لخبطة

حجم الخط
0

لخبطة

محمود البياتيلخبطةحكايةجلسا متقابلين حول مائدة صغيرة.طلب خليلو زجاجتي نبيذ ابيض، وطلب رفيق صحن تشيبس. كان بار ريتشموند فسيحا والانارة جيدة والزبائن قليلين.منذ شهرين وخليلو يتحدث، ما بين الجد والمزاح، عن نظرية استوحاها، كما يدعي، من آلام ومفارقات حرب الخليج والحصار وميكافيلي وعبارة ماركس الشهيرة الانسان اثمن رأسمال . تنحنح عدة مرات، وقال:ـ أنا فقدت إيماني بالنظريات. انا ضد كل النظريات الآن.اعترض رفيق بحدة:ـ لكن الانسان يحتاج الي نظريات تساعد في تفسير العالم وتغييره.ايده خليلو وهو يوشك علي اشعال سيجارة:ـ صح. انا عندي نظرية جديدة.رأي الدهشة في عيون رفيق. صب النادل النبيذ في كأسيهما وترك الزجاجتين علي المائدة ومضي.اضاف خليلو:ـ نظريتي زكتها مواقف شخصيات واحزاب عريقة وجديدة.حك رفيق رأسه الأصلع، وسأل:ـ يمكن ان تشرحها لي باختصار؟قطب خليلو الجبين الواسع وقال بنبرة واثقة:ـ نظريتي تثبت ان الانسان واحد من اثنين، اما عميل او مجنون.غمز رفيق باسماً بمكر:ـ انت ايضا انسان يا خليلو !ـ نعم (واعقب بسرعة) انا مجنون (ثم استدرك) حتي الآن.قهقه رفيق وسأل باستهزاء خفي:ـ وانا؟اجاب خليلو بعد ان مضغ شريحتي تشيبس مالحتين:ـ استطيع معرفة ذلك باختبار بسيط.ـ هيا !اشعل رفيق سيجارة وصب النبيذ لنفسه ولخليلو الذي بدأ طرح الأسئلة:ـ تقبل ان تكون عميلا لجهاز مخابرات اجنبية بمرتب شهري قدره الف دولار؟انفجر رفيق غاضبا:ـ ما هذا السؤال السخيف؟ الا تستحي؟ انت تعرفني جيدا…تعوَّدَ خليلو علي انفجارات الناس سريعي التهيج لدي محاولة اقناعهم بنظريته، فدعاه للتريث والهدوء:ـ مهلا مهلا، لا تغضب.انا اسألك وانت حر في ان ترد بنعم او لا.ـ طبعا لا.ـ جيد.واذا اعطوك خمسة آلاف (وأعقب) شهرياً، لا احد يعلم؟كاد رفيق ان ينفجر ثانية لو لم يسرع خليلو الي تهدئته:ـ مهلا مهلا، لا تغضب ولا تزعل. رِدْ بنعم او لا.ـ طبعا لا.ـ مليون؟ـ لا.ـ مليار؟ـ لا.ـ انت اذن… مجنون !ابتهج رفيق، ثم عبس، بينما لخص خليلو فحوي ما قصد بهدوءِ استاذٍ قدير:ـ هكذا بوسعي، او بوسعهم، زيادة المبلغ الي ما لا نهاية. فاذا قبلت، انت عميل، واذا لم تقبل، انت مجنون.احس رفيق انه حشر في الركن. حاول الهاء خليلو بأي موضوع ريثما يهيئ حججاً تدحض نظريته، فدمدم:ـ وما هو مفهومك للعمالة؟ابتسم خليلو بارتياح. كان يتوقع السؤال هذا، او يريده. اعاد الكأس الفارغة الي المائدة وملأها، ثم اجاب:ـ ذلك سيبين، يا رفيقي العزيز، في قاموسٍ انكبُ علي تأليفه للأجيال القادمة.فهو يعيد تعريف مفهوم (العميل) فضلا عن مفاهيم اخري كثيرة كانت متداولة قبل وقوع حرب الخليج مثل، تقدمي، يساري، خائن، استعمار، سيادة وطنية، عامل ذاتي وموضوعي، نهب ثروات قومية، حلقة مركزية في النضال، حليف وعدو رئيسي وثانوي، الي آخره… لاحظ خليلو دخول رجلين بنظارات سوداء.اختلسا النظر الي وجوه الحاضرين قبل ان يتوجها الي البار. كان قد شاهدهما مرارا في التلفزيون معممين. لم يبلغ رفيق كيلا ينحرف مجري الحديث.شرب كل ما تبقي في الكأس واستفاض في تعداد مشاريع المستقبل الوهمية:ـ وسأصدر ايضا سلسلة كراريس تفند نظريات عتيقة كانت تنفي، علي نحو اخرق وجازم، امكانية تلاقي مصالح حركات التحرر الوطني، في ظرف تاريخي معين، مع مصالح القوي الامبريالية والاحتكارات…كان رفيق يتابع بارتياب كلام خليلو، واراد ان يعترض، لكن نادلا اشقر وقف فوق رأسيهما ملتمساً تسديد الحساب، فداعبه خليلو بالعربية:ـ انت مقتنع بنظريتي؟فوجئ بالنادل يرد بلهجة مصرية طليقة:ـ طبعاً يا فندم.ـ آ، عربي الأخ؟!ـ من زماااان.ـ كيف اقتنعت؟ انت لا تعرف نظريتي.ـ ده مش ضروري ابدا. بس قول لي، بلا مؤاخذه، هي نظرية سيادتك زي نظرية المرحوم، الله يغفر ذنوبه، ماركس يعني؟ـ وكمان تعرف ماركس؟!ـ ليس شخصياً (قالها بأبّهة) لكن قرأت له في عهد طيش الشباب رأس المال. قرأت لنين، والكادح ابن الكادح غوركي، تروتسكي، وبريسترويكا لمستر غورباتشوف…اطراه خليلو وهو يخرج محفظة النقود من جيب السروال الخلفي، ثم سأل:ـ وماذا تقرأ في هذه الايام؟ـ لا شيء. اقرأُ كفي فقط. انا مضطر اشتغل جرسون. خادمك بروليتاري رث. عندي خمسة اطفال من زوجتي الأولي في القاهرة، وثلاثة من الثانية التي تعيش معي هنا في لندن. (واضاف بصوت خفيض) ولو عايز تنبسط اتبعني الي صالون التواليت. عندي حشيشة بأسعار متهاودة للأصدقاء والمفكرين زي سيادتك، نستطيع ندخن هناك ونواصل بهداوة ومزاج حوارنا الفلسفي.كاتب من العراق يقيم في السويدQSR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية