءة . يقول هنري ميشونيك”أُعرّف الإيقاع داخل اللُّغة كتنْظيم للسّمات التي من خلالها تنتج الدّوالّ، اللّسانية وعبر اللّسانية{في حالة التّواصل الشّفوي خاصّة}،عِلْم دلالةٍ نوْعيّاً،مُغايراً للْمعْني المُعجمي،الّذي أُسمّيه الدّلاليّة la signifiance:أي القيم الخاصّة بخطاب،وخطاب واحد”1. يهجرالإيقاع ميدانه التّقليدي ،وينفتح في تماسّ مع جميع دوالّ الخطاب التّطريزيةوالمعجميةوالتّركيبية الّتي لا تعمل مستقلّة عنْ بعْضها البعض،بلْ ككلّ ممّا يؤسّس ،في تلازمهاالمحايث،الإستبدالي والمركّبي الّذين يقومان بتحييد مفهوم المُستوي كما تصوّرتْه نظريّة الدّليل وثنائيّته. إنّ دالّ الإيقاع يشتغل في قلْب الدلاليّة وهي تحرّر المتواليات الصّغري كما الكبري داخل الخطاب الشّعري. لذلك فالإيقاع يتأبّي علي كلّ قياس،كما الدّلالية .ب.الإيقاع داخل الخطاب لا البيت: إنّ الإيقاع، وهو ينظّم الدّلاليّة ومعْني الذّات،يكفّ عنْ أنْ يكون له تمفصلٌُ مزدوج ،عدا أنّه ليْس صوتيّاً أوْ وزنيّاً فحسب.إنّه يوجد في الخطاب كنسق يجعل الذات الكاتبة تحضر فيه بكثافتها،ويسهم في وضع المعني داخل اللّا ـ وحدة ،لأنّ الوحدة لا تكون إلّا دليلاً،والإيقاع لا يقبل باختزاله إلي دليل:هواللّاإرادي،القبلي علي الكلمات ومعانيها،اللّاواعي ،الفردي ـ الجمعيّ،المُستمرّ ـ المنقطع،المفتوح غير المكْتمل.وإذا كان الوزن يضع إيقاع البيت داخل البنية،البنية الصّوتية،فإنّ الإيقاع لايكون إلّا داخل نسق الخطاب،فيكون إيقاع الخطاب تركيباً لكلّ عناصر الخطاب،بما فيه عناصر الإبلاغ الشعري {المقام/الباثّ/المتلقّي}.هكذا يمكننا أنْ نستقصي إيقاع قصيدة النّثْر منْ مكان شعْريّة الإيقاع كتصوّر إجرائي يفترض اللّسانيات والبلاغة وشعرية الخطاب في آن،لأنّ مامن كتابة فجّرت دالّ الإيقاع كهذه القصيدة.ج.إيقاع النّحْو،نحْو الإيقاع: يعتبر النّحو،نحو القصيدة،جزءاً تأسيسيّاً منْ إيقاعها ،ومن دلاليّتها.يظهر الإيقاع غير منْفصل ،ألْبتّة،عنْ التّركيب،والمعني ،والقيمة داخل القصيدة؛وهويرتبط بأصغروحدة{صامتية،مصوّتية،مقطعية،معجمية}، وبأكبر وحدة /وحدات الخطاب المتغيّرة الّتي تتضمّن وحدة الجملة.وترجع أولويّة الإيقاع ،المتجرّد من العروض،إلي الأولوية التجريبية للْخطاب علي اللّسان.من هنا،لنْ تعود الوحدة الإيقاعية في نصّ قصيدة النّثر هي التّفعيلة كما يحصل في أشْكال أخْري من الشّعر العربي قديمه وحديثه ، بل تصبح الوحدة هي الجملة اللّغوية بوصفها تركيباً دلالياً لا وزْنيّاً،وتتوزّع القصيدة إلي “أبيات” تتحرّك وفْق “حركة المعْني”2 بما تُشيعه من ضروب وتلْوينات بلاغية ودلالية بحسب موقعها في نسق الخِطاب،لا وفْق قوانين وزنية قارّة وقبْليّة.