تحضيرات قمة الرياض ملبدة بالخلافات: إنزالات سورية وليبية خلف الرباعية .. واحتكاك بين الشرع وأبو الغيط والخطيب
شغب مصري متقطع.. وارباك في التنسيق.. كبار العائلة السعودية ليسوا موحدين .. ولقاء عمان الثلاثي يحاول الترميم فتور إماراتي.. حماس كويتي مفاجيء.. سيناريو الحرب علي إيران يقلق دول الخليج الصغيرة.. والأمير بندر يتحكم بالتصور الأمني وعمان حائرة:تحضيرات قمة الرياض ملبدة بالخلافات: إنزالات سورية وليبية خلف الرباعية .. واحتكاك بين الشرع وأبو الغيط والخطيبعمان ـ القدس العربي ـ من بسام البدارين: يعكس وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط مزاج بلاده الدبلوماسي المتقلب وهو يتحدث عن علاقات متميزة وحلقات اتصال وتنسيق مع الاردن مسقطا المفردة التي ترد بالعادة في البيانات الدبلوماسية حول وجود موقف موحد ازاء القضايا المطروحة تحديدا علي جدول اعمال قمة الرياض العربية الوشيكة التي تعقد في ظرف حساس للغاية. وابو الغيط استبق وقوفه امس الاربعاء في محطة عمان بتعليقات دبلوماسية تنطوي علي المجاملة تمهيدا للقاء الثلاثي المهم الذي جمعه بنظيريه الاردني عبد الاله الخطيب والسعودي سعود الفيصل وسط غياب واضح، ويطرح التساؤل للطرف الرابع في هذه المجموعة وهو وزير خارجية الامارات الذي اثار غيابه عن اجتماعات التنسيق جدلا وتساؤلات لها ما يبررها في الواقع. ومجاملة ابو الغيط للاردنيين تحديدا غابت عنها بوضوح عبارة المواقف الموحدة، وهو غياب لا يمكن اسقاطه من حساب رجل مخضرم مثل ابو الغيط يوزن الاحرف وليس الكلمات فقط، خصوصا بعدما لمس المراقبون والاعلاميون تلك المفارقة التي تثبت بان عمان والقاهرة لا تقفان في الواقع في نفس النقطة عندما يتعلق الامر بالتفاصيل وتحديدا تلك المعنية بحركة حماس وبشروط الرباعية الدولية وباحتمالات تعديل بنود المبادرة العربية التي تحمل اسم وبصمة الملك عبد الله بن عبد العزيز. ورغم ان السفارة المصرية في عمان اجتهدت خلال اليومين الماضيين لكي تمحي او تعيد انتاج كل مشهد صحافي واعلامي يتحدث عن خلافات مع الاردن، رغم ذلك كان ابو الغيط مكشوفا في تجنب الاشارة لوجود تصور موحد بين الجانبين، وكانت عمان الدبلوماسية مكشوفة ايضا وهي تكتفي بين الحين والآخر بامتداح الشقيقة الكبري والتلميح للتنسيق معها بدون التجرأ علي ذكر نفس المفردة وبدون اعلان اي موقف علني يتقاطع مع المصريين. وكواليس صناع القرار في عمان لا تكتفي بالقول الصريح بان القاهرة ليست معنا، لكنها تشير لمحاولات انزال مصرية بين الحين والآخر بقصد احباط فكرة او تحركا اردنيا، فعمان تعاني من هذه التحرشات والمطبات المصرية التي تزرع في طريقها احيانا اما بقصد اعاقتها وعرقلتها، او تحت عنوان استعادة الدور المصري المحوري بعدما خطف اللاعب الاردني الذكي بعضا منه. بهذه الذهنية تستقبل عمان ابو الغيط وبها نفسها يشارك شيخ الدبلوماسية المصرية في اللقاء الثلاثي علي الارض الاردنية، فيما لا تعكس ابتسامات الكاميرات ولا تعليقات المجاملة حقائق الموقف والوقائع الجذرية في عمق الترتيب لان الذهنية المصرية علي حد تعبير سياسي اردني مخضرم لا تقبل مجرد فكرة وجود دور اساسي ومحوري لدولة صغيرة مثل الاردن.والدور الاردني من حيث المحفزات والدوافع والحدود لم يعد مجالا للنقاش مرحليا بل اصبح واقعا ديناميكيا تتعامل معه بقية الاطراف، خصوصا بعد الخطاب المؤثر الاخير للملك عبد الله الثاني في الكونغرس الامريكي، والمهم الان هو تحليل وقراءة ابعاد الصورة البانورامية العربية قبيل ايام قليلة من انعقاد قمة الرياض المهمة بشكل استثنائي. الهدف المعلن والمفترض من لقاء الوزراء الثلاثي في عمان امس هو تباحث بجدول اعمال القمة العربية كما قال ابو الغيط، لكن الهدف الابعد هو ممارسة لعبة جس النبض بين الدول الثلاث التي اخذت علي عاتقها حل الصراع العربي ـ الاسرائيلي واغلاق ملف عملية السلام وبعدها القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية. ولعبة جس النبض هذه تمارس بسبب الانزالات الطارئة التي تحصل هنا وهناك او بين الحين والآخر في العواصم العربية قبيل القمة، وتعكس اللعبة بنفس الوقت عدم وجود اتفاق نهائي حتي بين دول الطوق الثلاث علي تفاصيل خارطة العمل وتحديدا علي الموقف من احتمال او سيناريو تعديل وثيقة المبادرة العربية. ويفترض باللقاء الثلاثي في عمان ان يبدد ولو نسبيا حلقات الغموض في الفضاء العربي قبل الجلوس علي طاولة واحدة في قمة الرياض وهو تبديد تحول الان الي ضرورة ملحة بعد ان مارست سورية انزالا مؤثرا في الساحة الخلفية للاردن وللقصر الملكي السعودي حصريا عبر الزيارة المهمة التي قام بها الرجل الثاني فاروق الشرع للقاهرة ملتقيا بحسني مبارك ومسجلا نصرا تكتيكيا عبر لغة موحدة اعقبت الزيارة وانتهت بتوحد في موقف يرفض مبدئيا اي توجه لاقتراح تعديلات علي وثيقة المبادرة العربية، سواء تعديلات لها علاقة بمضمون وثائق الرباعية الدولية او لها علاقة بملف اللاجئين والحدود. ولاسباب لها علاقة بحسابات الرئاسة المصرية مع المجموعة النشطة في حلقات القصر الملكي السعودي منحت القاهرة الشرع ما يريده من هذا الموقف تحت عنوان تقارب تصالحي الي حد ما لاغراض انجاح القمة علما بان موقف الرئاسة المصرية له علاقة بحسابات النكاية، سواء ضد عمان او ضد بعض الحلقات المؤثرة في الرياض.وليس سرا ان الشرع حصل من مبارك علي ما يريده بعد ايام قليلة من اشتباك لفظي بين وزير الخارجية السوري وليد المعلم والسفير الاردني في القاهرة عمر الرفاعي، وليس سرا ان دبلوماسية عمان شعرت ببعض القلق والرغبة في الاستفهام عندما رصدت تجاوبا سريعا لصدي زيارة الشرع للقاهرة من قبل الامير سعود الفيصل شخصيا الذي وضع بدوره في المؤتمر الصحافي المشترك مع خافيير سولانا حاجزا لا يستهان به عندما صرح بان وثيقة المبادرة العربية ليست مجالا للتفاوض متخذا لنفسه في ما يبدو موقفا وسطيا في بؤرة الصراع الداخلي في بلاده بين مجموعة المؤثر الامير بندر بن سلطان وبين مجموعة الامير سلطان نفسه. ولذلك تشعر عمان بحاجتها الضرورية لفهم ابعاد تصريحات الامير سعود التي وضعت مسبقا سقفا صلبا لاجندة قمة الرياض وسعت عمان لان تتأكد بان المؤسسة السعودية موحدة وراء هذا السقف الذي وضعه الامير الفيصل بخصوص اي اقتراحات ديناميكية يمكن ان تجعل وثيقة المبادرة العربية اقوي واكثر تأثيرا في المجتمع الدولي وفقا لوجهة النظر الاردنية. وعمان في الواقع لا تتبني علنا اي مقترحات لتعديل المبادرة لكنها تتحدث عن موازين واعتبارات لها علاقة بالمجتمع الدولي والكونغرس والصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين ولها علاقة باقتناص اللحظة الراهنة مما يعني انها لا تفضل اعتبار وثيقة المبادرة نصا مقدسا دون ان تتبني علنا اي مقترحات محددة يمكن ان تكلفها كثيرا وتضعها في دائرة الاتهامات المعتادة وتحديدا من قبل السوريين وبعض الفلسطينيين. ويبدو ان مشكلة عمان التي يضغط عليها الوقت لا تقف فقط عند الازدواجية التي يستخدمها المصريون ولا عند اللوبي الصهيوني ولا حتي عند الفتور الاماراتي، لكنها تصل ايضا لحد التأثر بالحسابات السعودية الداخلية خصوصا في ظل المعطيات التي تؤكد بان كبار العائلة السعودية ليسوا موحدين لا في مجال التكتيك ولا في مجال الاستراتيجية تجاه القضايا والملفات الملحة المطروحة ابتداء من البعد الفلسطيني وحركة حماس وانتهاء بالملف الايراني وتركيبته المعقدة، مرورا بالاستسلام المطلق للسيناريوهات الامريكية التي تواجه في الواقع فشلا بعد الآخر.اذا ثمة حلقات غموض مربكة في عمق المشهد السعودي نفسه تسبق القمة العربية وهي حلقات تعزز الانطباع بان اجواء القمة العربية ليست مواتية حتي اللحظة للخروج بموقف جماعي مريح تجاه القضية المركزية الان وهي القضية الفلسطينية، فالحراك الاردني يخلق وقائع جديدة علي الارض لكنه يثير اطرافا اخري في الحلقة العربية ولا يعجب كثيرين، والموقف السعودي يتنقل ما بين الاشقاء الحردانين من بعضهم البعض ويحاول صناعة مساحات ولو وهمية من الاحتضان والدفء قبل القمة والقاهرة مشغولة بهوسها الداخلي وباستعادة دورها المفقود وسورية مهووسة بدورها في تأديب من يعارضها او يتهمها في عمان وفي بيروت وحتي في السعودية اكثر من هوسها باقتراح برامج وحلول عملية وممكنة مع ان الكويت ابلغت فجأة برغبتها في الإلتحاق بالسعوديين، اما دول الخليج الصغيرة فحساباتها تقاس علي اساس يومي وما يهمها اكثر من التوافق العربي استبعاد شبح الحرب علي ايران.مع ذلك تشاغب ليبيا علي الجميع وتحرم العلاقة السلبية بين المغرب والجزائر العالم العربي الشرقي من مناصرة مغاربية جماعية والفلسطينون بدورهم خارج حسابات الكلمة الواحدة بسبب وجود اكثر من فتح واحدة وعدة حماسات وسلطات واجهزة. وسط هذه الفوضي العارمة تحاول قمة الرياض تحسين شروط التفاوض العربية في مواجهة خطط ومشاريع مجانين الادارة الامريكية.. ووسط هذه التعقيدات حاول اللقاء الثلاثي امس في عمان ترميم ما يمكن ترميمه والوصول الي طاولة قمة الرياض بالحد الادني من الخسائر والتكلفة، لكن الاحباطات وحتي امس الاربعاء تحيط باجواء التحضير للقمة العربية.