عادي اوفير لا يدعو تغيير نظام الحكم فقط ولكن لالغاء الدولة والتخلي عن استقلالها
جدال اكاديمي عن حق اسرائيل في الوجودعادي اوفير لا يدعو تغيير نظام الحكم فقط ولكن لالغاء الدولة والتخلي عن استقلالها بخلاف اقواله في نهاية الاسبوع في الاسبوع الماضي، لا يطمح البروفيسور عادي أوفير الي تغيير نظام الحكم الاسرائيلي بل الي الغاء دولة اسرائيل. لا يقول البروفيسور أوفير الحقيقة ولا شجاعة عنده للوقوف بازاء المعني الحقيقي لاقواله. بدل ذلك يقول انني لم أفهم الموقف ما بعد الصهيوني البتة. وهكذا في مقالة أوفير وأزولاي مئة سنة علي المؤتمر الصهيوني الاول – حساب ، (ريسلينغ 5، 1998) تقترح خطة لـ دولة اخري . قيل دولة اخري ولم يُقل تغيير نظام حكم دولة اسرائيل . ستمتد هذه الدولة بين الاردن والبحر . لن تكون دولة قومية لا للشعب اليهودي ولا للشعب الفلسطيني، وسيعيش فيها جنبا الي جنب الفلسطينيون المسيحيون، والفلسطينيون المسلمون واليهود من كل نوع ـ ولكن ستكون فيها بالضرورة أكثرية عربية، لانه سيتحقق فيها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. الرؤيا المستقبلية للعرب الفلسطينيين في اسرائيل ، علي سبيل المثال يقترح أن تكف اسرائيل (في حدود 1967) عن كونها دولة يهودية. انهم يطلبون تغيير نظام حكم دولة اسرائيل، وبهذا يكفرون بحق الشعب اليهودي في تقرير المصير، لكنهم لا يدعون بصراحة الي الغاء اسرائيل. أوفير وأزولاي يمضيان خطوة اخري. انهما يطلبان اقامة دولة واحدة ـ لا اثنتين ـ من البحر الي النهر تكون فيها أكثرية عربية. وبتحليق هرتسلي يُعلماننا بأن الطريق من شارع الشهداء في الخليل ومن جبل أبو غنيم في القدس حتي الدولة الجديدة التي ستقوم في فلسطين – ارض اسرائيل ليس أطول من الطريق التي قُطعت من قاعة المقامرات في بازل في 1897 الي المتحف القديم في تل ابيب في 1948 (الصفحة 13). اذا تحققت رؤياهما فسيُمحي اسم اسرائيل من الخرائط ولن يكون بعد اسما لكيان سياسي. حتي اذا كانت الكلمة القضاء علي تدل علي عنف لن يكون له مكان بالطبع في يوتوبيا البروفيسور أوفير، فلا شك ـ لانه لا توجد طريق اخري ـ في ان الدولة الاخري ستقام بعد انعدام، واختفاء، وتحلل، ونقض عُري والغاء اسرائيل كما قيل آنفا. الدولة الاخري ستكون مغايرة حقا – فهي لن تكون اسرائيل وليس الحديث هنا عن تغيير نظام الحكم علي نحو محض.يحسن التنبه الي مبلغ إبعاد هذه الاقوال في المرمي. لا يوصينا أوفير فقط بنظام سياسي أنجح ستختفي فيه أو تلغي دولة اسرائيل، بل انه يعتقد أنها يجب أن تختفي من ناحية اخلاقية. لا حق لها في ألا تختفي. من كبار محاربي الاحتلال، يُبين أوفير في نهاية الاسبوع انه يعارض في الحقيقة الطموح الي الغاء نظام الاحتلال واقامة دولة قومية يهودية عادلة من جديد . ليست المشكلة الاحتلال بل التفسير القوماني للدولة القومية نفسها . الصياغة مخطئة لان اوفير يعارض ايضا التفسير الليبرالي أو الاشتراكي للدولة القومية مثلا. انه يعارض ببساطة الدولة القومية. انه في الحقيقة لا يكفر بوجود شعب يهودي ، لكنه يسلبه الحق في تقرير المصير. انه يرفض في بادي الرأي الدولة القومية عامة، لكنه لا يرفض نضال الشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال. بالواقع يُطلب الي الشعب اليهودي فقط أن يتخلي عن استقلاله القومي.خيال مؤلم لمُنكري الكارثةفيما يتعلق بقضية الكارثة، يزعم أوفير انه لم يقل قط إن الكارثة تفسير رئيسي لجرائم اسرائيل، وأنني لا آتي علي ذلك بأي برهان. بيد انه في كتابي ما بعد الصهيونية، ما بعد الكارثة يوجد تحليل، وفيه اقتباسات كثيرة، لاقوال يقولها أوفير عن ذكري الكارثة وعن إسهامها في التصرف الآثم لاسرائيل. ويقول من جملة ما يقول في كتابه لسان السوء ، ان اسرائيل هي مثال تخطيطي للمنحدر الذي يفضي الي الكارثة النهائية (نهاية العالم، النهاية السياسية والاجتماعية، والنهاية الانسانية). وفيها، أي في اسرائيل، ما يزال كل شيء مقرونا بحبال الذاكرة من تلك الهاوية، في قلب ثقافة يعيش فيها ويوجد الكابوس النازي، محمولا في أذهان الناس الناجين.. وفي أذهان جميع الآخرين الذين أغرقهم الكلام الذي لا ينتهي الذي قدس الخراب وجعل اوشفيتس في مكان الله الخالي .اجل، لم يقل أوفير إن الكارثة هي السبب الوحيد لوجود اسرائيل. وأنا علي أية حال لم أزعم انه قال ذلك. زعمت أنه يربط الكارثة برباط جوهري الي اسرائيل، وأن هذا الربط هو أساس سلب الشرعية عن الذات الوهمي الصهيوني ـ الاسرائيلي ورفض مطلبه مكانة ذات حقوق. سلب الشرعية هذا يتم بجعل الكارثة مصدرا رئيسيا للابتداع في شأن الذاتية اليهودية، بواسطة نقض زعم اتصالها التاريخي، بالدعوي التي تجعل طابعا يهوديا لتناول الكارثة تُمليه دولة اسرائيل علي مواطنيها؛ وفي الأساس بزعم أن دولة اسرائيل موجودة مثل الكثير من ظواهر نظام الحكم الاخري ، علي منحدر يوجد النظام النازي في أسفله . هذا ما ورد في المقالة في نهاية الاسبوع .إن ما ألمح اليه في الاستعمال اللغوي النباتي الذي يأخذ به أوفير هنا هو أن اسرائيل قد تبيد الفلسطينيين ابادة منهجية، بيقين. هل يبدو مبالغا فيه؟ يري أوفير أنه قد نشأت في المناطق التي احتلتها اسرائيل في عام 1967 صورة خاصة لنظام قمع وفصل قومي ( لسان السوء ). في المجال الذي يقيمه هذا النظام تنفتح الهاوية تحت منحدر في أقصاه إبعاد – طرد أو ابادة – منهجي مراقب لجماعات من السكان لا داعي لهم ، أي الفلسطينيين في الأساس، لكن قد يكونون آخرين ايضا. يوجد فرق دقيق فقط واحد بين ما يُقتبس هنا وبين اقوال أوفير في نهاية الاسبوع – حيث يعرض هذا المنحدر كمميز لـ ظواهر نظم حكم كثيرة ؛ الحديث هنا عن طابع خاص لـ نظام الاحتلال الاسرائيلي. في النقاش في جامعة تل ابيب الذي اشترك فيه كثيرون عرّف أوفير نفسه أنه العائق الأخير . يتبين أنه اذا أُزيل هذا العائق فان المجتمع الاسرائيلي سيهوي مباشرة الي فم الابادة. وفي هذه المرة بالطبع كجلادين لا كضحايا.يشعر أوفير بالمرارة لزعم أن هذه الاقوال التي يقول تضعه في نفس المستوي العقائدي الذي يوجد فيه ايضا مُنكرو الكارثة الذين أتناولهم في كتابي. انه لا ينكر الكارثة ولم أقل ذلك قط. لكن الاقوال التي يقول، والتي أتيت منها بمختارات قليلة في كتابي وبأشياء منها هنا ايضا، تشبه الي حد الألم الاقوال التي يقولها المُنكرون. منكرو الكارثة في اليسار الراديكالي الفرنسي ـ اجل يوجد منكرو كارثة ايضا في اليسار لا في اليمين المعادي للسامية فقط ـ يهتمون باسرائيل في الحقيقة ولا يهتمون باوشفيتس كثيرا. أحد مزاعمي الرئيسية الموجهة الي أوفير والي الجماعة التي هو أحد قادتها، هو أن الحال عند المنكرين من اليسار كالحال عنده ايضا: إن اهتمامه بالكارثة لا يخدم فقط خطته لالغاء دولة اسرائيل بل هو خاضع لها وينبع منها في الحقيقة.يشعر البروفيسور أوفير بالمرارة لأنني قلت انه توجد في البلاد ثقافة منحطة. ليحكم القاريء: نحن البقايا اللعينة لاوروبا. نحن اليهود الذين لم تنجح اوروبا في القضاء عليهم. نحن المكان الذي فيه يحيا ويوجد الكابوس النازي، محمولا في أذهان الناس الناجين وأذهان اولئك الذين تربوا في ظل الناجين وفي أذهان جميع الآخرين الذين أغرقهم الكلام الذي لا ينتهي الذي قدس الكارثة وجعل اوشفيتس في مكان الله الخالي. نحن آخر مكان في اوروبا ما زال فيه الماضي النازي يؤتي جدوي، لان الدولة جعلت خراب يهود اوروبا ملكا قوميا، نورا للأمميين وتعويضا لليهود.. نحن قدوة الاستشراق الاوروبي، الذي أصبح يقوم فجأة في الشرق نفسه، بلا حياء ووعي للذات.. نحن موقع تجريب للمبدأ الكوني الوحيد الذي لم تعرف اوروبا كيف تضع له حدودا ـ عموم الشر: يستطيع كل انسان أن يجد نفسه مشاركا في ذلك التأليف الفظيع بين كراهية الاجانب، والاضطهاد، والاذلال والتمييز العنصري، ومخيمات الاغلاق، والتطهير العرقي للأحياء والمدن؛.. قد يحدث هذا لكل واحد، لكل واحد، حتي لاولئك الذين كانوا ضحايا (من المقالة في ريسلينغ ). أكان يتجرأ البروفيسور أوفير علي أن يسمي أبناء جماعة عرقية اخري أيا كانت بقايا لعينين ؟ يعتقد البروفيسور أوفير ان الكتاب الذي كتبته هو كتاب ضماد مكارثي . لقد كرر هذه المقالة ايضا في الجدال في جامعة تل ابيب، وعبر عن قلق حظي بهتافات عالية من قبل جماعة من طلابه، من أن يفقد وظيفته. يعلم كل من يعيش هنا أن لا خطر من حدوث ذلك. تُذكر هذه الاقوال قليلا بصرخة القوزاقي السليب. لم يُكتب كتاب ما بعد الصهيونية، ما بعد الكارثة ليغلق الأفواه، ولا فم البروفيسور أوفير بيقين. لقد كتب ليُسمع صوتا آخر في الحقل العام الاسرائيلي.البروفيسور الحنان ياكيرا(ملحق معاريف) ـ – 9/3/2007