بهذا الفهم، ينتج إيقاع قصيدة النّثْر عن دوالّ الخطاب الّتي تتموْضع في كلّ عناصر اللّغة الأيقونية،التّطريزية،المعجمية والتّركيبية؛الّتي لا تغفل ،في عملها داخل الخطاب،عن “توخّي معاني النّحْو”:نحْو الإيقاع ،تحْديداً. كما لا نعمي عن القراءة البصرية التي تتعدّي اختزال النصّ في الصّوت إلي إدراك “الرّؤية في السّمع” ،بمعني اعتماد الخطّية كعنصر لافت للتّأمّل في متغيّرات الدّال الإيقاعي وأوضاعه في القصيدة،كما آثاره الأكيدة علي وضع “البيْت الشّعري” داخلها.يصير الخطّي،هنا، دالّاً من دوالّ الخطاب ،ويتفاعل معها لإنتاج معني الخطاب ودلاليّته ،خارج الفصل بيْن الشّعر والنّثر بما يعيد ترتيب أشْجار “البيْت”،بلْه رجّها.إنّ “الشّكل النّحوي للخطاب ” 3 الّذي تعبره لغة القصيدة هو ما يحدّد عمل الإيقاع كدالّ.ننتبه ،هنا، إلي صيغ الشكل المتنوّعة،ونرصد درجة انْتظامها وتغيّرها ممّا يسمح بوصف الخصائص المائزة للمبدأ الإيقاعي علي مستوي الإنتظام والتناسب والتّوازي ،أو بخلاف ذلك. بالنّظر علي طبيعة الخطاب الشعْري ك”فنّ لفظي” يستلزم،قبل كلّ شيء،”استعمالاً خاصّاً للّغة”،في مختبرقصيدة النّثر،من المؤمّل البحث في صور التركيب الصّوتي والوزني[قياساً علي التّتابعات الوند ـ سببية الّي ترد في السطر الشعري الواحد]والمقْطعي،وتنظيم القوافي،والتّفضية النّاشئة عن لعبة السّواد والبياض أو عنْ الحوار الخفي بين النطق والصمت،عدا البحث في أساليب الوصل والفصل،والتّقديم والتّأخير ،والتّكرار،والإلتفات،والوقف،والإستئناف،والنّدبة والإستغاثة..،وصيغ المناجاة الدّاخليةوتبئير الذّات،ونداخل الضمائر،وتوظيف السّرد،وأسطرة المحكي الشعري، واجتراح الباروديا والسخرية،وغير ذلك ممّا يعود إلي تجربة القصيدة ولغتها بين المألوفية والتّعقيد،والحساسية التي يكتب بها الشعراء،ودرجة تأثّرهم بجماليات اللّغة العربية أو بصيغ التركيب الفرنسي والإسباني والإنجليزي تحديداً. إنّ للْقصيدة الواحدة ،بهذا الأسلوب أوْ ذلك،إيقاعاً خاصّاً بها ،لا قياساً علي نموذج عروضيّ قبْليّ .2.عملُ الإيقاع:نماذج من قصيدة النّثْر المغْربيّة: نقتصر،هنا،في أفق اختبار هذا التّصوّر لدالّ الإيقاع،علي نصوص قصيرة،أومقاطع محدّدة من نصوص متوسّطة أو طويلة لشعراء قصيدة النّثر بالمغرب ممّن يحسبون علي جيل التسعينيّات وبداية الألفيّة ،ويكرّسون،من منظورنا، متخيّلاً للْكِتابة جديداً ومُجاوزاً ،لأجْل تأمّل الأوضاع الّتي تستحوذ ممارسة الإيقاع في شعرهم،وآليّات الإشتغال النّصّي الّتي تنْشأ عنْها،من غيْر أنْ نحجب أثَر الّذات ومعْناها.هي ذي بعض النّماذج الّتي نعثر بها في مختبر هذه القصيدة ،راعيْنا فيها مبدأ التّمثيليّة والتنوّع لقياس أشكال تجلّي الدّالّ الإيقاعيّ ،وجماليّاته في الكتابة الشعرية الجديدة .2.أ ـ يكتب الشّاعر عبدالدّين حمْروش في نصّ “عبور”: لا تبحثْ للوردة عنْ معني إبحث عن ريحْ لا تبحث للماء عن لون إبحث عن سبيلْ لا تبحث للشمس عن ظلّ إبحث عن ليل لا تبحث للأرض عن سقف إبحث عن قدمْ لا تبحث للسماء عن ساكن إبحث عن طيفْيشكّل هذا النصّ نموذجاً من ممكنات الإيقاع الحيّة الّتي تتيحُها تصيدة النّثْر،فقدْ أتي ،علي قِصره،متلوّناً بدرجةٍ عاليةٍ من الدّوالّ البانية للإيقاع،فهو منْ جهة مُوزَّعٌ ،بدقّة،علي أبْياتٍ تُنْشئُ داخلها توازياً من جهة الصّوْت ،سواء من حيثُ البنية المقْطعية الّتي تكشف عن انْتظام الْجمل اللُّغويّة الّتي تتراكب وفْق سُلّمٍ موسيقيّ متعادل يهيمن فيه المقطع المتوسّط ،أوْ من حيْثُ الْبَياض الّذي يخْترقها منيباً عن علامات التّرقيم المعدومة في توزيع متواليات النّصّ وتفضيتها علي نحْو مُطّرد ،وشاخصاً في فجْوة الصّمْت الذي تبئِّره الكلمات ـ القواقي المُرْسلة والْمقيَّدة [ريحْ،سبيلْ،ليْلْ،قدمْ،طيفْ ]؛وتوازياً آخرمن جهة التّرْكيب الّذي يتحدّد في التّكْرار بالتّناوب[لا تبحث/إبْحث] الّذي يُزاوِج بيْن صيغتي النّهْي والأَمْر ممّا يشي،عبْر تقنية الإنشطار، برغبة الذات في الكفّ عن المألوف،وعبورها علي البحث في أشياء الطبيعة وهي تُدْرك زيْفَ السّاكن والخادع والمحدود[معني ،لوْن،ظلّ،شفق ،ساكن] ،وقيمة اللّانهائيّ والممتدّ الْمبحوث عنْها[ريح،سبيل،ليْل،قدم،طيْف]. ومن الطّريف أنْ نجد هذا النّصّ ينْتمي،وزنياً،إلي بحر الخبب الّي تشكّل وحدته الإيقاعية “فعْلن”مناطه الْموسيقي،لكنّه يخْرجُ عنه باعْتماد صُوَرٍ عنها لا تقرّرها قواعد علم العُروض”فاعل ـ فعْلاتنْ” ،بلْ إنّ البيْت السّابع تدْخل في تكوينه تفْعيلة الرّجز المخبونة”متفْعلنْ” ، ممّا يمثّل خرْقاً واضحاً لهذا الوزن.إنّ الشّاعر وهو يكْتب قصيدة النّثْر لاتزال تتحكّم بكتابته نظُم الإيقاع العروضي،وربّما خبرته بالإيقاع العربيّ ،ومرانه علي شعْر التّفعيلة ممّا يستدلّ به في ذلك.2.ب ـ تكْتب الشّاعرة أمل الأخْضر في نصّ “يا الْوَالِه “: فاتِناً يتابّط سدْفَته ، لُجّة الفلقِ، ينْشُد اللّه في فرَقٍ، خائفاً منْ وهنٍ يمرقهُ غارِقاً في قلَقٍ يعْشقُهُ. يعْلنُ توْبة الأعْمَاقْ. يا الشّادهُ يا الْوَالـهُ يا السّابِحُ يا الْمفتُونُ يا الرّاحِـلُ يا الْقَابِضُ جمْرةَ الأشْواقْ. سافِرْ ما عنَّ لكَ السّفرُ، خاتِلْ حجبَ الْماءْ. تفتّقْ في ظِلالِها. أنْت كُلَّ الْمدي تخْتصِرُ. راوِدْ فرْحةَ الرّائي في عُزْلتِهِ، تسنَّمْ أجْنِحةَ الْحُبِّ. تصعَّدْ عيْن الضّوْءِ..سامِقْها، إِنّي بمُنْعرج الْقَلب أنْتَظِرُ. ظاهريّاً،يبدو كلّ سطْرٍ مستقلّاً بذاته ومنْقطِعاً عنْ غيره ،لكنّ ملفوظ النّصّ مشْدودٌ إلي مخاطَبه ،ومُحيلاً عليْه بصيغة الْحَال[فاتناً،خائفاً،غارِقاً] ثُمّ بصيغة النِّداء[يا الشّاده، يا الْوَالِه..إلخ] فالأَمْر [سافرْ، خاتِلْ، تفتّقْ..إلخ]،ممّا يسمه بتنْويعٍ أسْلوبيّ يجْعل منْ هذه الصيغ التركيبيّة أن تُحدِّد وضْع البيْت في النصّ ،وعلاقاته الّتي تتحرّك في نسقٍ لوْلبيّ هابط ـ صاعد تتأثّر به اللّغة بيْن الصّمت والنّطق،بين الفصل والوصل،وهْو ما يعكس ،بالنّتيجة، تشكيل الذّات المتلفّظة لإيقاع معْناها بلهْجةٍ صوفيّة محْمومة يُصعِّد منْ درجة نوتُّرهااسْتِثمار الشّاعرة للطّاقات الصّوتيّة الأكثر بروزاً مثل التّوازي الصّوتي والتّركيبيّ والتّقفيةالمتتابعة[الفلق :فرق/يمرقه:يعْشقه/الأعماقْ:الأشْواقْ/السّفرُ:تخْتصر:أنْتظِرُ] ،الّذين يُشيعان في أطراف النّصّ كثافةً نغميّة وصوْتية تتولّد، بالإضافة إلي ذلك، من وفْرة حُروف المدّ والإطالة وجرْس الألْفاظ المتصادية وهي تسْرح بيْن علامات ترْقيم مشبعة بفتنة الأنثويّ، وأطْيافٍ وزْنيّة متداخلة[المتدارك،المديد،الرّجز والبسيط] في حيّز قصيركأنّه صوْت الذّات الْمتعدّدة ،الشفّافة والمسْتسلمة إلي ما يؤلِّفها بعْد انْتِظارساحق.2.ج ـ يكْتب عزيز أزغاي في نصّ “TROC”: النّادلُ الّذي وزّع الضّحِكَ عَلي الْبَدْوِ فِي نَباهَةِ الْخُدَعِ كَانَ وَحْدَهُ مَنْ يَقُودُ الْعَطَبَ إِلَي النُّضْجِ هُوَ الآخَرُ لَهُ نَصِيبٌ في النَّدَم حِينَ لا يَسْكَرُ الْعَالَمُ.د ـ يكتب سعيد الْبَاز في نصّ ” في نقْد الحاجة الْقصْوي”: المساء الذي أطْللنا منْه ومكثْنا طويلا، أعْلنَّا فيه بصَراحة الْعُميان عن انحدارات الضّوء والحاجة القصوي إلي مصابيح الأرواح.هـ ـ يكْتب جلال الحكْماوي في نصّ “بورتريه شخْصيّ”: حيَاتي ليسَتْ في حَاجة إلَي كُومبيُوتر من نوْع ماكنتوش أو لتَاجر لوْحات مُحْتَال لوضْعها في الْمكان المناسب: في إطَار مذهّب وتعْليقها في شبّاك أوتوماتيكي،مثلاً، بَلْ في حَاجة فقط إلي درّاجة هَوائية زرْقَاء أركَبها وألوّحُ بمنديل جديد لمُوناليزا وهْيَ تُخرج لساانَها أمام منظارٍ لتقريب الحدثِ وأقولُ لها آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ ه لقد نسيتُ طائرةَ هليكوبتر صغيرةً في الحمّام ولم أ غلق الدشّ جيداً. كُلّ صفْحةٍ للشّعْر،في النّصوصُ الثّلاثةُ أعْلاه ،تعْكِسُ احْتفالاً وهْي تُمارسُ الْخِطاب،وبالنّتيجة تصوُّراً للُّغة بِغايَة الْكشْف.واللّافت أنّ أكْثرَ شُعراء قصيدة النّثْر بالْمَغْرِب[سعد سرحان، محمد الصّالحي، وداد بنموسي،كمال أخْلاقي ،..إلخ]يجْنح في ممارسته للْقصيدة إلي الصّفحة الْمشتَّتة،الْمتشظِّية،الْمنْتشرة،الْمنْقطِعة كأنَّها لِسانُ حال الذّات ،والْمَعْني والإيقَاع.هي كذلك.إنّها تشِفُّ عنْ ذواتٍ تُفتِّتُ نفْسَها عبْر الْكِتابة، وتُلخِّص كثافَةَ الْحياةِ ،وعماءَ الْعالَم،والأشْياء الّتي ينْظرونَ إليْها بسُخْرية وتجْديفٍ في نصٍّ بلّوْريّ،كثيفٍ.