بدلع لكن بثقة في برهان العسل

حجم الخط
0

بدلع لكن بثقة في برهان العسل

عناية جابربدلع لكن بثقة في برهان العسل لست مطمئنة تماما الي سيل الروايات التي تكتبها بعض الكاتبات حاليا. تقلقني الاعترافات السهلة، والنبش في الرغبات الجنسية، وعرض المفاتن علي الورق، لغايات تستدعيها الترجمة كشرط اول، والانتشار، واثارة اللغط الابداعي! ايضا، لغايات لا افقه فيها، فلست طبيبة نفسية. تجد هذه الروايات علي غاياتها، من يهلل لها ويبارك جرأتها. بحسبي، ان الجرأة هي في الكشف الثقافي، في التجريب وفي العمل علي كل جديد، وفي قوة النص ومعرفته، وتوظيف بوحِه ـ اني كان هذا البوح ـ في خدمة الابداع اولا واخيرا.ان القوة الهائلة التي تتحرر، ويطلق لها العنان، هي قوة الشجاعة التي تواتي الكاتبات علي ان يرين العمل الابداعي، عملا جديا فعلا، يمكنهن من خلاله النظر الي حطامهن بوضوح اكثر، والي ارواحهن المرتعبة، المنسوجة من الظلام. بالكتابة نضمد جراح الجسد بكل الوعي الذاتي والانساني، وهي لا تؤتي ثمارها عبر العرض الرخيص او التدليل علي اللحم. سلوي النعيمي في برهان العسل تجد القوة في الاعتقاد بأنه من الممكن نسج ثقافة جديدة لاجسادنا من تراثنا نفسه، فعلية ومتصالحة معه، ومن خيوط المعرفة التي حملتها ابوابه الكثيرة، وتفضي جميعها الي اكتمال المتعة عبر البحث في اسراره. الشاعرة والصحافية النعيمي ـ تعيش في باريس ـ لاجل برهان العسل تنقلت بين كتب احمد بن يوسف التيفاشي، وعلي بن نصر، والسموأل بن يحيي، ونصر الدين الطوسي، ومحمد النفراوي، واحمد بن سليمان، وعلي الكاتبي القزويني، والسيوطي، والتيجاني، تقرأهم وتستعيدهم، تتمزمز بنصوصهم وتترجم حياتها الي كلماتهم، كأنها معهم بين اصدقاء.بدلع لكن بثقة، تتنقل الكاتبة في معارفها، وفي الحساسية العاطفية والجسدية والجمال البسيط، فنقرأ رغباتها واضحة، محددة في المعني العميق وفي الشجاعة، لتتسني لها الرؤية الشاملة. ثمة في برهان العسل الهوية الخاصة للكاتبة، والطاقة التي ترجو ان تحول في الثقافة البطريركية للجسد، الي ثقافة حياة وحب وميلاد جديد.لم يغب البعد السياسي في برهان العسل اذ تجلي واضحا لقرائه، الذين وجدها بعضهم حادة ومزعجة ومربكة في وضعها الاصبع موضع الجرح تماما، فيما البعض الآخر وجد الصفحات تنويرية وتنبيـــهية في بعدها الروحي ـ اشدد الروحي ـ وان تبدي جنسيا خادعا علي غير حقيقته، ثم في الصورة الايجابية عن الذات للكاتبة، المتصالحة مع جسدها ومع العالم.تفهم سلوي النعيمي ان التعارض بين الروح والجسد، وبين الطبيعة والانسان، هو تعارض يستوطن الثقافة الغربية في العمق، فيما ثقافتنا العربية ذات بصيرة روحية تصعد وتطفو من خلال الانتباه للجسد ورغباته، وان تحقيق المصداقية والقوة الشخصيتين يعتمد علي فهم الكاتبة لتأصلها في ثقافتها وتراثها وعلاقتها بالرجل/ الحب.تقول النعيمي: ان من يقرأ كتب الجنس القديمة لا يمكن ان يعيش هذا البؤس النظري والعملي، لذا يجب اخراجها الي النور، من السرية الي العلنية، يجب الانتقال من الخوف منها الي المجاهرة بها، من حجبها الي الكشف عنها .يرتكز برهان العسل علي قصة حب غيرت في استلهامات الكاتبة، قصة بلورها الحب وانضجها التلاقي الجسدي، فلم تعد عن امرأة لم تكبر تماما، حزينة فاحشة بلا صوت، بل هو الجسد السعيد اخيرا، الفتي الرشيق الذي عرف الحب تماما، السعادة والجسد المطعون بالنور، والراية البيضاء للعاطفة التي تظلل كل شيء، ثم دسم الاكتفاء واللذة.تحت وشاح الشجاعة، نلمس كقراء الشحوب الخفيف لخفر الكاتبة. هذا عامل الاغراء الاشد فتكا لبرهان العسل. ان هذه المجاهرة العالية بفتوحات الكاتبة في كتابها، هي برأيي اغنية حب فقط. وللدقة سردها الشهواني ليس لعبا، وبطولة القول زاخرة بالاعتراف بالرجل شريكا حاضنا لسعادة الوصال التي تستلزم روحين وجسدين.لعبة البحث عن مفردات الغرام في التراث العربي موظفة بهدوء وبالاستخدام الصائب، لجعل الحياة شيئا بهيجا تماما. لعبة جعلتنا نصغي، نتأمل في اسرار تدرك الالوان والروائح والذكريات، اللمس والخوض الاقصي، لعبة تريد لنا متعة في منالنا، عبر الرغبة الحسية ونسق من جماليات الروح.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية