لائحة الاتهام تطول لصبيحة شبر: يوميات مدرسة ثانوية…
فيصل عبد الحسن لائحة الاتهام تطول لصبيحة شبر: يوميات مدرسة ثانوية…صدرت في الرباط للقاصة العراقية صبيحة شبر مجموعة قصص قصيرة بعنوان لائحة الاتهام تطول والكاتبة نشرت مجموعة قصص بعنوان التمثال عندما كانت تعمل مدرسة في الكويت عن مطبعة الرسالة في الكويت عام 1976 وواصلت النشر في الصحافة الكويتية باسم مستعار: نورا محمد.. بين سنة 1980ـ1986 بسبب عملها في وسط محافظ في دولة الكويت ثم نشرت عام 2005 مجموعة قصص بعنوان امرأة سيئة السمعة عن وكالة الصحافة العربية في مصر. وضمت المجموعة الجديدة لائحة الاتهام تطول التي صدرت قبل أيام عن دار الوطن في الرباط 20 قصة قصيرة، اتسمت بقصرها وتركيزها وحيوية أبطالها، وقد اختارت القصة التي حملت عنوان المجموعة لرواية ما يحدث في وطنها العراق، مصورة في قصتها الرئيسية أحداثا تهز الوجدان وتقرب بين فنين من فنون القول، هما فن السرد القصصي وفن الاعتراف أو ما يسمي بكتابة اليوميات، التي تأخذ أحداثها مباشرة مما يحدث حولها كمادة خام ولا تضيف عليها شيئا من بنات أفكارها أو خيالها، وبعدما فتشت الكاتبة في التاريخ القديم عن فترات مشابهة تعرض فيها الناس لاحداث مشابهة، معتبرة أن العراق عبر التاريخ بأهله وحكامه قد وقعوا تحت لائحة اتهامات كثيرة تبدأ بمقولات وخطب للحجاج بن يوسف الثقفي الذي حكم ولاية العراق بمنتهي الصرامة والقسوة في فترة الحكم الأموي، ولا تنتهي بما يحدث في العراق منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، وحتي الوقت الحاضر.مدرسة تعترفالقاصة تبدأ مرافعتها في مجموعتها بقصة المعلم التي تحكي قصة معلمة تحضر إلي مقر عملها وهي تشعر بأنها مستلبة ومهانة، ولا غاية حقيقية من عملها سوي ملء بطون عائلتها بالخبز فهي، لا تجد في عملها أية قيمة معنوية ،مبررة لنفسها انه لا يوجد لها عمل آخر في هذه البلاد إذا فقدت عملها في المدرسة وأنها إذا لم تنفذ المطلوب منها وهو غير شرعي وغير مؤمنة به فان مصيرها سيكون الطرد من العمل. والقصة تبدو من خلال السرد وتداخله مع المونولوج الطويل والحوارات المتقطعة التي تجيء علي لسان المعلمة تحيلنا إلي أدب الاعتراف، واليوميات التي يحكي فيها السارد كل شيء كأنما يتطهر من ذنوبه عبر الكتابة مما يعطي القارئ الإحساس بان الحادثة حقيقية وقد تداخل النص القصصي بواقع حياة كاتبته، وان القصة عبارة عن لائحة اتهام أخري تضعها أمام المجتمع لتحصل منه علي عقاب مناسب لمن جنوا عليها كإنسانة فقدت معالم شخصيتها من خلال الخوف من المستقبل وما سيحيق بها من أحوال سيئة في بلد غريب عليها ،لا تعرف فيه أحدا ولا أهل لها فيه ولا أقارب ولا أصدقاء.زوج يموت حرقالقد وضعت القاصة خبرتها كأستاذة عملت لعدة سنوات وما زالت في حقل التعليم حيث نجد حرارة الحدث وديناميكية الموقف والكلمة المعبرة في جعل الفعل خالدا في ضمائر القراء، وفي قصة أخري معنونة ـ تراجع عن قرارـ ص 20 تضعنا أمام نموذج امرأة تقرر قتل زوجها حرقا فهو في كل ليلة يشرب حتي يثمل وينساها كامرأة وزوجة وقد وضع بينه وبينها حجابا وتنقل لنا الكاتبة إحباطا كبيرا بعالم الزوجية فهي تشعر أنها زوجته وفي الوقت ذاته منفصلة عنه ومنذ سنوات كثيرة فهو لم يعاشرها كزوجة واعتاد في كل ليلة أن يقيم طقوسه علي ضوء شمعة حيث يقرأ الكتب التي يحب قراءتها حتي يوافيه النوم وهو بين الصحو الغافي والثمالة حيث ينسي دائما أن يطفئ شمعة القراءة التي تذوب ببطء، فتعمد الزوجة في كل ليلة إلي وضع الغطاء علي النائم وإطفاء الشمعة التي تحترق ببطء، وتنبثق من هنا فكرة أن تدفع الشمعة صوب فراشه وتغلق عليه باب غرفته ليموت محترقا، ونري في هذه الغرفة وحريقها المفتعل إضافة جديدة إلي لائحة الاتهام التي تطول في هذه المجموعة، وفي حرارة السرد نري الكلمات وكأنها استلت من مذكرات حقيقية كتبتها امرأة عانت حقا من برود زوجها تجاهها وواجهها المجتمع بكل تابواته وشروط المرأة الصالحة والمدرسة المستقيمة، التي ينبغي أن تكونها بطلات قصصها وهن بالمناسبة كلهن مدرسات ومعلمات ما يؤكد ما افترضناه في بداية الكتابة عن المجموعة القصصية من أنها أقرب لمذكرات مدرسة ثانوية ويومياتها الضاجة بالأحداث والشكوي والأسرار.لص وسط الرباطفي قصة أخري تستخدم الكاتبة لغة الإيهام والتأويل التي تستخدم عادة لطرح مسائل فلسفية كبري فهي تضعنا في محكمة تكون هي فيها المدعية علي جارها لأنه فتح باب القفص ليطير البلبلان المحبوسان إلي الحرية.. تكتب القاصة ص 37: نعم سيدي القاضي، كان ضيفاي بلبلين جميلين صداحين، عندما فتح لهما الباب طارا معا وتركاني وحدي انتظر عودتهما، فلا شك أنهما قد فقدا معالم الطريق. في قصة سطو تحدد الكاتب بطلتها بمكان وزمان معينين فالبطلة مدرسة تعيش في الرباط وفي احد أيام حزيران (يونيو) القائظ تذهب إلي مدرستها عبر الشارع الطويل الموحش الذي في وسطه أشجار باسقة ومن وصفها للشارع يعرف ابن الرباط العارف بالعاصمة أنها تعني شارعا بعينه هو شارع النصر الذي يتوسط الرباط حيث تتعرض المدرسة السائرة إلي مدرستها وهي بين اليقظة والحلم للسطو ص 55: شيء بارد يقف علي رقبتي، سكين حاد نصلها تقطع حقيبتي اليدوية وهي علي كتفها صوت قهقهة مكتومة يسخر مني: ـ بمن تحلمين أيتها الحلوة ؟ اسمع صوت الدراجة البخارية يبتعد، الحظ راكبها من الخلف، يبدو مجعد الشعر أسوده يرتدي الجينز، لم استطع تسجيل رقم الدراجة كل ما فعلته أنني صرخت: أيها اللص، اعد الي حقيبتي.وفي القصة يظهر حبيبها الأول الذي ارتبط بها بزواج فاشل يظهر ويختفي من خلال المونولوجات التي تتخلل القصة حيث تحاول الكاتبة وضع اللص كمعادل موضوعي لذلك الحبيب الذي فشلت عند الارتباط به وأحال حياتها جحيما. والكاتبة تحاول في كل قصة من قصصها أن تجد التعارض المطلوب في العمل الأدبي أي أنها تضع القبح بموازاة الجمال والخوف بموازاة الأمان والحياة بموازاة الموت والشجاعة بمواجهة الجبن والفرح بمواجهة الحزن. لائحة الاتهام تطولفي القصة التي حملت عنوان المجموعة تتركنا الكاتبة في قاعة وسط عدد قليل من الحضور وتكون الراوية مشدودة اليدين مكممة الفم تسمع ما يقوله الادعاء في حقها ص 60 : ـ تهمك كثيرة سيدتي، أنت واقفة منذ دهر، تورمت منك القدمان، وانتفخت الساقان وانتفض القلب، وأرعد وأزبد يبست شفتاك. ثم تكمل القاصة: ربطوا فمك فماذا يمكنك أن تفعلي ؟ طالما انتفضت ثرت قاومت، قواك أوشكت علي الانطفاء وعيناك المربوطتان ما زالتا وهاجتين. ان عالم القصة يذكرنا برواية القضية للكاتب الألماني المعروف فرانز كافكا وبطله المستر كاف الذي يقع ضحية اتهامات كثيرة حتي يحكم عليه بالإعدام في نهاية الرواية المعروفة. ولنستمع للقاصة تقول عن الاتهامات الموجهة إلي بطلتها في قاعة المحكمة المفترضة: ـ أثرت الشقاق والنفاق بين أفراد المجتمع الراضي المسرور زرعت الفتنة في الأرض الخضراء فولت بورا، لسانك الطويل حول البياض سوادا فاحما والنهار الساطع ليلا بهيما والقانع الراضي ثائرا ساخرا.ـ أنت نقمة سلطــها الشيطان علي هذه الأمة المنـــكودة، فسلب منها اليقين المفرح وسـرق رضا الله، حين عصت ولي الأمر وتتداخل صرخات المدعي العام مع مونولوج داخلي للمدرسة تحول كلام المدعي العام إلي جمل سمعتها من زوجها الذي هجرها من زمن طويل، ويختلط الجمهور في ذهنها بمجموعة من قاطعي الطريق والمجرمين ص 62: الجالسون ينظرون بشماتة، يتناولون المرطبات بسرور وبهجة.. يتفرجون علي مخلوق غريب في وسط القاعة معصوب العينين مربوط اليدين قد خيطت منه الشفتان وتورمت القدمان، وانتفخت الركبتان والقلب قد مل من الوجيب. نلاحظ هنا اختلاط الصور وقربها من آلام ـ مستر كاف العراقي ـ ولكن آلامه مجموعة جمعا بآلام أبناء وطنه ص69: ـ قومك أهل شقاق ونفاق، شقاق ونفاق، شقاق ونفاق. وزوجها يصرخ في ذاكرتها: ـ تزوجنا ؟نعم هل تريدين احتكاري ؟ أنا من لحم ودم اعشق الجمال أود من تتغني بشمائلي، وأنت لن تعودي قادرة علي العيش السليم، ورؤية ما أتحلي به من مناقب، وما أتميز به من شمائل. ـ هذه المتهمة الماثـلة أمامكم أم المصائب التي حلت في ديارنا أطالبكم أيها القضــاة، يا رجال العدالة أن توقعوا بالمجرمة أقصي العقوبات وان تعيدوا إلي ربوعنا المعذبة أمنها المسلوب ص 70.تتباري القصص العشرون في هذه المجموعة لتكون كل واحدة منها يومية من يوميات مدرسة عراقية تعيش في المغرب تحكي ما لها وما حدث لها راسمة طيلة الوقت دمعة كبيرة بحجم خارطة العراق تحاول بين الحين والحين أن تمسحها بابتسامة أمل ونظرة تحد إلي الغد علي أمل ان يكون رحيما بأوجاع الباحثين عن الحياة في بلدان غير بلدانهم متشبثين بماضيهم مثل شراع قديم إلي الأبد. الكتاب :لائحة الاتهام تطول الناشر: دار الوطن/ الرباطط 1 ـ2007 عدد الصفحات 74 ص قطع متوسطكاتب وصحافي عراقي يقيم في المغربQMK0