نتيجةً لسرْد شطايا الذّات الّذي يقرّبه من النّثْر القصصيّ المُكثَّف،واللُّغة القائِمة علي التّوتُّر والمُفارقة والإستِعارة الصّادِمة رغْم المأْلوفيّة الخادِعة في شكْل التّعبير،وخرْق الْعَلاقاتِ الطّبيعيّةوالدّلاليّة بيْن الأشْياء والْكَلمات يكُفُّ ،هنا، الْمبدأ الإيقاعي عنْ أنْ يكونَ قائِماً فحسْب علي الإنْتظام والتّناسُب والتّماثُل بوَصْفها الْعناصِر الطّبيعيّة الْمُولِّدة له ،بلْ يُنْشئُ داخِل النُّصوص،وهي تسْتَرْفدُ مفاهيم جيدة لِكِتابة الشِّعْر،إيقاعاً ثالِثاً يتحرّك بيْن الشِّعْر والنّثْر، أي يتخفّفُ منْ مؤونةِ الشّكْل الفنّي للشِّعْر وجماليّاته ،ويرْتفِعُ علَي النّثْر وأساليبِه الإعْتياديّة.من إيقاع الصُّورة المفَارِقة الْموْصول الّذي يتسقّط مباذِل الْواقِع في نصّ كثيف{2.ج}، مروراً بإيقاع الْفقرة الْمنقوع بالبياض الّذي يُفتِّت الصّفحة فيما تخْترِقثها فجوات الْبياض الْمُفْصِحة عن قتامة الرّوح{2.د}،إلي الإيقاع الْمتقطّع الّذي ينشأ عن أساليب التّقطيع والإلتفات ،و”تغريب” اللُّغة واللّعِب عليْها علي حدّ ضموره {2.هـ }.3.عتبتا الإيقاع وأنْماط بنائه: إلي ذلك، يمكن لنا أنْ نُميِّز بيْن في بناء دالّ الإيقاع بيْن العتبة الْعُلْيا والْعتبة السُّفلي ،بتعبير إمبرطو إيكو. نقْصِد بالْعَتبة الْعُليا النّماذج التي تُصعِّد من عمل الإيقاع وإمْكَاناتِه في النصّ الشّعريّ الذي يتبنّي ترْكيباً إيقاعيّاً يجْلو ،بشكْل ساطع،طاقات الصّوت المُموْسَقة الّتي تُرجِّع أساليب الإنْشاء والتّرنيميّة والغنائية،ويكشف عن ارتباط لا وعْي الشّاعر المغْربيّ بالإيقاع التُّراثي العربيّ نتيجة تأثُّره به قارئاً ومُمارساً.أهمّ منْ يُمثّل هذه العتبة ،إلي جانب عبدالدين حمروش وأمل الأخْضر،كلّ من محمد بودويك وعبد السلام الموساوي وصلاح بوسريف وإسماعيل أزيات وعائشة البصريّ وثريّا ماجدولين ومصطفي غلمان وأحمد العمراويّ ومحمدالصالحي ووداد بنموسي وجمال بدومة ولطيفة المسكيني..وغيرهم. أمّا الّذي نقْصِده بالعتبة السّفلي فهي النّماذج الّذي تعيد بناء الإيقاع في الأوضاع المسْتَجدّة التي تختبرها القصيدة علي صُعُد البناء واللُّغة ومتخيَّل الْكِتابة،ممّا يجْعلُه أقلّ بروزاً بسبب عدم تأثُّره بجماليّات موسيقي الشّعْر العربيّ بقدْر تأثُّره بِصيغ التّرْكيب الفرنْسيّ بدرجةٍ أكبر ،وأيْضاً الإسبانيّ والإنْجليزي.نجد تحْت هذه العتبة طائفةً لابأْس بها من شعراء المغرب أمْثال وعبد الإله الصّالحيّ وعدنان ياسين ونبيل منصر وحسن الوزاني وغيرهم نمُضافاً إليْهم عزيز أزغاي وسعيد الباز جمال الحكْماويّ . داخل جُمّاع هذه النّماذج وغيرها ممّا سمحتْ به لنا فسحة القِراءة ،يُمْكن أنْ نقوم بتوْصيف ،علي الأقلّ، ثلاثة أنْماطٍ مهيْمنةٍ ومتمايزةٍ من بِناء الإيقاع،دون أنْ يعْني ذلك بفصْل بعْضِهِما عنْ بعْض: أ.النّمط الغِنائيّ الّذي يؤلّف بيْن علاقاته عنْ طريق استخدام التّكْرار، واللّازمة،والإنْهمام بالذّات المُتلفّظة الّتي تتحرّك في موْشور أسْلوبيّ يسم النّصّ بِنفَسٍ غِنائيّ يُرجِّع أساليب الإنْشاء التّرنيميّة الّتي تسْتغِلّ الطّاقات الصّوتيّة للُّغة الشّعْريّة بدرجةٍ أعْلي.أهمّ ممثِّليه محمّد بودويك وجمال بدومة وعددٌ من الشّواعر غيْر يسير.ب. النّمط السّرْديّ الّذي ينْتشِر أكثر في القصائد المتوسّطة ذات المقاطع أواللّوحات المرقّمة ،الّتي تنزع في أغْلبِها إلي السّرد القريب من النّثْر القصصي الكثيف،وتتخفّف من وجوه البلاغة المطْروقة،وتعتمد اللّغة البسيطة السّاخرة والمفارقة في رؤيتها للأشْيَاء والعالم.أهمّ منْ يمثّل هذا النّمط عبد السّلام الموساويّ وعبدالإله الصّالحي ومحمود عبد الغنيّ. ج . النّمط الشّذَريّ الّذي ينْزع إليْه مُتخيَّل كتابة “الشّظايا” الّتي تبْني جماليّاتها علي الإنْقطاع والتّجاور والتّشظّي حيْثُ الأسطر مفكّكة ومنْتشرة في فضاء الصّفحة الّتي لا تَشي إلّا بتشظّي الذّات الكاتبة الّتي تضيعُ في اللّا ـ وحدة واللّا ـ كُلّية، لايُنْقذها شعْريّتها إلّا الكثافة الدّلاليّة وتوتُّر الإشارات الإسْتِعاريّة،وإنْ كان كثيرٌ منْ نماذجِه يُعاني ضُمور الإيقاع.من جملة منْ يمثِّله سعد سرحان وعزيز أزغاي وجمال الحكماويّ . إنّ كُلّ نمطٍ منْ هذه الأنْماط، الّتي رصدْنا تمثيليّتها اللّافتة في ما يكتب من شعر في مختبر قصيدة النّثْر المغْربيّة،يكْشف ،بالتّرتيب،عنْ الإيقاعات التّاليّة: ـ الإيقاع التّرْجيعيّ الّذي تهيمن فيه أساليب الإنْشاء الإنْشاديّة. ـ الإيقاع المتّصل الّذي يطْغي عليْه النّثْر المطّرد والمُتعانق. ـ الإيقاع المنْفصل الّذي تتحكّم به أشْكال التقْطيع والفصْل. **ما يُشْبه كلاماً أخيراً: تسْمح لنا النّماذج الّتي قاربْناها ،رغم محْدوديّتها، باسْتِخْلاص فكْرة أساسيّة أنّ دالّ الإيقاع يأْخذ أشْكالاً لا تنْتهي من التجلّي داخل نصوص قَصيدَةِ النّثْرالعربيّة عموماً والمغْربيّة تحْديداً،لا يمْكن الإحاطة بها.كُلّ نصّ يكْتبُ إيقاعاً خاصّاً به بِحسب الذّوات الشّاعرة وأشْكال حضُورِها في الخطاب ومسْتويات تلفُّظِه وأفْعاله الْكَلاميّة،خارِج قواعِد العرُوض الْعربيّ.هكذا ، إذا بحَثْنا في عمَل كُلّ شاعِر عنْ شخْصيّته فإنّنا لنْ نندهش ونحْن نُواجِه عدداً من العَرُوضات الشّخصيّة الّتي يسْتَحيلُ اخْتِزالُها في خُطاطَةٍ مّا.شاعر وناقد من المغرب.الهوامش:1}ـ Meschonnic,Henri:Critique du rythme,Verdier,1982,p. 2}ـ أبوديب، كمال:قصيدة النثر وجماليات الخروج والإنقطاع .مجلة نزوي،العدد السابع عشر،يناير1999،ص.19. 3}ـ ياكبسون ،رومان:قضايا الشعرية،ت.محمد الولي ومبارك حنون،دار توبقال للنّشر،الطبعة الأولي 1988،ص.65.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية