المنفي المزدوج

حجم الخط
0

المنفي المزدوج

خيري منصورالمنفي المزدوجما إن ترد كلمة المنفي في اي سياق نقدي او ذي علاقة بالشعر حتي ينصرف الذهن الي المعني التقليدي للنفي، وهو جغرافيّ محض، فالناس يهاجرون عادة لأسباب معروفة، منها البحث عن الأمان او الغذاء او الماء، ومنهم من تفيض لديه الطاقة فيبحث عن مجال حيوي لها، والهجرة الاخيرة هي التي غالبا ما تقترن بالابداع، لأنها ليست قسرية، وفي معظم الدراسات التي تناولت الهجرات، اتضح ان التجديد وهاجس المغامرة كانا المحرك الاساسي لكل ما يصدر عن المهاجرين، فهم مطالبون يوميا بل في كل لحظة بتبرير التفوق، كي لا يتحولوا الي حمولة ديموغرافية فائضة، وقد يكون المثال الفرنسي في هذه الحالة هو أول ما يخطر ببال الراصد للظاهرة، فالمجددون كانوا في معظم الاحيان من المهاجرين، حتي النقد، وهو نشاط ذهني وافراز حضاري اشد تعقيدا من الابداع كان في اهم منجزاته الريادية من المهاجرين، الذين لم يتقن بعضهم الفرنسية الا في العقود الاخيرة من عمره مثل تودوروف.وحين كتب ادوارد سعيد تأملاته عن المنفي، لم يتحرر تماما من تجربة ذاتية، فهو ذو جذر فلسطيني مقدسي ولمثل هذا الشرط الذي يحاصر الولادة تجليات لا سبيل الي الفرار منها، لكن النفي كمفهوم لدي سعيد ليس جغرافيا خالصا، فهو احيانا نفي ثقافي، وغربة ذاكرة ووجدان، ولأن كل منفي يقترح الحنين اللائق به الي مسقط الرأس أو مسقط الروح، فإن الالتباس قد يبلغ ذروته بالنسبة للناقد الأدبي الذي تقتاده كلمة المنفي كلما صادفته من أنفه الي المعني القاموسي الضيّق !فالزمان له منفاه أيضا، وثمة بشر يعتقدون بأنهم ولدوا قبل او بعد الأوان الذي اشتهوا الولادة فيه، وقد يستشعرون حنينا غامضا الي عصور لا يعرفون عنها الا ما قرأوه وما شاهدوه من اطلالها. وحين يزدوج المنفي، ويصبح جغرافيا وتاريخياً فإنه يصبح مرشحا لأن يكون منفي ميتافيزيقيا بالمعني الدقيق، وهو منفي محروم من الملكوت وما من هناك مقابل الـ هنا التي يختنق المنفي تحت سقفها الواطيء، لهذا لا سبيل أمام من يعانون من هذا النفي المزدوج الا التأقلم مع غربتهم، وادمانها والتعامل معها كشرط وجودي وعضوي، تماما كالشيخوخة ومراحل العمر التي لا خيار للبدن في تقبّلها او اعلان العصيان عليها !والمنفي كما تقدمه نصوص اسطورية وتاريخية وخيال ابداعي في مختلف الأزمنة يحب ان يكون مرادفا للحرمان، بل هو الحرمان ذاته، لكن النقيض لهذا الحرمان وتحقيق الوصال يبقي غامضا لأن الفردوس المفقود والمحلوم ببلوغه ليس من تضاريس هذا العالم، ولو صدّقنا الاختزال النقدي لمفهوم المنفي خصوصا في ثقافتنا العربية لأصبحت السياقات الابداعية التي تعالج موضوعة المنفي أقرب الي الكوميديا السوداء، اذ لا يمكن لنا ان نتصور بأن الانسان يكتب ويتخيّل ويكابد كل هذا الشقاء في منفاه كي يعود فقط، لأن العودة بهذا المعني الجغرافي الساذج تذكّرنا بقصيدة بيلارس لبرتولد بريخت وهي عن مدينة حلم الناس جميعا ببلوغها… لكنها دمّرت ذات زلزال!