أغنية لطائر البرق: مقياس رعد الشعري
عبد الكريم كاظمأغنية لطائر البرق: مقياس رعد الشعريأغنية لطائر البرق …نم هادئاًبأمانسبعُ شُجيراتِ وردٍ يَحرُسن نَومكْوطائر يَصفرُ لحناً سماوياًنم هادئاًدع النهاية مفتوحةوأغلق الباب جيداًوان قَرعوا لا تفتحْالقصيدة قرب رأسكوقدح الماءوطائر البرق في نومكهل رأيت أحداً في الحديقة ؟وان قرعوا لا تفتحْدع النهاية مفتوحةوأغلق الباب جيداً وإن قرعوا لا تفتحنم هادئاً .. هادئاً بأمانرعد عبدالقادرمقياس وشكل الخلق الفني ..اللغة الشعرية اللصيقة بتفاصيل الحياة اليومية تمتلك القاريء حيث يبدو جزء من الجمال الخفي مضاءً بلمسة الشاعر والتقاطاته الشغوفة بالجمال والتي تتراكم بجدوي الشعر نفسه حين يلتهم التفاصيل وينشرها علي البياض لتُنير عتمة السطور . يقارب بناء النص الشعري لدي رعد عبدالقادر البناء اللغوي الجمالي المحكم فما من مفردة عابرة وما من تناقض، إنه أشبه بالنحات لحظة كتابته للقصيدة خصوصاً وهو يتجنب الزوائد اللفظية التي تتعارض ومضمون اللفظ لديه، إنه متفق مع الفاظه رغم كل شيء فثمة الفاظ وعبارات لا علاقة لها بالشعر تتجاوزها حساسيته الشعرية بمنتهي الدقة والذكاء لذلك نراه يزيح الزوائد من عباراته الشعرية ليجعلنا نمتلك المقدرة علي الاصغاء خصوصاً حين يتعلق الأمر بموسيقي اللفظ الشعري وهذا الأمر ينسجم مع رأي فاليري الذي صرح به ذات مرة قائلاً : (تعلمنا موسيقي اللفظ كيف نقيس فترات صمتنا).يكتب رعد القصيدة التي تعلمنا ايقاظ الحدس وفي هذه الحالة نستطيع اطالة أمد التأمل المرتبط بالحدس بشكل خاص وهذا الأمر يجعلنا نستقبل نصوصه الباذخة بشكل لائق ليشعرنا بالغبطة والدهشة نتيجة للتوظيف الدقيق لآليات اللغة والنمّو الجميل المتراكم لالفاظه الحاملة لرصيد هائل من التفاصيل الفنية، ونستطيع تلمس ذلك من خلال هذا المقطع الذي يبتدئ به قصيدته:نم هادئاً بأمانسبعُ شجيرات ورد يحرسن نومكوطائر يصفر لحناً سماوياًثمة سؤال يُثار هنا عن حدود إجرائية النص الشعري: هل هو ـ نعني ما يكتبه رعد ـ محدود بحدود دائرته الشعرية التأملية ؟ ذلك ما درج عليه الشاعر في نصوص كثيرة محاولة منه لشرعنة المشاركة الروحية البحتة للكتابة الشعرية المتجاوزة في النص الحديث بحسبانها استكمالاً للجانب الفني المحض في الطور الجديد لتراتبية اللفظ .. طور التأمل الذي يأخذنا بدوره لإعادة قراءة الصلة ـ داخل حدود المفردات ـ بين الإشارة والرمز، لنري هذا الانطباع قليلاً في هذا الشطر من القصيدة:نم هادئاًدع النهاية مفتوحةوأغلق الباب جيداًوإن قرعوا لا تفتحلقد تنبه شاعرنا في وقت مبكر لفنية النص وكنت أتابع عن كثب نتاجاته الشعرية رغم الظروف الصعبة والمعقدة التي كانت تمر بها البلاد فقد كان يركز علي موضوعتي التجديد والتجريب بهدوءٍ شفيف ـ شبيه بذلك الهدوء الذي انجز خلاله مجموعته الشعرية الأولي (مرايا الأسئلة 1979) مروراً بمجاميعه الشعرية اللاحقة ـ وبأقل ما يمكن من الخسائر كما كان يدرك بوعي الشاعر ان التحدي الحقيقي الذي يواجه القصيدة المغايرة هو هذا الكم السائد، حينذاك، من النصوص الإنشائية والتعبوية علي حد سواء وبهذا تمكن من استكمال وتطوير ما لم يتمكن غيره من إنجازه بالمعرفة والعمل الدؤوب والصمت ليستعيد الشعر لديه ولدي بعض من مجايليه موقعه المتميز. وأعتقد أن لا مبالغة فيما أنجزه رعد وهذا البعض، فقد كانا يمثلان نموذجاً من جملة نماذج أخري قليلة رفدت عملية التجديد ذاتها طوال تلك العقود العجاف المنصرمة وما رافق هذه العقود من تعسف واستبعاد، ومع هذا فرض الابداع الحقيقي ضرورته وأهميته اللتين عبرتا عن واقع الشعرية العراقية الحديثة، وقد ثبتت الأيام حقيقة هذا المسار .. مسار عملية التجديد وأري أن هذه العملية أصبحت ممكنة التحقيق لأنها ستواجه قدراً أقل من العقبات والموانع الفكرية والنفسية خاصة وأن أوضاع العراق ربما قد بدأت بالاستقرار النسبي ولربما أيضاً ستبلغ حداً كبيراً من الثبات بعد أن بدأت ـ رغم كل الظروف المأساوية ـ مظاهر الإحباط واليأس والتسليم القدري أو الحنين المتعصّب ـ للبعض ـ إلي ماضٍ مضي، تبدّد وتلاشي، ولستُ أبالغ إذا ما زعمتُ أن التلكؤ عن استكمال هذه العملية التجديدية تحت أي ذريعة من الذرائع تحمل أكبر المخاطر علي مستقبل الخارطة الشعرية في العراق، وطبيعي أن لا تقترن رغباتي، وأمنياتي بوصفة جاهزة ومشروع ناجز فالخطأ مرتين قاتل ومدمر والحياة بحلوها ومرّها وتجاربها المتنوعة هي خير دليل لما يمكن أن يتحقق من الطموح ولما هو غير ناضج للتحقيق أو مستحيل. ما يمكن الجزم به هنا هو ضرورة المواصلة إلي الأفضل والأجمل.نعود إلي القصيدة لنقول: ليست القصيدة عن رعد افتراضات ثابتة لمواصفات معينة قائمة،سلفاً، في اللغة أو البناء اللفظي، وليست تحديداً مُعطي لنمذجة شعرية ما، إن القصيدة لديه هي جهد فكري،فني وشعري خالص يتطور في بنيته ومساره أبداً، وهو في ذات الوقت مكون من ترابط لفظي جمالي بين المكونات الرئيسية والتموضع التجديدي للبنية المعرفية للقصيدة، وبين الإحداثيات التأملية المكونة لمسار تلك المكونات وبالتالي فهي المعني المعرفي الشعري المعطي في إحداثيات القصيدة ذاتها وهذا التحديد المعطي يبرز في هذا الجزء الذي يقول فيه:القصيدة قرب رأسكوقدح الماءوطائر البرق في نومكومن الطبيعي هنا أن يباغتنا بالسؤال الذي يدخل في تلك المكونات بما يمكن أن نسميه السؤال المفاجئ والذي يشغلنا في ذات الوقت عن البحث عن مفهوم جديد للإجابة عن طبيعة الممارسات المستبدة آنذاك وتلك المتطلعة،اليوم، إلي الخلاص من القهر المستعاد المتجدد … هل رأيت أحداً في الحديقة ؟ وهذا السؤال موسوم بالعناصر المكونة للبناء اللفظي بمكونين لفظيين متناقضين أحدهما يتعلق بكلمة (مفتوحة) والآخر بأداة النفي (لا) وهذا ما حدده الشاعر أيضاً بـ (النهاية) والفعلين (تقرعوا/تفتح) وبهذا لم يخفق في تنظيمه للانساق اللغوية المرتبطة بلحظة الكتابة وإن أخذ في بعض جوانبها آليات التمثل اللفظي التي لا يمكن عزلها، بمفهومها الشعري، عن منظومة المكونات السالفة، وبالتالي فهو مرتبط بعلاقته مع القصيدة بتعبيرها التالي الناتج من التأكيد أو الإصرار وليس التكرار كما قد يبدو للوهلة الأولي في هذا الشطر الذي يقول فيه بشكل تحكّمي وفقاً للاتجاهات المتصاعدة للقصيدة:وان قرعوا لا تفتحدع النهاية مفتوحةوأغلق الباب جيداًوإن قرعوا لا تفتحكيف يمكن أن يدخل موضوع (الامان) إلي مشكلة (النوم) بهدوء تام، ثمة مناورة فلسفية يتقصدها الشاعر بعد أن يقحم خياله بواقع يمكن أن نطلق عليه صفة اللامرئي خصوصاً وهو يُنهي القصيدة بعلامات بيّنة تطفو علي كل التصورات الممكنة لتفسيرات القاريء بما في ذلك تصوراته أو تفسيراته الخاصة المرتبطة بعلاقته التأملية مع الواقع المفزع الذي سيلعب فيما بعد دوراً هاماً في عملية النوم وفي تحديد سماته الهادئة ولربما تتضمن مشكلة النوم جدلاً أو بعداً مستقلاً عن كل أشكال التجليات النفسية، فعلي ماذا استند الشاعر عندما زعم أن النوم يؤسس للهدوء أو يفضي له وأن له كذلك علاقة تبادلية مع الامان، يبدو لي أن هذه العملية تحتاج إلي مصداقية وحيدة تتمثل بقرار شعري من الشاعر نفسه ليس له علاقة بذلك الواقع .. الشاعر الذي يريد للقصيدة أن تنجو وللشعر أن يبقي مشدوداً لقرار اللحظة الإنسانية النقية التي تشمل قطعاً نقاء روح الشاعر في وطن يعيش علي الاستنتاج الخاطئ والاستقراء المريب والممارسات القمعية من خلال منظومة اللاوعي والإجابات المغلوطة عن التأريخ الإنساني، وإذا كان هناك من حالة نادرة علي إنجاز تلك المهمة .. النوم (هادئاً، بأمان) من خلال عقد اجتماعي إنساني واعٍ ولكن الشاعر لا يمكنه إنجاز تلك المهمة بمفرده ونفس الشيء ينطبق علي الشعر،أيضاً، حتي إذا سلمنا بقول القصيدة:نم هادئاً .. هادئاًبأمان.خاتمة ..الشاعر رعد عبدالقادر يعتمد كثيراً علي الابتسار حتي وان كان قادراً علي الاسهاب، ففي وسعه أن يتلاعب باللغة ويطوعها كما يريد، ولكن اهتمامه الكبير بأشكال الخلق الفني هو الذي يمنعه من المضي وراء هذا الاسهاب اللامجدي لذلك آثر بقاء نصوصه داخل حميمية المفردة الشعرية المبتسرة، ونظرة بانورامية علي مجمل نتاجاته تكفي لتبين لنا بوضوح شديد أن كل عناصر أو مبررات هذا الابتسار تنسحب، لاحقاً، علي حميمية القصيدة خاصة في صورتها المتفردة وبشكل أكثر تحديداً الخلق الفني الذي هو أشد وأعسر أنواع الكتابة، بهذا المعني يمكن اعتبار ما يكتبه رعد شعراً حميمياً مبتسراً ولصيقاً بالأشياء الموجودة حوله حتي وان تضمنّت ـ هذه الأشياء ـ انتهاكاً لقواعد السلوك الإنساني المتعارف عليه، ولكن لطابعها الرمزي تمضي القصيدة إلي ما لانهاية أيضاً ذاك لأن الهدف الرئيسي من هكذا كتابة إنما يحمل رسالة واضحة للفن الحقيقي أولاً وأخيراً.ہ كاتب من العراق يقيم في المانيااشارة : ـ الشاعر العراقي الراحل رعد عبدالقادر له هذه المجاميع الشعرية:مرايا الاسئلة ـ 1979جوائز السنة الكبيسة ـ 1995دع البلبل يتعجب ـ 1996أوبرا الأميرة الضائعة ـ 2000صقر فوق رأسه شمس ـ 2002QMK0