أفلام وثائقية قصيرة جدا: بقع من الضوء في ذاكرة السينما الفلسطينية
كمال القاضيأفلام وثائقية قصيرة جدا: بقع من الضوء في ذاكرة السينما الفلسطينيةالقاهرة ـ القدس العربي رحلة طويلة تلك التي تفصل بين عام 48، وعام 2005 تاريخ انتاج الفيلم الروائي القصير من الذاكرة للمخرج الفلسطيني سعود مهنا والذي يجوب فــــيه الواقع الملتهب مخترقا حواجز الحصــــار ومتطلعا في وجوه البشر المكدودة والعيون اللامعة بالدموع والحزن، فاردا مأســاة الشعب الشقيق علي شريط السينما في صورة تخلو من الألوان إلا من لونين رئيسيين الأبيض والأسود دليلا علي قدم القضية العادلة وقتامة الطابع الذي يشي بالظلم ويقر بفداحة الحدث المتجدد.تطالعنا حالات الشتات والتهجير في المشاهد الوثائقية الأولي للمرثية السينمائية ذات الطابع الميلودرامي كنوع من التمهيد قبل الدخول في العمق وتأهيل المشاهد لاستقبال ما يلامس وجدانه ويوغر صدره إزاء ما يراه من النماذج المختارة بين عشرات الصور الحية النابضة في دير ياسين والفلوجا ودير البلح والقدس وبيت لحم ورام الله وجنين والضفة وخان يونس والخلــيل وغيرها، حيث تلعب الكاميـــــرا والمونتاج دور المؤرخ في تتابع الأحداث ورصد التواريخ المهمة في مســيرة المواطن الفلسطيني بدءا من النكبة عام 48 وحتي اندلاع الانتفاضة أوائل التسعينات فتبدو آيات الشتات والترحال كبطل رئيسي داخل الكادر ونلمح بين تفاصيل الحياة المرتبكة أطفالا وشيوخا يتشبثون بالأرض ويدقون أوتاد الخيام وسط الأعاصير والأنواء وغبار الحرب الحمقاء التي يشنها العدو الصهيوني مستهدفا الأرواح والآمال، وفي إزاحة فنية لستار النسيان يركز المخرج سعود مهنا علي ما يراه متجانسا مع قضيته من الناحية السياسية ويعمل علي دعم أطروحته السينمائية الجادة بمزيد من تكثيف الحالة العدائية من جانب العدو الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني ليدلل علي توحشه وقسوته، ولا ينسي مهنا التجوال داخل الحواري الفلسطينية الضيقة ناقلا إحساسه الخاص بالأماكن العتيقة وصلابة الجدران القوية في مواجهة القصف المتوالي وهمجية المغول الجدد. ينسج المخرج المتمرد تفاصيل السيناريو المستوحي من حكاية واقعية خيوط المأساة معتمدا علي ذاكرة سيدة عجوز تقطن في غزة وتروي في ذهول وقائع محنتها التي طالت لأكثر من ثلاثين عاما حين فقدت والدتها في احدي حملات التهجير فهامت علي وجهها في الشوارع والحارات تبحث عن مرفأ الحنان بلا جدوي، فيما كانت الأم تتجرع كأس العذاب في ألم وصبر وتصلي لله تضرعا وخشوعا عساه يستجيب لدعواتها ويلم شملها علي ابنتها المسكينة الغائبة. بين رحلة البحث وعناء الرجاء تنقلنا الكاميرا الي الداخل الفلسطيني لنعايش أهل القري ونتعرف علي تفاصيل حياتهم الإنسانية الخاصة فنلحظ ذلك الدأب في الحركة والإصرار علي شق حجاب الصمت والأخذ بأسباب الحياة رغم الحصار والمعاناة، وعلي هذه الخلفية يستعرض الفيلم صورا لسيدات ريفيات يقمن بتسوية أشيائهن في كبرياء وعناد، ويرمز أحد المشاهد في سياقه الفني الواقعي بالخبز كنعمة يصونها أهل العشيرة ويقدسون دلالتها الدينية والاجتماعية، فالسيدة العجوز تجلس أمام صهد الفرن البلدي متخذة موقعا استـــراتيجيا في منزلها البسيط معزولا عن أماكن الضيافة والمعيشة لتكون حرة الحركة سريعة التـــنقل، وفي لقطة قريبة جدا كلوز أب نري احمرار الوجنتـــــين وصفاء العينـــــين العسليتين وقد تركت السخونة أثرها القوي علي الوجه البشوش وهو إلماح إلي سماحة الشخصية الفلسطينية ورضاها الآثر بمشيئة الله.بعد مشوار من الترقب يفاجئنا المخرج في نهاية الأحداث بختـــام ايجابي لرحلة البحث التي قطعتها الابنة عبر مشوارها الطويل معلنـــــا عن لم شتات العائلة الصغيرة بعد السنوات العجاف التي قضتها الأم والابنة في قيظ الصيف وزمهرير الشتاء، ولم تكن هذه الحادثة غير متكأ أراد به سعود مهنا التعبير عن آلاف الحالات المماثلة كي لا يكون الحديث عن الهم الفلسطيني في المطلق أو مجرد تأويل اكتسبته السينما وصناعها من تكرار التجارب الفنية، ويلاحظ من خلال السيرة الذاتية للمخرج اهتمامه الكبير بالحالات الانسانية ذات الخصوصية التراجيدية، ففي فيلمه القصير الثاني هنية يحكي لنا في 12 دقيقة فقط مأساة أخري لطفلة تبلغ من العمر عشر سنوات تعمل راعية للأغنام وتدرس في نفس الوقت بالمرحلة الابتدائية، هذه الطفلة تفقد ساقيها إثر انفجار الغام زرعتها القوات الصهيونية في المراعي الخضراء حيث تسير البريئة الصغيرة في رحلتها اليومية بالأغنام تشدو للطبيعة وتتنسم عبق الريح الطيبة، تتبع الكاميرا في صمت مذهل ردود افعال الاهل والاصدقاء وترصد تشنجات الوجوه الباكية فتفيض المعاني بالشجن وتتلثم الأجواء بالحزن، لا سيما في ظل عبارات التحدي التي تنطق بها هنية بعد تماثلها النسبي للشفاء وهي ترقد علي السرير الأبيض مبتورة الساقين عليلة الجسد خائرة القوي، وهي لحظات الذروة في ملحمة التأثير الذكي الذي تفرضه الصورة الواقعية دون تدخل فني يذكر اللهم إلا من ترددات الموسيقي التصويرية في خلفية الأحداث والتي تباينت درجاتها بتباين المشاهد ودرجة حساسيتها، ولعل ذلك ما وضحته النهاية حين أمسكت هنية بالقنبلة ورفعتها لتتوسط الكدر قبل أن تنزل التترات للدلالة علي الاستهانة بالخطر وإن وصل إلي حد الموت، كما لعبت المؤثرات الموسيقية دورا بارزا ايضا في مشاهد الفلاش باك التي استخدمها سعود مهنا في لحظات التذكر لدي الطفلة والمقارنة بين حياتها قبل الإصابة وحياتها بعدها متخذا من الدوبليرة عنصرا آخر في التأثير خاصة في مشاهد نط الحبل ولعب الحجلة ونزول الكاميرا الي مستوي القدم في تعمد واضح لبيان الفروق الجوهرية بين حياة المرح ولحظات العجز.الفيلمان الوثائقيان من الذاكرة، هنية يمثلان لطمة علي وجه المحتل الصهيوني وغرة بيضاء في الوجه الفلسطيني.