وهناك قصيدة لمالارميه عن مريض يعيش بمفرده في غرفة عالية بمصحٍ بعيد، يشعر بأنه منفي، لكن ليس عن بلدته او ذويه او حتي عن سمائه الاولي، بل هو منفي عن جسده وتبدو له الاصوات التي تصله من النافذة لمارة او لأطفال يلعبون كما لو انها ذات قرائن تذكّره بالحرمان من الابدية، فهو يعاني علي سريره مرضا آخر لا علاج له هو الاقامة الجبرية في الجسد، لهذا قال عبارته الشهيرة… إن الجسد لحزين !ہہہان اسوأ ما تعرّض له مفهوم المنفي في الأدب هو حصره ضمن ثنائية الاقامة والهجرة، او الهنا والهناك، فهو توأم الكائن منذ أدرك بأن المعطيات التي يرثها لا تكفي لمنح حياته معني، والمنفي هو قرين الحلم بعودة ما… وقد لا تكون هذه العودة الي الماضي بقدر ما هي عودة الي المستقبل، الذي صاغه الخيال وحرّره من شوائب الرّاهن وشقاء الواقع.ولا أظن ان هناك مفردة تعرّضت للابتذال كمفردة الحنين، لأنها أثقلت بإرث رومانسي وغنائي حرمها من البعد الميتافيزيقي، او ما سماه مالارميه الحنين الي الابدية، وهناك أغنية فيروزية رغم بساطة كلماتها تصبح بالغة الدلالة علي ما أعني بالبعد الميتافيزيقي للمنفي، هي : انا عندي حنين ما بعرف لمين…. وهذا الحنين الغامض يأخذها في كل لحظة لا من الناس فقط، بل من نفسها أيضا،والحنين الغامض، هو من إفراز منفي أشد غموضا، قد يكون الاقامة الجبرية في الجسد وقد يكون التورط بمكان أو زمان، لكن النقد الكسول الذي يؤثر السّلامة، غالبا ما يفزع من هذه التأويلات لمفهوم المنفي، لأنه يريده حكرا علي المكان، وعلي الجغرافيا!فالشيخوخة احيانا منفي، لأن ما يقابلها هو الصّبا، والمرض ايضا منفي مقابل ملكوت العافية، والمعرفة منفي لأن الجهل نعيم مقابل جحيمها كما قال ابو الطيّب المتنبي،هكذا تتعدد صيغ النفي، وبالتالي صيغ مسقط الرأس او الروح، اما الحنين فليس مسافة يمكن رصدها بين الحاجة واشباعها، او بين المحروم وما حرم منه!نعرف ان هناك كائنات تستشعر النفي في عقر الجسد والوطن والبيت، وتعاني منذ البواكير ألما لا يقبل التخدير هو ما سمّته سيمون دو بوفوار ألم الانخلاع، وكما ان لكل نمو آلامه، فإن لهذا الانخلاع ألمه الشديد أيضا، لأن المصاب به عليه ان يستدل علي الطريق بمفرده في الغابة، وان يعطي لحياته معني غير موجود، وبالتالي عليه ان يعاني كما لو انه الكائن الاول، فيجترح الصواب من صميم الخطأ، والجمال من صلب القبح، والحقيقة من رماد الوهم !ہہہالمنفي المزدوج، هو نداء الممكن الهاجع الذي لم يتح له أن يتحقق، وهو الوميض القادم من بعيد للمطلق، سواء كان جمالا او حقيقة او شيئا ينعم بالاكتمال، لهذا فإن معاناته مزدوجة أيضا، اذ لا يكفي للمرء ان يتطلّع الي الجانب الاخر من الجنة كما فعل فيتزجرالد، وهو احد أبرز المصابين بهذه الحمي الاغترابية، ولا نجازف كثيرا اذا قلنا ان المنفي هو من صناعة الخيال الذي يعيد انتاح الذاكرة محررة من العجز، ومن الاخطاء، وهو بهذا المعني توق محموم لاجتراح المكان المحرّم والزمان الذي لا تدجنه التقاويم والساعات!