قصة مدينتين: أكرا والخرطوم بعد نصف قرن من الاستقلال

حجم الخط
0

قصة مدينتين: أكرا والخرطوم بعد نصف قرن من الاستقلال

د. عبدالوهاب الأفنديقصة مدينتين: أكرا والخرطوم بعد نصف قرن من الاستقلال في الأسبوع الماضي شهدت العاصمة الغانية أكرا احتفالات شارك فيها زعماء ورموز من أنحاء افريقيا وكل أرجاء العالم احتفاءً بمرور نصف قرن علي استقلال أول دولة افريقية جنوب الصحراء تنال استقلالها . وفي الاحتفال الرئيسي الذي أقيم في ساحة الاستقلال في قلب العاصمة في السادس من آذار (مارس) الذي يصادف ذكري إعلان الاستقلال، تدافع عشرات الآلاف من المواطنين ليشاركوا في الاحتفال الذي توافد إليه معظم زعماء افريقيا، وعلي رأسهم تابو مبيكي (جنوب افريقيا) وأولوشون أوباسانغو (نيجيريا) وروبرت موغابي (زيمبابوي). ولم يغب عن الحفل بالطبع ابن غانا الأشهر، كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بينما شد إليها الرحال شخصيات مثل جيسي جاكسون، أحد أبرز زعماء الأمريكيين السود.وفي هذا الاحتفال الذي توج عاماً كاملاً من التعبير عن مظاهر الابتهاج، رقص أبناء غانا وضيوفهم علي ضوء القمر، وعاد المهاجرون من أصقاع الدنيا، وقصد أكرا الآلاف من كل فج عميق في غانا وخارجها. كانت مظاهر الابتهاج والأمل المعقود كشأنها يوم أعلن كوامي نكروما الاستقلال في نفس تلك الساحة قبل أكثر من خمسين عاماً، وأعلن فيها ليس فقط ميلاد بلد، بل ميلاد قارة وميلاد أمل. في ذلك اليوم، آمن رجال ونساء القارة أجمعين، حتي من كان منهم مازال يرسف في الأغلال، أن الفجر الذي طال انتظاره قد بزغ، وأن ليل العبودية الطويل قد آذن بانقشاع. وقد عبر عن ذلك سام نجوما، رئيس ناميبيا وقائد حركة تحريرها قبل ذلك حين قال مرة مستذكراً ذلك اليوم: لقد أتتنا من غانا فكرة أن المرء يجب أن يفعل أكثر من رفع العرائض للأمم المتحدة للمطالبة باستقلالنا. لقد زودنا إعلان استقلال غانا بشعاع من الأمل لمستقبل تحريرنا. ومنذ ذلك اليوم قررت أنه لا بد، إن أشرقت أو أمطرت، وإن حل الجحيم أو الطوفان، الألم أو السعادة، الحياة أو الموت، من أن نحرر وطننا كما تحررت غانا .ولم يكن أمل التحرير وحده هو الذي أحيي بحياة غانا، بل أمل الوحدة أيضاً. فقد كان نكروما وشيعته من الجيل الأول من قادة التحرر لا يؤمنون بالقبول بتجزئة القارة، وكانوا دعاة وحدة كاملة لكل افريقيا، إضافة إلي كونهم دعاة قطيعة كاملة مع إرث الاستعمار، فكانوا يرفضون التبعية للغرب، وينادون بتكاتف دول العالم الثالث من أجل النهضة والتحرر الكامل. وكان هذا المطلب الأخير موضع خلاف بين المجموعة التي كان يمثلها نكروما وصديقه أحمد سيكوتوي في غينيا وجمال عبدالناصر في مصر و(إلي درجة أقل) جوليوس نيريري في تنزانيا، وبين القادة التقليديين من دعاة التعاون مع القوي الاستعمارية السابقة، وعلي رأسهم رئيس كينيا وقتها جومو كنياتا وزعيم ساحل العاج هوفو بوانييه.العالم كله تضامن أيضاً مع غانا (ساحل الذهب سابقاً) في عيدها الذهبي، حيث كانت دعوة التضامن هذه من ضمن المبررات التي سيقت لدعم طلب غانا لتولي رئاسة الاتحاد الافريقي بديلاً عن السودان الذي كانت القمة السابقة في الخرطوم قررت أنه الذي سيتولي هذه الرئاسة. وفي كل هذه الضجة الاحتفالية غابت حقيقة بسيطة، نسيت اليوم كما لم تذكر قبل نصف قرن، وهي أن السودان لا غانا كان الدولة الافريقية الأولي التي نالت استقلالها من دول جنوب الصحراء. وعندما انعقدت القمة في الخرطوم في كانون الثاني (يناير) الماضي، كانت المناسبة أيضاً هي اليوبيل الذهبي لاستقلال السودان، وكانت أيضاً مناسبة للاحتفال بما وصفه قادته الجدد باستقلاله الثاني المتمثل في عقد اتفاقية السلام في العام الذي سبق. ولكن روح الاحتفالات غابت عن قاعة اجتماعات تلك القمة، حيث لم ير الزعماء المجتمعون إكرام السودان برئاسة القمة احتفاء بيوبيل استقلاله، إن لم يكن عرفاناً باستضافته القمة.قاعة اجتماعات القمة لم تكن الجهة الوحيدة التي غابت روح الاحتفال، حيث غابت تلك الروح عن شوارع العاصمة السودانية الخرطوم التي لم تكن تشعر بأن هناك ما يدعو للاحتفال، بل بالعكس، ظل يجثم علي صدور أهلها هم ثقيل، وشعور هو الأبعد من نشوة الظفر وسعادة الإنجاز. بل إن شعور أهل الخرطوم كان كذلك أبعد ما يكون عن الغضب والثورة، بل كان مزيجاً من اللامبالاة وخيبة الأمل، والإحساس بأننا جربنا كل شيء، ولا نري فيما حولنا، وأهم من ذلك، في من حولنا، ما يبعث علي الأمل. فكل القادة وكل الحركات أصبحت تشبه بعضها بعضاً في خوائها الفكري والأخلاقي، واستبداد وفساد وإفلاس قادتها وبطانتهم، وفقدان برامجها لما يلهم ويحرك، وتحول أتباعها إلي دمي تقاد شمالاً ويميناً كأنها منومة.لقد كانت المسافة بين أكرا السادس من آذار (مارس) 2007 والخرطوم في مطلع كانون الثاني (يناير) 2006 أبعد مما بين المشرقين، وكأن العاصمتين لا تنتميان إلي قارة واحدة، بل ليس إلي عالم وزمان واحد. هذا مع أن البلدين مرا في تاريخهما بتجربة تكاد تكون متطابقة، مع فوارق يمكن تجاهلها. فقد وقعت غانا في قبضة العسكر بعد أقل من عقد من الزمان من تلك اللحظة الاحتفالية مع الإطاحة بأبي الاستقلال نكروما في انقلاب عسكري في عام 1966، وظل العسكر يحكمون غانا حتي أطاح بهم الضابط نصف الاستكلندي جيري رولينغز في انقلاب دموي عام 1979، واستعاد الديمقراطية قبل أن يعود للاستيلاء علي السلطة مرة أخري عام 1981 ويمكث فيها حتي عام 2000 بعد أن سقط في الانتخابات (فقد تاب الرجل وأصبح ديمقراطياً) لصالح خصمه الرئيس الحالي جون كوفور، وتحول إلي زعيم للمعارضة. البلاد أيضاً عانت من الفساد والتدهور الاقتصادي، حتي عادت إليها بعض العافية في أيام رولنغز، وهي اليوم تعتبر من أفضل الدول الافريقية اقتصادياً.السودان واجه أيضاً رحلة مشابهة، وإن لم تكن متطابقة، مع انهيار الديمقراطية، ومحاولات استعادتها. الفارق هو أن الديمقراطية عمرت أكثر في السودان، واستعيدت أكثر من مرة، كما أنها لم تشهد إقامة دولة الحزب الواحد في عصر الديمقراطية كما كان الشأن في آخر عهد نكروما. وهناك مفارقة أخري، وهي أن عهد الحكم العسكري الأول في السودان لم يشهد تدهوراً اقتصادياً، بل بالعكس شهد ازدهاراً اقتصادياً، بعكس العهد العسكري الثاني الذي بدأ في نصفه الثاني التدهور الاقتصادي. ولكن الفرق المحوري ـ والأمور بخواتيمها ـ هو أن غانا تنعم اليوم باستقرار ديمقراطي ونمو اقتصادي مبشر، وسمعة دولية طيبة، بينما لا يزال السودان يتعثر في مسيرته، وتخيم علي سمعته سحابة داكنة بعد أحداث دارفور المأساوية.ولعل سؤالاً يتبادر إلي الذهن أولاً عن السبب الذي ظلت فيه غانا تلهم بقية افريقيا وتجسد رمزاً لأحلامها وآمالها، بينما لم يذكر السودان مجرد ذكر في هذه المقامات حتي قبل أن يحمل أثقاله التي بدأت بحرب الجنوب ولم تنته بطامة دارفور؟ ولعل أول ملامح الإجابة تبدأ مما وصفه بروفيسور علي مزروعي بهامشية السودان المركبة، حيث أن الدول الافريقية جنوب الصحراء لم تكن تعتبر السودان واحداً منها. بل إن الوضع الاستعماري للسودان نفسه كان ملتبساً، حيث أنه لم يكن من الناحية القانونية والنظرية بلداً مستعمراً، بل كان بحسب وثيقة الحكم السوداني جزءاً من مصر. وقد كانت النخبة في السودان تتجه وجدانياً نحو العالم العربي والمشرق، فلم تختلط أو تربط كفاحها مع حركات التحرير في افريقيا إلا في حالة الكونغو ثم اريتريا (وهو أيضاً وضع ملتبس بسبب مكانة اثيوبيا في افريقيا). لهذا لم تلتفت بقية الدول الافريقية إلي السودان الذي حقق استقلاله الفعلي في عام 1953، حين أبرمت الاتفاقية التي منحته حق تحرير المصير، وأدت إلي انتخاب أول حكومة وطنية فيه. وقد تم جلاء القوات الانكليزية تماماً في آب (أغسطس) عام 1955 (وهو نفس الشهر الذي شهد اندلاع شرارة التمرد في الجنوب)، بحيث أصبح إعلان الاستقلال في البرلمان في كانون الاول (ديسمبر) من ذلك العام تحصيل حاصل ليس إلا، ولم يكن يؤخره إلا الخلاف بين الأطراف السودانية نفسها.ولا شك أن فشل السودان في التحول إلي رمز رغم ريادته في معركة الاستقلال تعود لعوامل داخلية متراكبة إضافة إلي مشكلة الهوية الملتبسة، منها أن النخبة فيه أدارت ظهرها لمركبات الهوية الافريقية بل دخلت في صراع معها، بحيث أصبحت بقية افريقيا لا تكتفي بأن ترفض اعتبار السودان جزءاً منها، بل تعتبره عدواً يضطهد الأفارقة . وقد جاءت ثالثة الأثافي في دارفور لتؤكد الأفارقة في نظرتهم هذه. ويمكن ان يقال أن هذا الإخفاق الداخلي هو الإشكال، وليست مسألة الهوية، بدليل أن الجزائر كانت ملهمة لبقية افريقيا (وأنحاء كثيرة أخري من العالم) في ثورتها كما كانت ذات نفوذ دبلوماسي مقدر قبل محنتها القريبة.حال السودان حالياً يدعو إلي الشفقة أكثر من الفخر وإطلاق مزاعم الريادة. ولعل الجهد الذي أنفق وينفق في تحقيق مكانة دولية للبلاد عبر رئاسات القمم واستضافتها يجب أن يوجه إلي معالجة المآسي التي أصبحت فضائح تسود وجه السودان والسودانيين أينما حلوا، وتجعلهم موضع الشفقة والأسي، إن لم يكن موضع الاحتقار والإدانة، وأبعد ما يكونون عن التحول إلي مصدر إلهام. وكلنا للأسف مسؤولون عن هذه الحالة، إما بالسكوت والتواطؤ، وإما بالتقصير في التصدي. وإلي أن يتغير الحال، فسنظل نحسد أهل غانا وغيرهم علي ما يحتفلون به، تاركين لنا المآتم التي لا تنتهي.ہ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية