روسيا بقيادة بوتين تبني نموذجا يجمع بين المركزية وتشجيع القطاعين الخاص والاجنبي
دون ركيزة ايديولوجية متحولة الي دولة عظمي اقتصادية جديدة قادمة روسيا بقيادة بوتين تبني نموذجا يجمع بين المركزية وتشجيع القطاعين الخاص والاجنبي النظام الروسي بقيادة بوتين يدوس الديمقراطية ويلاحق المعارضين ويخوض حربا قمعية دموية في الشيشان ويُقدم علي الاغتيالات والتسميم. كل هذا معروف. ولكن الامر الأقل معرفة هو ذلك التغير الدراماتيكي الذي حدث علي اقتصاد روسيا، التغير الذي يضمن لبوتين ـ اذا رغب في ذلك فقط ـ ولاية اخري أو اثنتين.الدليل الأخير علي ذلك جاء من خلال نتائج الانتخابات التي جرت أمس الاول في 14 من بين 86 دائرة روسية. حركة سياسية جديدة روسيا العادلة خاضت الانتخابات الي جانب الحزب الحاكم الرسمي روسيا الواحدة .هذه الحركة الجديدة لا تملك برنامجا أو ايديولوجيا، ولكن لها دور: أن تكون عنوانا غير ضار لعشرات ملايين الروس الذين يحبون بوتين ولكنهم يكرهون حزبه. روسيا العادلة هي معارضة تابعة ومناورة توفر للكرملين ورقة التوت علي صورة انتخابات ديمقراطية متنوعة من دون أن يشكل ذلك خطرا علي سيطرته المطلقة علي الحكم.اللعبة نجحت: روسيا العادلة حظيت في الانتخابات اللوائية بنتائج كبيرة، ووضعت نفسها بمكانة الحزب رقم 2 في روسيا. انتصارات هذا الحزب سدت الطريق أمام حركات المعارضة الحقيقية، وأزالتها عن الخارطة. عندما ستجري الانتخابات البرلمانية في روسيا بعد ثمانية اشهر ستحصل روسيا العادلة علي عدد كبير من المقاعد، الأمر الذي سيكفيها لعقد تحالف راسخ وقوي مع روسيا الواحدة ، والحركتان كما أسلفنا ترتبطان من عمودهما الفقري بالرئيس بوتين.وهذا بالضبط ما يريده الروس. استطلاعات الرأي التي تجري في الشارع الروسي تعكس نفس الصورة: بين 70 ـ 75 في المئة منهم راضون عن بوتين، خصوصا من أعجوبته الاقتصادية المسجلة علي اسمه.تحسن الوضع الاقتصادي الروسي بدأ، كما هو معروف، في مطلع هذا القرن كتحصيل حاصل لارتفاع اسعار الطاقة والمواد الخام التي تغص الاراضي الروسية بها، ولكن بوتين وطاقمه أدركوا منذ أن وصلوا الي سدة الحكم جسامة وأهمية الفرصة السانحة، ولم يترددوا في استخدام قوتهم من اجل استغلالها بصورة كاملة. لهذا السبب قاموا بمساعدة الشرطة السرية والمحاكم الفاسدة باعادة تأميم شركات الطاقة الكبيرة وحولوها الي ذراع للنظام. الشركات وقعت علي عقود مع شركات غربية ونجحت في إغرائها باستثمار المليارات في الاقتصاد الروسي خصوصا في البني التحتية النفطية والغازية.أُضيفت الي ذلك اصلاحات اقتصادية كبيرة وبعيدة المدي. فرض ضريبة دخل بنسبة موحدة ومتدنية، قضي علي ظاهرة التهرب من دفع الضرائب واجتذب الاموال الي خزينة الدولة (الحكومة الروسية تمتلك فائض ميزانية بنسبة 8 في المئة من الناتج القومي). سن قوانين واضحة تشجب الملكية الخاصة، أتاح لرأس المال الاسود بأن يخرج من مخبئه ويستثمر في الممتلكات المثمرة. البنك المركزي الروسي شرع بحملة تطهير شاملة للشبكة البنكية التجارية من الجذور الجنائية. الرقابة علي العملات الاجنبية أُلغيت بشكل كامل تقريبا وأصبح من الممكن استبدال الروبل الروسي الذي تتعزز قوته من يوم الي يوم. الرواتب المرتفعة لعناصر الشرطة ساعدت في تنظيف الشوارع من الزعران، واستهلاك الفودكا انخفض. لدي روسيا الآن احتياطي من العملة الاجنبية الرسمية، بقيمة 320 مليار دولار، بالمقارنة مع 12 ملياراً قبل ثماني سنوات. الدخل الحقيقي الصافي للاقتصاد المنزلي الروسي يرتفع بـ 12 في المئة سنويا. نحو 20 مليون مواطن روسي نجوا من براثن الفقر. المنتوج المحلي للفرد الذي يُقاس بالدولارات، ارتفع بنسبة 300 في المئة. اغلبية المداخيل من النفط والغاز والمعادن تُستثمر من جديد في الاقتصاد الروسي مُسرعة النمو الاقتصادي في قطاعات اخري غير مرتبطة بالطاقة.مصانع الانتاج التي صدئت تعود الي العمل من جديد موظفة ملايين الأجيرين علي خطوط الانتاج الحيوية. المستثمرون يعودون الي روسيا بحذر حتي لا يخرجوا عما تركه لهم حكم بوتين المركزي، إلا أن تأثيرهم ملموس ايضا في مسافات بعيدة عن المدن الكبري. الضواحي الروسية تُغير طابعها، وتُعيد بناء نفسها وتبث أملا جديدا، ولكن الموجة العارمة من حماسة الاستثمار، كما في بولندا أو استونيا، لم تجرفها بعد.اقتصاد روسيا يمر في ذروة انقلاب صناعي جديد ما بعد الشيوعي، انقلابا يمزج التأميم الصناعي المضبوط بالرأسمالية المنفلتة والمعارضة السياسية المقموعة. هذا نموذج يحتوي علي عناصر من التجربة الصينية ـ سيطرة الدولة علي الصناعات الثقيلة وعلي الكنوز الطبيعية ووسائل الاعلام ـ ولكن من دون الأساس الايديولوجي الشيوعي الذي يمكنه أن يمزق الصين من الداخل.حكم بوتين ورفاقه قد ينهار بالطبع لاسباب اخري غير ايديولوجية. ليس من المؤكد بالمرة أن البوتينية كنهج اقتصادي ـ سياسي ستحافظ علي بقائها بعد خروج بوتين نفسه من الرئاسة بعد سنة. تجربة انشاء ديمقراطية وهمية بواسطة الاحزاب الكرتونية واضحة ولن تتمكن من النجاح لفترة طويلة. والارتفاع في مستوي الحياة يجر من ورائه كالعادة مطالب صاخبة بالحريات المدنية والتململ في غيابها. وأخيرا قد تهبط أسعار الطاقة ايضا بنسب مئوية كثيرة. سيناريوهات نهاية الأعجوبة الاقتصادية الروسية العجيبة كثيرة جدا اذا، ورغم ذلك هناك احتمالية عالية لاستمرارها. روسيا صعدت علي سكة الاتساع والازدهار السريع، وبعد 7 ـ 10 سنوات ستصبح دولة اقتصادية عظمي، جديدة ومفاجئة. الروس قادمون هذه المرة بجدية.سيفر بلوتسكيكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 14/3/2007