واحيانا يكون المنفي المزدوج لغويا ومكانيا، ومثاله مالك حداد الشاعر الجزائري الذي قال ان اللغة الفرنسية منفاه، وان نقيض هذا المنفي هو لغة الام الأمية التي لا تستطيع ان ترد علي ابنها اذا قال لها صباح الخير بلغة يفهمها، هكذا اضاف مالك منفي المكان الي منفي اللسان، فازدوج الحنين مثلما ازدوج الملكوت، واصبح المنفي ذا غربتين، وبالتالي ذا عورتين احداهما الي اللغة والاخير الي مسقط الرأس. ان حذف المنفي والاحساس به علي اختلاف تجلياته بدءا من المكان والزمان حتي الميتافيزيقا من النصوص الخالدة، هو بمثابة استئصال النخاع حتي لو بقي اللحم والعظم، لأنه كثافة الشوق الي هناك… اي الي غير المتحقق وغير المعطي، واسوأ ما تعرّضت له النصوص المشحونة بهذا الحنين الغامض الي عودة ما هو تدجينها في الجغرافيا، فلو افترضنا علي سبيل المثال ان مالك حداد اتقن العربية وهي لغة امه وشعبه وعاد الي مسقط رأسه في الجزائر.. فهل سيمكث هناك عند تلك النقطة متطامنا وقابلا ومتأقلما مع الحال؟ أم ان المنفي سيعود من جديد بشكل آخر ؟؟لقد سمعت من اصدقاء بعضهم شعراء فلسطينيون ان ما كتبوه في المنفي عن الوطن يوشكون علي اعادة كتابته معكوسا، اي الحنين الي المنفي، لأن المنفي لم يكن صحراء او مكانا خاليا او جغرافيا صمّاء، كان بشرا وشوارع تعجّ بالناس وبيوتا ومقاهي وعلاقات انسانية بكل تعقيداتها، فالإنسان لا يتحنّط وهو في حالة انتظار، انه احيانا يتورط بما تورط به احد أبطال تورجينيف الروسي، عندما هاجر ليجمع المال من أجل الزواج بامرأة أحبها من قريته… لكنه وقع في منفاه في حب امرأة سواها…وأذكر انني سألت الصديق الراحل جبرا ابراهيم جبرا ونحن نقتسم مساءً شجياً في أقصي المغرب العربي عن مفهومه للمنفي.. فصمت طويلا قبل ان يعيد اليّ السؤال.. واكتفي بالقول هل يمكن لبغداد حيث كان يقيم ويعشق ان تكون منفي ؟؟اذن ما هو منفاك يا صديقي؟ ولن انسي ما قاله وهو يبتسم بعينين دامعتين.. ان المنفي هو الحياة ذاتها.. لكنها الوطن ايضا… فكل قصيدة ولوحة ونصّ هي شروع في التعبير عن حنين غامض لعودة ما… قد تكون الي الرحم او العدم او قرية تحوّلت الي أطلال لكن حفيف الطفولة لا يزال يداعب العشب الذي نبت علي الطلّل!ان موضوعة المنفي المزدوج، يجب ان تنال ما تستحق من التأمل والاستقراء في نصوص غير غنائية، وما اعنيه بالغنائية هو غنائية الرؤيا لا الأسلوب، لأن البيانو اشد تعقيدا من العود او الربابة والناي…وثمة كائنات عصيّة علي الادراج في خانات معدّة سلفا للتصنيف، فما كل حنين هو الحنين بمعناه الرومانسي، بل الرعوي، وما كل اغتراب هو مجرد هجرة قسرية..والحقائق لا تولد دائما في المنافي كما قال روائي مهجوس بسؤال الاقامة والهجرة قبل عدة عقود، لكن الحقائق لا تولد ايضا في مساقط الرؤوس، تماما كما أن الاخرين ليسوا جحيما فقط مثلما قال سارتر في مسرحيته الخلقة المفرغة، وهم ليسوا نعيما ايضا كما بشّر بذلك خصومه من المتفائلين بالحتمية التاريخية، وحتمـية انتصار الوجود علي العدم!وقد يكون مفهوم الوطن واحداً للجميع، علي الاقل من حيث تعريفه النشيدي، والمدرسي، الذي يجعله من صميم الجغرافيا، لكن مفاهيم النّفي متعددة، ما دام هنــــــاك منفيون في عقر بيوتهم، وفي لحم بلادهم، وفي أقصي لحظات الاحساس بأنهم ليسوا هناك… فكم من التأويلات المكانية والزمانية تقبل هذه الـ هناك ؟؟؟؟؟QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية