قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (الاخيرة)
في 7 نيسان كدت اموت حزناً تلك الليلة ومع تقدم العدو وتقهقر قواتي انتهي كل شيء وبات العراق علي شفير الهاويةمعركة المطار لا تزال تفاصيلها غامضة والامريكيون استخدموا بعد تراجعهم اعتدة حارقة وكثافة نارية قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (الاخيرة)اعداد وتلخيص: هارون محمد ہكثيرة هي الافتراءات التي الصقت بالجيش العراقي لتشويه صورته وسمعته وتاريخه، من قوي دولية واقليمية، وأطراف حزبية وسياسية محلية، هدفها طعن هذه المؤسسة الوطنية والقومية، والاساءة الي رجالاتها وقادتها وضباطها ومراتبها وجنودها الذين قدموا التضحيات عبر مسيرة استمرت أكثر من ثمانين سنة، حفلت بالامجاد والانتصارات، وتخللتها ايضا اخفاقات وانتكاسات، حالها حال جيوش الدول والامم قديما وحديثا. ورغم ان دعاوي الاحتلال في حل الجيش العراقي قد تهاوت الواحدة تلو الاخري، وسقطت الذرائع المتهافتة التي ساقها برايمر في تبرير قرار الحل المستند الي مخطط جمع بين مشتركات امريكية وصهيونية وايرانية، لتفريغ العراق من قوته التي كانت تشكل ركنا أساسيا في التوازن الاستراتيجي في المنطقة، الا ان الغزاة والمتعاونين معهم من محليين وغرباء، ما زالوا يرفضون بعناد اعادة الجيش الذي حلوه مع ان الظروف السائدة في العراق تستدعي اعادته لينهض بمهمته الوطنية والقومية في حفظ الامن والدفاع عن البلاد التي تواجه تدخلات خارجية وتحديات داخلية ترمي الي تفتيت العراق وتقسيمه الي أقاليم وفيدراليات ومشيخات هزيلة.وقد سعي المحتلون وعملاؤهم ضمن أكاذيبهم عن الجيش العراقي، الي ترويج ادعاءات باطلة تمس صموده وتضحياته في الحرب الامريكية الاخيرة علي العراق في آذار (مارس) 2003 ، الامر الذي دعانا الي نشر فصول من كتاب صدر مؤخرا لقائد عسكري عراقي يتناول فيه جانبا من أحداث تلك الحرب العدوانية، ويقدم أحداثا ووقائع كان طرفا فيها او معايشا لها باعتباره قائدا لفيلق الفتح المبين/ حرس جمهوري، ويعرض ايضا الظروف والملابسات التي تحكمت بالجيش العراقي وهو يواجه أعظم قوة عسكرية في العالم، علي صعيد الاستعدادات واختلال القوي والمواجهات والتضحيات.وكتاب (قبل ان يغادرنا التاريخ) هو أول شهادة لقائد عسكري عراقي تنشر عن الحرب الاخيرة التي هيأت للاحتلال، حرص مؤلفه الفريق رعد الحمداني علي ان يكون موضوعيا قدر الامكان، فهو ينتقد الكثير من القرارات التي اتخذتها القيادة العراقية قبل الحرب وخلالها، ويؤشر نقاط الخطأ فيها من وجهة نظره، ويبين التداخل الذي حصل بين السياسي والعسكري في سياقات التحضير للمعركة واصدار الاوامر ورسم الخطط وتعيين القيادات، وسواء كانت آراء الفريق الحمداني صحيحة او خلافها، الا انها تبقي في المحصلة النهائية اجتهاد قائد ميداني وضابط محترف، قد لا يوافقه عليها رفاقه وزملاؤه وقد سمعت شخصيا من عدد منهم وانا اجهز هذه الفصول للنشر، انتقادات له من بعضهم، رغم ان اغلب هذه الانتقادات انحصرت في ان المرحلة الراهنة والعراق تحت الاحتلال غير مناسبة لفتح ملفات حساسة، ومن الافضل ارجاء ذلك الي وقت لاحق عندما يتحرر العراق ويزول الاحتلال عندها تطرح جميع الملفات للبحث والتقييم بلا استثناء.وعموما فان ما دفعنا لنشر فصول من الكتاب في المقام الاول هو ابراز مسألة في غاية الاهمية، تتمثل في ان القوات المسلحة العراقية قاتلت الغزاة في الحرب الاخيرة ببسالة وقدمت تضحيات كبيرة وكثيرة، علي عكس ما أشاعه المحتلون وعملاؤهم، رغم ضعف التسليح وقلة الامكانات الفنية والتقنية، نتيجة الحصار الجائر الذي عاش تحت وطأته العراق ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها الجيش والقوات المسلحة ثلاثة عشر عاما، عاني العراق خلالها اوضاعا خطيرة علي جميع الصعد والميادين، هذه الحقيقة يجب ان تكون ماثلة لمن يريد ان يناقش حرب 2003 ونتائجها الوخيمة وآثارها الكارثية. رئيس اركان فيلقي اخفي اصابته بشظية في حدود الساعة التاسعة من صباح يوم الثالث من نيسان (ابريل) وانا وقائد فرقة المدينة المنورة وآمرو الهندسة العسكرية للفيلق والمقر الاعلي جالسين قرب الشارع الرئيسي في المنطقة وقد انهكنا التعب والالم من هذه الخسارة، وصل الينا رئيس اركان ح ج الفريق سعد، ومعه رئيس اركاني الذي اخفي اصابته بشظية في ظهره لشجاعته وإخلاصه، وقد صب جام غضبه علي آمر اللواء العاشر الذي وصل قبله بدقائق فقلت له: يا سيدي لم يقصر احد. ان تفوق العدو التقني وقوته الجوية لا تجاري والرجل قاتل حتي النهاية، فعاد ادراجه الي بغداد دون ان يرد علي كلامي! هنا رجاني قائد الفرقة التوجه الي احد بيوت الفلاحين المهجورة والقريبة منا بمسافة 300م تقريبا للراحة حيث لم نعد قادرين علي رفع اقدامنا من شدة التعب والارهاق، وكنت قد خمنت بان العدو سيستأنف هجومه بعد الساعة 1200، مؤملا سحب فرقة نبوخذ نصر ح ج بكاملها الي مفرق اليوسفية للدفاع عن بغداد في جنوبها الغربي. في هذا الوقت وصلني آمر اللواء الرابع مشاة العقيد الركن عبد السلام ابراهيم الناصري وهو من خيرة آمري الالوية بالفيلق فكلفته بمهمة مسك موضع دفاعي علي قناة اليوسفية بكامل لوائه مع ما يتيسر من القطعات المتبقية من المعركة لمنع العدو من الوصول لمفرق اليوسفية مهما كلف الامر. حال ما اوينا الي ذلك البيت الريفي الخالي من اهله حيث شردتهم الغارات الجوية ليلة امس علي ما يبدو حيث وجدنا عشاءهم متروكا في احدي الغرف، القينا بجسدينا المنهكين علي ارضية احدي الغرف وبعد برهة من الوقت استيقظت علي اصوات رمي عنيف ونظرت الي ساعتي فوجدتها تشير الي العاشرة والنصف صباحا، فنظرت الي صاحبي فوجدته كأنه جثة هامدة من شدة التعب، عندها خرجت طالبا من عنصري الحماية المتبقيين لدي قائد الفرقة ان يحضرا لي اية عجلة يعثران عليها حتي ولو كانت جرارا زراعيا. وبعد قليل جاؤوا لي بعجلة نوع نيسان يقودها ملازم مخابرة يدعي حيدر عرفت منه انه المتبقي الوحيد من تلك المجموعة التي كان يترأسها عقيد جميل وبسرعة وصلت الي القناة التي طلبت من اللواء الرابع الدفاع عنها وكان اتجاه المعركة في اقصي اليمين منا، وبعد استفساري من احد الفلاحين الهاربين من تلك المنطقة التي تجري فيها الاشتباكات عرفت منه ان العدو استأنف تعرضه في اتجاهين الاول: اتجاه مفرق اليوسفية ـ بغداد، والثاني اتجاه ناحية القره غول ـ الرضوانية، ففزعت لهذا الامر وخاصة ان اعداد دباباته ودروعه الاخري حسب تقدير هذا الفلاح ما يقارب 200 دبابة ومدرعة. وركبت بسرعة ومعي هذا الضابط الشاب الذي اخبرني بان آخر جهاز اتصال متبق معنا هو (الموبايل الخلوي) الذي نجا من التدمير ولكن شحنه قد هبط ولم يعد يؤمن الاتصال وتوليت قيادة السيارة بدلا عنه لضعفه فيها، وما ان وصلت الي نقطة التقاء طريقي بالطريق القادم من ناحية (القره غول) باتجاه مفرق اليوسفية حتي وجدت نفسي امام دبابات المقدمة لرتل العدو بمسافة لا تزيد عن 200م في ابعد تقدير، وكأني دخلت الي فوهة بركان مقذوفات المدفعية المتفجرة فوق الرؤوس ومقذوفات الدبابات الامريكية لتدمير اي شيء يتحرك امامها ومعظم ما يتحرك هو عجلات المدنيين الهاربين من ارض المعركة فتحيلهم الي اشلاء مهروسة. كان منظرا لم اشهده في الحروب السابقة. وبسرعة عالية ذات مناورة حادة تمكنت من الاجتياز بعيدا باتجاه مفرق اليوسفية للوصول الي مقري في ناحية الرشيد لانقاذ ما يمكن انقاذه، الا ان سرعة العجلة قد هبطت كثيرا واختل توازنها، ولم يعد هناك علي ما احسست به من اطارات بعدما فقدنا زجاج تلك العجلة الذي تحول الي آلاف الشظايا وفي تلك اللحظة الحرجة وجدت مرافقي الملازم الاول بلال قد احضر لي عجلة الا ان النيران المعادية اضطرته الي الوقوف بجانب الطريق، وبسرعة وصلت الي مقري لاتخذ من القرارات والاوامر السريعة لدرء ما يمكن من الاخطار المحدقة ببغداد. فاصدرت امرا بحركة فرقة نبوخذ نصر ح ج باسرع ما يمكن لمسك عقدة اليوسفية والدفاع عنها مهما كلف الثمن، رغم اني ادرك اننا في حاجة الي معجزة ليتسني لها الوصول بالوقت الملائم، كذلك اصدرت امرا الي كتيبة دبابات المنصورالمنفتحة قريبا منا لصد العدو في مفرق اليوسفية فورا، واصدرت امرا آخر لحركة ما تبقي من اللواء المدرع الثاني من فرقة المدينة المنورة المدافع علي الطريق السريع للانسحاب باتجاهنا قدر الامكان مع حساب الطيران المعادي الذي ملأ الاجواء. القتال ينتقل الي مقري في ناحية الرشيدلم يمض وقت طويل حتي دخلت دروع العدو ناحية الرشيد التي فيها مقرنا في (بناية دائرة الكهرباء) ونشب القتال في مقري، وكانت خلفي نافذة شاهدنا منها دبابة امريكية نوع (امبرامز) فصاح احد ضباط الركن الواقفين امامي (يا للهول) وباصرار من المسؤول السياسي للفيلق اللواء الركن عضو المكتب العسكري للحزب محمود رجا شلاح وضباط الركن الثلاثة خرجنا من المقر باحدي العجلات، وكان اتجاهنا تحدده صليات رشاشات الدروع المعادية التي انتشرت بيننا بسرعة مذهلة حتي وصلنا الي نهاية طريق ترابي عند بستان فيه دار كبيرة، ومن غرائب الصدف ان يكون صاحب هذه الدار احد اقاربي وهو مهندس قد هجر بغداد الي الريف لينشد الراحة وييسر العيش لعائلته الكبيرة فآوانا عنده وكان كريما جدا واثبت بعد قليل من الوقت شجاعة احترمته عليها كثيرا عندما خرج الي القوة المطاردة لنا لمنعها من تفتيش داره وكنت في تلك الساعة ارفض بالخلاص بنفسي من ذلك الموقت العسير، وكنت قبل وصول تلك القوة قد سمحت لرفاقي بالخلاص بانفسهم باتجاه بيت الشيخ (ابو ياسين) الذي يقع علي بعد بضعة كيلومترات.. كنت احاول ان افعل شيئا وان لم اقدر فغرق قبطان السفينة مع سفينته عمل شريف… كان يفصلني عن جنود ذلك الفصيل الامريكي الذي ترجل من ناقلاته بضعة امتار وانا خلف جذع احدي اشجار النخيل الذي غطت قاعدته مجموعة من الفسائل الناشئة حديثا وقد عجبت من صغر اعمار اولئك الجنود الذين يضعون مانعات التراب البلاستيكية علي عيونهم وبعد مداولة بين مضيفي وآمر فصيلهم (كان ضابطا من اصول افريقية) انتشروا في المكان وبدأوا يمشطون حافات البستان بعدة صليات من رشاشات دروعهم (البرادلي) وبعد نصف ساعة خرجوا من البستان الا انهم احاطوا به كاحاطة السوار بالمعصم وانا في غم شديد وانا اشاهد الامريكان قد اصبحوا علي ابواب بغداد الجنوبية. فنان نمساوي متطوع امن لي انذارا مبكرا بدأنا اشتباكاً محدودا بمحدودية الاعتدة المتيسرة بالاسلحة الخفيفة فجر يوم الرابع من نيسان (ابريل) بعدد من جنودنا وضباطنا المتبقين في هذه المنطقه مع قوة امريكية منفتحة في المنطقة، ولم يحدث اي شيء اخر بعدها ذو قيمة.. لقد حاولت الاتصال بقطعاتي وتجميع ما يمكن تجميعه الا اني فشلت في مسعاي، وشاهدت تصاعد الحشود العسكرية الامريكية ثم حركتها باتجاه الشمال اي باتجاه بغداد يزداد يوما بعد يوم والالم يعصرني ويحزنني كثيرا وكان بين جوانحي نار وقودها لا ينضب وكان مضيفي سعيدا جدا باقتراب نهاية النظام السياسي العراقي ويأمل كل الخير في الامريكان ولا اعرف بالضبط ما هو اتجاهه السياسي الا انني كنت انظر الي الامور نظرة مختلفة عنه، وحسب فهمي لطبيعة الامورالسياسية والامنية والاجتماعية والاقتصادية في بلادنا فان الفراغ الهائل والسريع الناتج عن سقوط نظامنا السياسي وعدم توفر مراكز قوي سياسية فاعلة ومخلفات صراعنا الطويل مع ايران سيخلق مسببات اعصار قوي سيعصف بالبلاد، وكنت اتضرع الي الله الرحمن الرحيم ان يرحم هذا الشعب الذي ابتلي بنتائج السياسات الحمقاء فحولته الظروف القاسية والحروب الطويلة والحصار الظالم من شعب ودود الي شعب بالغ التعقيد، كان لدي مضيفي فنان نمساوي يدعي (ماريو) وهو من الرسامين النادرين الذين يرسمون الطبيعة ليلا، وقد تطوع مع من تطوع من العالم كدروع بشرية في محاولة لمنع الحرب من الاندلاع، وقد ادهشني بمشاعره الانسانية العظيمة تجاه الشعب العراقي وتجاهي شخصيا حيث كان يؤمن لي الانذار المبكر عند اقتراب الجنود الامريكان منا، ومن غرائب الاحداث وخلال تواجدي وحركتي قريبا من وحدات العدو، رحت اتفحص طبائع وتجهيزات واسلحة القوات الامريكية بحذر شديد، وفي احدي المرات كدت المس عجلات المروحية المسلحة الامريكية نوع (اباتشي) حين هبطت طائرتان منها في المكان الذي كنت مختبئا فيه ثم اقلعتا بعد توقف قليل. العدو يندفع بسرعة نحو بغدادفي ليلة 6 علي 7 نيسان (ابريل) شاهدت اندفاعات سريعة للعدو تجاه بغداد لقد كدت اموت حزناً تلك الليلة، فقد انتهي كل شيء وبغداد بل العراق علي شفا الهاوية ليسقط صريعا فيها. اما قواتي علي محور دجلة فقد تقهقرت بعد سلسلة من المعارك ضد المارينز المسندين بالقوة الجوية والمروحيات المسلحة وكانت طائرات (الشينوك) تقوم بسلسلة من الانزالات التعبوية خلف قواتنا هناك لقد ادي معظم رجال فيلقي دورهم بشرف والحمد لله. الانهيار. لقد شكل وصول الارتال الامريكية ليلة 4 علي 5 نيسان(ابريل) الي مداخل ومخارج العاصمة العراقية بغداد التي ضربتها واحرقتها الاف الصواريخ الجوالة والقنابل الجوية مما احدث صدمة معنوية ومادية عنيفة للقيادتين السياسية والعسكرية، بل علي من كان في بغداد مدافعا او ساكنا فيها، وكان للعبور السريع علي الجسر الاستراتيجي المسمي (جسر القائد) الذي يوصل منطقة غرب الفرات بشرقه من قبل القوات الامريكية من ناحية النتائج صورة مصغرة وشبيهة بعبور القوات الامريكية جسر (ريماغن) علي نهر (الراين) غربي المانيا عام 1944 والذي سرع في احتلال عاصمة (الرايخ الثالث)، وقد تلكأ آمر حرس التخريب (آمر كتيبة استطلاع الفتح المبين ح ج) العقيد الركن روكان العجيلي في تنفيذ الامر الصادر اليه قبل عشرة ايام من قبلي (شفويا وتحريريا) وينص بنسف ذلك الجسر متي ما شعر باقتراب العدو منه، ويقال ولا اعلم دقة ذلك ان رئيس اركان فيلقي عندما التقي به، وحرصا عليّ واخلاصا لي قال له بالحرف الواحد: اياك ان تنفذ هذا الامر لان السيد الرئيس لم يوافق علي نسفه واذا فعلت فستعلم ماذا سيحل بقائدنا! واعتقد انه لولا حذر الامريكان الشديد لكان يوم سقوط بغداد هو الخامس من نيسان (ابريل) 2003 خاصة من جانبها الغربي، حيث توقف الرتل الامريكي الواصل الي منطقة (ابي غريب) والمطار الدولي وعلي حافته الشرقية يقع القصر الرئاسي في الرضوانية، كذلك نجاح قوة الاستطلاع التي نفذتها في اليوم التالي قوة مدرعة صغيرة بحماية المروحيات (اباتشي) وطائرات مقاتلة الدروع نوع (اي 10) التي اخترقت الطريق الجنوبي من منطقة الدورة ـ مفرق الطريق السريع عند جامع ام الطبول ـ طريق المطار الدولي، وقد ساعد السياج الامني للطريق علي نجاح تلك القوة في تحقيق مهمتها بدون مقاومات، ومن غريب المواقف ان الرئيس صدام حسين قد واجه هذا الموقف بعناصر من حمايته الشخصية حيث دمروا دبابتين امريكيتين من هذه القوة وقد راقب هذا الموقف وهو جالس في مظلة انتظار الحافلات امام السياج الخارجي لجامع ام الطبول وهو في حالة اسي وذهول، وقبلها كاد الرئيس واعضاء القيادة يقتلون في مقر اجتماع سري في حي المنصور ببغداد بفعل المتعاونين مع القوات الامريكية. وعودة الي قوات فيلق الله اكبر حرس جمهوري التي بدأت تنهار معنوياتها مع معظم القوات المدافعة عن بغداد، ووفقا لرواية قائد الفيلق فان معظم العناصر القتالية وخاصة الجنود قد تركوا دباباتهم واسلحتهم منذ ذلك اليوم تدريجيا حتي وصلت الاعداد القتالية يوم التاسع من نيسان (ابريل) الي بضعة جنود وعشرات الضباط في كل لواء قتالي.. واكد هذا لي العميد الركن محمد سطم رئيس اركان فرقة النداء التي كانت تدافع عن القسم الشرقي من بغداد بعدما خرجت من امرتي الي امرة الفيلق اعلاه يوم الثالث من نيسان (ابريل). الامريكيون استخدموا كثافة نارية هائلة في معركة المطارفي السادس من نيسان (ابريل) فشل الهجوم المقابل الذي شنته عناصر مختلفة من الحرس الجمهوري الخاص الذي يقوده العميد الركن برزان عبد الغفور الناصري (ابن عم الرئيس) ومن فدائيي صدام ومن بعض الاجهزة الامنية والحماية الخاصة وبعض الفدائيين وبعض عناصر ح ج وباسناد مدفعية ح ج نتيجة استخدام الامريكان كثافة نارية هائلة فيها الكثير من الاعتدة الحارقة، وقد سبق للامريكان دخول الجزء الغربي من مطار بغداد الدولي ثم انسحبوا منه لشدة خسائرهم علي ما يبدو، فاعقب ذلك قصف امريكي شديد للهدف (المطار) ويعتقد انهم استخدموا اعتدة ذات تأثير فائق، وما قيل عن تفاصيل معركة المطار يشوبه الكثير من الضبابية بل المبالغات والمغالطات احيانا فمعظم القوات التي كلفت بأمر مباشر من الرئيس صدام حسين ونجله قصي بعد الهجوم المقابل اعلاه قد تحددت ما بين ساحة (ابن فرناس) و مدخل منطقة المطار، لقد شوهد الرئيس صدام حسين وهو في معنويات عالية في عدة اماكن من بغداد. وفي ليلة 6 علي 7 نيسان (بريل) اعفي الرئيس صدام حسين رئيس اركان الحرس الجمهوري الفريق اول سيف الدوري من منصبه وقال له بالحرف الواحد: لقد سلبت ارادة الحرس الجمهوري علي القتال. لقد كنت فيك مخطئا ولم تكن تقديراتك صحيحة لكل المواقف! واوكلت قيادة ح ج الي وزير الدفاع الفريق سلطان ورئيس اركان الجيش الفريق ابراهيم اللذين طالما تآمر عليهما ذلك الرجل. الا ان المومأ اليه لم يترك ميدان المعركة بالرغم من حالة الاحباط التي ظهر فيها، حيث ابدي شجاعة كبيرة وكأنه يريد الموت ولم يبق معه الا ولده يحمل سلاحا لحمايته، وكان مقر الحرس الجمهوري يكن له الاحترام خاصة ضباط ركنه وعلي رأسهم مدير الاركان العامة وكذلك قائد فيلق الله اكبر ح ج الذي كان مجبرا علي مرافقته. القوات الامريكية تتوغلفي بغداد من عدة اتجاهاتفي اليوم السابع من نيسان (ابريل) تمكنت القوات الامريكية من التوغل في بغداد من جنوبها الشرقي ومن شرقها (النهروان ـ الرستمية) ومن غربها (الرضوانية ـ المطار الدولي ـ القصر الرئاسي) الجزء الغربي منه تحديدا، ومن جنوبها الغربي (الدورة ـ الطريق السريع ـ مدخل الكرادة) من جهة جسر الطابقين، في الوقت الذي كان الطيران الامريكي المضاد للدروع قد امعن تدميرا في دروع ح ج ـ فرقة حمورابي ح ج ـ فرقة عدنان ح ج ـ فرقة النداء ح ج، وضعفت معنويات المدافعين إلي ادني حد لها، وتم نسف جسري نهر ديالي وجسر المثني علي نهر دجلة شمالي بغداد من قبل هندسة فرقة النداء وهندسة مقر ح ج وانهار الجهاز الحزبي، فبدأت المظاهر المسلحة تختفي تدريجيا من شوارع بغداد، ومع كل ذلك ظهرالرئيس صدام حسين في اجتماع مع بعض عناصر المقر العام للجيش والحرس الجمهوري برباطة جأش وردد اكثر من مرة امام الحضور انه يري النصر قريباً جدا. في يوم الثامن من نيسان (ابريل) اصدر علي حسن المجيد الذي وصل سالما من البصرة بواسطة عجلة اسعاف امرا لتجميع جميع ضباط المقر العام من رتبة فريق الي ملازم في نادي الضباط بمنطقة (الكسرة) لتوزيع الاحزمة الناسفة عليهم لتدمير الدروع المعادية باجسادهم، ولا اعرف ما درجة تنفيذ هذا الامر الغريب، فقد كانت دوائر رئاسة اركان الجيش وكبار ضباط الجيش والقوات المسلحة يأمل كل واحد منهم ان يغادر مكانه باسلوب مشرف قدر الامكان، وكان رئيس اركان الجيش يرتدي الملابس المدنية لاسباب امنية وتلاشت الحمايات الخاصة للمناصب العليا. في هذا اليوم، انهارت قواتنا في الشمال تماما، واحتلت الفرقة الامريكية المحمولة جوا (101) باسناد قوات الاحزاب الكردية مقري الفيلقين الاول والخامس دون ان يفعلا شيئا يذكر، وكذلك قوات الفيلق الثاني ! وفي هذا اليوم دخلت الدبابات الامريكية داخل بغداد من مركزها الغربي وسيطرت علي جسورها تجاه مقاومه شديدة لكنها متفرقة، وكان معظم ابطالها المتطوعون العرب الذين قدموا الي بغداد قبل مدة وجيزة من الحرب. في مساء هذا اليوم ذاته ظهر نجل الرئيس (قصي صدام حسين) في حالة من الوهن الشديد بل الانهيار المعنوي التام بحيث لم يتمكن في بعض الاحيان من النزول من عجلته الخاصة عكس ما ظهر عليه طيلة مدة الحرب من هدوء ورباطة جأش وشجاعة، وكأنه يريد من مقر ح ج ان يترك مكانه ليخرج هذا القائد السياسي الشاب بماء الوجه امام ضباطه الذين عاش معهم بتماس اكثر من عشر سنوات. لقد نجحت قوات المارينز وبعض القوات المدرعة الامريكية من اختراق بغداد من جنوبها وشمالها الشرقي، بينما اخترقت قوات الفيلق الخامس الامريكي جنوبها وشمالها الغربي. وسقطت بغداد في ايدي المارينز في يوم التاسع من نيسان (ابريل) 2003 دخلت قوات الفرقة الثالثة الامريكية وقوات المارينز بغداد من الغرب والشرق وكان المشهد (الدراماتيكي) والمعد باخراج شبه سينمائي في اسقاط التمثال الكبير للرئيس العراقي صدام حسين في ساحة (الفردوس) المجاورة لمنطقة الفنادق ايذانا بسقوط نظام حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين بعد 35 سنة من الحكم، وقد شوهد الرئيس صدام حسين في ذات الوقت مع زمرة من الحماية الشخصية في حي الاعظمية قرب جامع ابي حنيفة يشق طريقه بصعوبة وسط مئات من المواطنين الذين كانوا يحيونه باخلاص، ثم غادرهم نحو شمال العاصمة وهو في حالة نفسية لا بأس بها ثم عقبه علي حسن المجيد ويظن ان رئيس اركان الجيش كان يرافقه مع مجموعة من الفدائيين والمتطوعين العرب حيث خاضوا آخر معركة عند جسر الطارمية ضد القوات الامريكية المعقبة واستشهد من هؤلاء 11 فدائيا، وكان المومأ اليه قبل ليلة يبحث مع قائد الفيلق الاول ح ج ورئيس اركان ح ج خطة مقترحة للانتقال من العاصمة الي الانبار في الغرب. اما نجلا الرئيس وجزء من عوائلهم فقد سلكوا الطريق نحو الانبار ثم قصدوا الحدود السورية وقد تعقبتهم الطائرات الامريكية التي قصفت احدي الدور المشتبهة بايوائهم، فنتج عن ذلك مجزرة راح ضحيتها اكثر من عشرين بريئا من النساء والاطفال. لقد ذهل العالم لسرعة سقوط بغداد وذهل اكثر عندما شاهد من خلال وسائل الاعلام والتلفزة انطلاق اكبر فوضي في بلد احتلته جيوش دولة اجنبية وكان صفحة من صفحات التاريخ الهمجي للبشرية قد اعيدت في بغداد، فقبل 745 عاما عندما سقطت بغداد بيد المغول سلبت ونهبت واحرقت، فقد قامت جماعات من الرعاع والدهماء والغوغاء من اطراف مدينة بغداد بتشجيع المحتلين وامام انظارهم لتجهز علي ما تبقي من بغداد سالما. وبالتأكيد فان القوات الامريكية تتحمل مسؤولية اخلاقية وتاريخية في ما جري للعراق، لان جيوش الدول المتحضرة تعي ما تفعل وهناك ثوابت اخلاقية وادارية للاحتلال العسكري باعلان تشكيل حكومة عسكرية للشؤون المدنية مع الاعلان عن حالة الطوارئ وعدم التجوال وهذا ما لم يحدث. واخيرا ليس لي الا ان اقول: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا اصرا، كما حملته علي الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا علي القوم الكافرين. 7