الحديقة المتوحشة

حجم الخط
0

الحديقة المتوحشة

محمد الميمونيالحديقة المتوحشةالشـِّعر رفيق طريق مؤنسٌ شفافٌ مَرنٌ في حضرة ذويهوهو شيء ملتبس حَرون غامض ومشاكس لدي سائر الناس الطيبينلعل ذلك ما كان يقصده رلكه Relke بـقوله ـ يجيب شاعرا شابا طلب منه التوجيه ـ : “إذا لم تكن بك ضرورة لكتابة الشعر فالأجدي لك تجُـنبُ كتابته “والشعر من عيون الكلام ،وعن الكلام يقول أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة ( ص . 9 ) “الكلام صلِف تياه لا يستجيب لكل إنسان ،ولا يصحب كل لسان ،وخطره كثير، ومتعاطيه مغرور،وله أرَنٌ (نشاط) كأرن المُهر ،وإباء كإباء الحرون …وهو يتـَسهَّـل مرة ويتعـسَّـر مرات ،ومادته من العقل والعقل سريع الحؤول (التحول)،وطريقه علي الوهم ،والوهم شديد السيلان ،ومجراه علي اللسان، واللسان كثير الطغيان “يتمثل الشعر أحيانا في صورة بحيرة راكدة صَموت وأحيانا يأتي في عنفوان نهر لا تحده ضفاف وقد يكون طوْق نجاة وفيّاً في خِـضَمٍّ صاخب ،أو صيحةَ إنذار أخيرة علي وشك غرق محتوم .هو قصف رعد مُدوي أو وشوشة غدير هامسشُروق عافية أو عَـتـْمة عِلة.يقف الشعراءُ بين يديه في عزلة قلقة تبدو القصيدة فيها مستحيلة أو بعيدة المنال، حتي إذا أطل البرعم ُ الأول من العدم بادر الشعرُ إلي إبداع كلمة جديدة تـُسمِّيه ثم يبدأ العالَم في الانفتاح بشقـَيْ بابه المتناقضيْن: العقمِ والخصب . من الصعب وصف تـَبـلور قصيدة .هناك دائما جزء لا يمكن تحديده لأنه يحدث في مكان لا يراه الشاعر .أحيانا تبدو القصيدة مشتتة مبعثرة علي شكل أبيات وصور غير متماسكة ،وعلي الشاعر أن يقوم بتركيب المشهد في خلْق جديد.أحيانا لا تنبثق القصيدة ولكنَّ رغبةً ملحة ، أو سمِّها حالةَ كتابةٍ ، تلازم الشاعر: إحساس حادٌّ بالخواء والسلاسة يشـْبه الإحساس الذي يُحْدثه الركْحُ الفارغُ قبْل دخول الممثلين، يليه نوعٌ من الحوار مع اللامحدود واللامنطوق ،ومع الصفحة التي يتحول بياضها إلي منوم مغناطي. تـُلازم هذه الحالة ُ الشاعرَ إلي أن يُخرج قصيدته من عالم الغيب إلي عالم الشهادة.يقول أندري بريتون Andrژ Breton في البيان الثاني للسريالية :”يبدو أن كل شيء يدل علي وجود نقطة ما في الذهن حيث الحياة والموت والواقعي والمتخيـَل والماضي والآتي والمدرَك والمغيـَّب ـ تكُف عن أن تكون نقائض” .إذا كان شك الفيلسوف هو طريقه إلي اليقين ،فإن تناقض الشاعر هو طريقه إلي الانسجام والمؤالفة بين الشرط الإنساني والشرط الشعري .لاحظ ” النقاد الذين تحدثوا عن بودلير أنه تعامل مع الشعر بوصفه آلة سحرية مثـل “قلنسوة العبور ” في الخرافات القديمة ،قادرة علي ردم الفجوات بين الأشياء والأسماء بين الأصوات والروائح ،بين الأزمنة والأمكنة ،بين الواقع والخيال … وقادرة علي فتح نوافذ وإلقاء جسور بين الأطراف المتقابلة في “الظاهر”،تلك الأطراف التي تكشف للشاعر /الساحر/الرائي عن صلاتها الحميمة بعضها ببعض “( آدم فتحي – في مقدمة ترجمته ليوميات بودلير ص 44 ).كان فرناندو بيسووا يقول ” حدثتْ لي قصيدة “وتقول الشاعرة البرتغالية صوفيا أنديرسين :”يصْعد الصوت آخرَ درجات السّـُـلم أسمع الكلمة َ المجنحة وحدها أعرف أنها ليست لي فأسعي إلي التعرف عليها”Sophia Andersen Revestatlantica 16 p 20ليس الشعر لعبة أو مَقلبا أو حيلة كلامية ،بل هو مغامرة إنسانية في طريق البحث عن شعرية الأشياء ، وشعرية الشيء هي حقيقته .الشعر حديقة متوحشة لا خريطة لها وعلي الداخل إليها أن يبدع خرطته الخاصة ويصنع بوصلته التي لا تـَوجُّه لها إلا المستقبل المغاير.و تشير دائما إلي الشمال المطلق الذي هو اتجاه كل كائن حي يحلم باختراق سقف الموجود إلي ما هو منشود وحين ينحاز الشعر إلي المستقبل يكون بـَلسمَ خلاصنا من الضجر المتحجر فينا فهو يعرف أين يبحث عن جهة الأمل فينا، وكلما فعل عثر علينا مخذولين مهزومين فيبادر بإسعافه العاجل ،ويقترح وصفة غريبة لا يعرف غيرها ،هي شعر أيضا: سبع قطرات دمع شافية فإذا جاء من يؤولها بسبعة أحرف يتحول الخذلان إلي فرح والضجر إلي أمل. الشعر ليس مجرد كائن زمني ذي عمر يتغذي من الأشجار ويغتسل في الأمطار والأنهار إنه أقل وأكثر وأقرب وأبعد من ذلك. هو ضوء ينفذ عبر العينين وينعكس علي الروح في صورة سِرب من اللقالق المهاجرة في سماء صحراء صافية. هو ذبذبة تنفذ عبر أخاديد راحة الكف إلي شغف الأناسة حين تلاطف بشرةُ اليد العاشقة ُ بشرة ً أخري معشوقة .لا يحل الشعر إلا وفي وفاضه هموم ٌ بعيدة وأخري قريبة ، وفرح خطوة أولي علي أرض بـِكر ، وشوقُ عوْد إلي منازل حميمة مألوفة ، ونسيمٌ يُهَـوّي نشيدا كامنا في سر سكينة خفية ،ومفاجأةُ كشـْف ،ودهشةُ مشاهدة في عيون أطفال يشاهدون بحراً لمْ يعرفوه من قبل.وقد يسحب معه أحيانا خُصْلات أشباح ملتفةٍ علي أغصان متشابكة مثل شَرَك ماكر . يسكن الشعر حواضر حياتنا الصاخبة وضواحي موتنا النقية، ويصغي إلي أغاني أشجار اللوز والزيتون وهي تستحم تحت زخات المطر الأولي وإلي خشخشة أوراق الخريف وهي تهمس بكلمات الوداع الأخيرة ،ويبدع لكل ذلك شرائع من قصائد وأغان تسكن إلي الأبد أرواحنا. ويضيء الفرحة بصمت لا زمن له في وحدة فاعلة مهيبة .من لا يصغي مشتاقا إلي همس صادق متواطئ يجرد الآلام من أنيابها؟ لا تلتمسوا الجواب من البحر فهو يعرف كل شيء ويصمت ،ويصل إلي حيث لا يصل الخيالُ ويَسكت.شاعر من المغرب 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية