ليش يا رميش.. ؟ !
سليم البيكليش يا رميش.. ؟ !قد يكون العتب علي قدر المحبةتجاهل الكثير من الكتّاب الفلسطينيين و العرب وجهاً من أوجه المعاناة التي نهشت كاهل الفلسطيني منذ اللجوء الأول. لن أخوض في أسباب هذا التجاهل و إنما سأشير فقط إلي الوجه المذكور، الملطخ بالعار و الحاد كملح عربي علي جرح فلسطيني. ما أتكلم عنه هو معاناة جيل النكبة ممن هُجّروا- أشدد علي الضمة و الشدة، و الفاعل ليست “اسرائيل” وحدها- هُجّروا من قراهم و مدنهم إلي خارج فلسطين. و لن أتكلم عن العصابات الصهيونية هنا، فقد نالها من السباب العربي ما أثبت تفوق العرب في البلاغة، كما في الكرم، حتي في اللعنات. ما أتكلم عنه هو اسلوب التعامل اللذي ووجه به جدّي و مجايليه ممن لجأوا إلي خارج البلد في نكبة عام 1948، و خاصة عبر الحدود اللبنانية. ذكر الكاتب الفلسطيني مروان عبد العال في روايته “زهرة الطين” – دار الفارابي 2006- عدة أوجه لمعاناة اللاجئ الفلسطيني بعيد عبور الحدود إلي بلاد شقيقة. و ما أوجعني منها فعلاً فكان الوجه التالي: ( شقيقتها كان عمرها لا يتجاوز السنة.. و ماتت من العطش.. و هم في طريق الجلجلة، بصحبة موكب الحزن المسافر صوب الشمال… دخلوا قرية “رميش” الحدودية، طلب والدها الماء.. أجاب أهل القرية: “بأن الليتر يساوي ليرة فلسطينية”. و أي ماء.. كانت تحلف دائماً بأنه مليء بالطفيليات، و كان مستنقعاً للخنازير، و هو في الأصل عبارة عن مجمع لمياه المطر. لم يستطع والدها شراء الماء!.). كان وقعُ هذه الفقرة أقسي عليّ من غيرها، و السبب في ذلك أن لجدّي اللذي هُجّر من قرية ترشيحا في الجليل الفلسطيني، حكاية مماثلة عن “رميش” ذاتها و عن قرية لبنانية أخري هي “بنت جبيل”. كثيراً ما أجلس و جدّي سوية، يحكي لي عن طقوس المعاناة التي فُرضت علي الفلسطينين قبل النكبة و أثناءها، و بعدها خاصة. حكي لي مرة بأن أهالي قرية “رميش” اللبنانية امتنعوا عن توفير ماء الشرب للاجئين، و بأنه و زوجته و أطفاله كانوا يطلبون الماء فلا يحصلون عليه إلا قذراً، يُشار بهم إلي ماء “البركة” التي تعج بالقاذورات، ليشاركوا البقر و الخراف في شربها. و لكنه حكي أيضاً بأن أحد المُهجّرين واسمه العبد سمّور، من ترشيحا، ضرب قفل بئر ببندقيته و كسره فشرب منه من قطعوا أياماً علي طريق الجلجلة. و مرة بأنه، جدي، و رفاق له دخلوا مقهي في “بنت جبيل” و طلبوا ماء فلم يؤتوا به، فطلبوا قهوة جاءتهم بلا ماء. أكمل جدي بأنهم “عملوا طوشة” و أخذوا برميل ماء لنسائهم و أطفالهم تفادياً للموت عطشاً بعد تفادي الموت قتلاً و قهراً قبل عبور الحدود. حين حكي لي جدّي ما وقع في القرية قلت في نفسي بأنها قد تكون حالة خاصة و لا تُعمم أو تصل لمستوي الظاهرة. أما و قد قرأت هذه الفقرة في “زهرة الطين” فقد زاد وجعي باحتمال ألا تكون حادثة حصلت مع جدي و رفاقه دون غيرهم من اللاجئين، بل أن “كرم” و “نخوة” أهالي القريتين طالا غيره ممن مشوا في طريق الجلجلة، و أنهما كانا معممين لورود اسم القرية و اسلوب التعامل ذاته و حتي المفردات ذاتها في رواية عبد العال المكتوبة و رواية جدي المحكية. لم يشهد جدي تجارب و معاناة كل اللاجئين بعد رحلة اللجوء الطويلة من بيوتهم إلي مخيمات، حيث رافقهم العطش و الجوع و التشرد لعدة أيام، و لا يذكر هو كل ما شهده و عاناه، و لم يحك لي بعد كل ما تحفظ ذاكرته من أوجه المعاناة تلك، فأوجهها عندنا كثيرة، و بالمناسبة، لدي أكثر من أصبع لأشير لغير “إسرائيل”.كاتب فلسطيني مقيم في أبو ظبيwww.horria.org0