من أجل منع الأمة من السقوط في حبائل الفتنة: المسألة الشيعية كيف يمكن علاجها؟
ابن خلدون لم يبرئ يزيد بل أكد اجماع الكافة علي فسقه ولم يتهم الحسين بالخروج بل اعتبره ثائرالا يمكن اليوم ان يحالف الشيعي امريكا لغزو العراق بالفعل ثم يزعم محاربتهم لتحرير فلسطين بالكلاممن أجل منع الأمة من السقوط في حبائل الفتنة: المسألة الشيعية كيف يمكن علاجها؟أبو يعرب المرزوقي علتان تحولان دون المرء وعدم الكلام في المسألة الشيعية بعد أن استفحل الخلاف بين مذهبي الأمة الرئيسيين بفعل تأجيج الأعداء لمرض عضال أصاب الأمة منذ الفتنة الكبري وحان أوان علاجه الجذري حتي لا تذهب ريح الأمة: فأما العلة الأولي فهي ما وصلت إليه حال المسلمين في هذا الظرف العصيب وضرورة علاج العلاقة بين السنة والشيعة علاجا عقليا هادئا علنا نصل إلي فهم الداء فنكتشف الدواء. وهو ما كنت سأعرضه علي السادة الحاضرين لندوة تقريب المذاهب التي دعيت إليها ولم احضر بسبب ما كنت أتوقعه من انحصار اللقاء في أعراض المرض السياسية من المسألة وإهمال محددات فهمهما العلمي. وأما العلة الثانية فهي ما سمعته من رد تفوه به السيد حسن نصر الله في إحدي خطبه الأخيرة متكلما عن عالمين سنيين جليلين هما القاضي أبو بكر بن العربي وعبد الرحمن بن خلدون لم يذكرهما بالاسم لكنه لمح إليهما تلميح اتهام معتبرا رأييهما في مقتل الحسين تبريرا لجريمة زياد بن معاوية.اتهام عالمين جليلين لا مبرر لهيعلم الجميع أنه لا يوجد بين السنة من يمكن أن يتهم بالحط من شأن آل البيت خلال كل التاريخ الإسلامي. فهم يعتبرون عليا خليفة راشدا. وهم يضعون ابنيه في المنزلة التي يضعهما فيها الرسول الأكرم. وهم ينزلون الزهراء المنزلة التي كانت لها في قلب أبيها. وهم لا يسلمون بشرعية معاوية بل هو عندهم العلامة علي نهاية الخلافة الراشدة. وهم يجمعون علي تفسيق يزيد. والأهم من ذلك كله أخيرا أنهم لا يوظفون آل البيت في معارك سياسية داخلية لتأجيج الحرب بين قبائل الأمة (بين آل البيت وآل أبي سفيان في قريش) أو بين شعوبها (الشعوبية بين العرب والفرس في الأمة) بل وضعوا نظريات ثورية لتحرير الأمة من أدوائها لكي تتمكن من الاستئناف السوي بعد الفتنة: نظرية عدم التأثيم التي حللها ابن خلدون في المقدمة. لا أحد من السنة خاصتها وعامتها أقدم علي هذه التجارة لأنها خاسرة في الدنيا والآخرة حتي عند الظن بأنها رابحة في احداهما علي حساب اخراهما. ذلك أنهم ينزهونهم عن مثل هذه الدنايا. وفي هذا السياق جاء كلام القاضي أبي بكر ابن العربي وكلام العلامة ابن خلدون في مقتل الحسين بن الإمام علي كرم الله وجهه. فالأول لم يقل إن الحسين قد قتل بسيف جده بل قال قتل بشرع جده. والفرق شاسع. والأمانة واجبة. علي العلماء خاصة. وهو لم يتهمه بالخروج بل بتكليف نفسه ما ليس بوسعها. فلا يمكن لقاض من حجم ابن العربي أن يزل مثل هذه الزلة. لا يمكن أن يتهم حفيد رسول الله بالخروج بمعناه عند الخوارج خاصة ويزيد يفسقه السنة بإجماع علمائهم. إنما هو قد اعتبره خرج عن سنة الرسول في الدعوة ومقاومة الشر: فلو اتبع الحسين سنة الرسول في مقاومة الشر لطبق أولي القواعد أعني تحقيق شروط النجاح فيه حتي لا يعطي للشر فرصة الانتصار علي الخير. لذلك فقد مر الرسول الكريم نفسه بالمراحل الثلاث في استراتيجية مقاومة الشر: بدأها بالقلب ثم انتقل إليها باللسان ليصل في الغاية إلي مرحلة المقاومة باليد بعد أن حقق شروط النجاح. أما ابن خلدون فهو قد فسر رأي ابن العربي بهذا المعني الذي وصفنا فقال في إطار تبرئة الحسين رضي الله عنه مما قد يظن به من طلب للحكم معتبرا إياه قد ثار علي فسق يزيد: وأما الحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره. فرأي الحسين أن الخروج علي يزيد متعين من أجل فسقه لا سيما من له القدرة علي ذلك وظنها في نفسه بأهليته وشوكته. فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة. وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها لأن عصبية مضر كانت في قريش وعصبية قريش في عبد مناف وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه وإنمــــــــا نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهــــــول بالخوارق وأمر الوحي وتردد الملائكة لنصرة المسلمين (المقدمة دار الكتاب اللبناني ط.3 ص. 382-3 بيروت ص 1967).هل في هذا اتهام للحسين بالخروج وهل هو تبرير لمقتله؟ أم هو فهم لما حصل وتعليل علمي؟ أليس ذلك الشرط الضروري والكافي لتحرير المسلمين من عقدهم حتي تعود الأخوة بين فرق الأمة بعد فهم العلل الموضوعية لما حصل وتبادل العذر بين الفرقاء؟ فابن خلدون لم يبرئ يزيد بل فسقه بل أكد علي إجماع الكافة علي فسقه ولم يتهم الحسين بالخروج بمعناه عند الخوارج بل هو اعتبره ثائرا ضد الفسق ولم يحصر المسألة في الحسين بل هو اعتبر شيعة آل البيت من فضلاء الأمة الذين شاركوا السنة في الحكم بفسق يزيد وضرورة السعي لإصلاح شأن الأمة. ومعني ذلك أن الأمة لم تزل عندئذ علي وحدتها فلم يثر الحسين لأنه شيعي بل لأنه مسلم فحسب. أما القول إنه قتل بشرع جده وليس بسيف جده كما ورد في الخطاب فإنه يعني أنه لم يطبق سنة رسول الله في الدعوة إلي الحق التي تشترط توفير الأدوات التي تحقق الغايات: وهو ما اعتبره ابن خلدون خطأ سياسيا وليس خطأ شرعيا. متي سيخرج حزب الله من الازدواجية؟ولهذه العلة يصح القول إن حزب الله في لبنان لا يُفهم فعله إلا بالاستراتيجية المحمدية ولا يُفهم خطابه إلا بالاستراتيحية الحسينية: فيكون في شبه فصام يحول دونه والدور الإيجابي المنتظر منه في توحيد الأمة بتحرير التشيع من تهمة الصفوية ويعود به إلي حب آل البيت الخالص وعلي رأسهما محمد ومن أحب أعني كل صحابته وأمهات المؤمنين. فهو لا يقتصر علي الثورة علي الظلم والعدوان الذي يبني عليه دعايته وهي جزء من الترسيب الذي ينبغي التحرر منه من أجل الغايات الاستراتيجية المشروطة بوحدة الأمة بل هو يحقق شروط النجاح فيها بأسباب العلاج التي تقتضيها سنن التاريخ والكون كما يصفها القرآن الكريم وسنة جد الحسين الذي اعتبره ابن خلدون ومن قبله القاضي أبو بكر بن العربي قد قتل بسبب عدم اتباعها في معركة الخير والشر: يتحالف حتي مع أمراء الحرب الأهلية في الحكومة للحفاظ علي القدر الأدني من تماسك الجبهة الداخلية ويحارب بالجمع بين منطق الكر والفكر ومنطق التخندق ردا علي عدم توازن القوي بمطاولة الضعيف ماديا والقوي روحيا علي العدو الذي اختار استراتيجية المناجزة لضعفه الروحي وقوته المادية. ما قاله العالمان السنيان حزب الله لم يقله لكنه فعله ما يفيد أكثر منه. فهو قد فهم علة فشل الحسين بمجرد أن برهن علي دهائه الاستراتيجي في منازلة اسرائيل.فالعمل الحقيقي من أجل الخير ليس مجرد الثورة علي الشر بل الثورة التي توفر شروط النجاح عليه لئلا تكون فرصة تجعله ينتصر فتتكون العقد ويزداد العداء بسبب الحقد الدفين بين البشر. والمنتصر إذا كان صاحب دعوة إلي الحق لا يحقد ولا يكره بل هو يجمع بين جمال العلم ومهابة الحلم: وتلك هي أخلاق رسول الله كما تبينت يوم الفتح الأكبر فلم لا نجدها في خطاب الشحن الطائفي المليء حقدا وكراهية في المآتم التي تسمي أعيادا ؟ متي يشفي الغليل من يزيد الذي لست أعلم كيف أصبح رمز السنة رغم كونها فسقته بالإجماع ؟وموقف الجماعة السنية من الخوارج يوم خذلوا رابع الخلفاء الراشدين هو من جنس موقف الجماعة الشيعية من فسق يزيد دلالة علي وحدة الأمة. دعوة الحسين لإصلاح شأن الأمة وتحريرها من فسق خليفتها يمكن ان يحسب لهم لو لم يخذلوه عندما احتدم القتال: فالخوراج خذلوا رابع الراشدين فغضبت السنة دون مذهبية وزيد فسق فغضبت الشيعة دون مذهبية أو هكذا عرض ابن خلدون الأمر. وذلك هو المطلوب في تحقيق وحدة الأمة. فلا يمكن اليوم أن يحالف الشيعي أمريكا لغزو العراق بالفعل ثم يزعم محاربتهم لتحرير فلسطين بالكلام. لكن السنة لم يغيروا حكمهم في الخوارج فهم قد اعتبروهم خارجين من الإسلام لخروجهم علي الخليفة الشرعي ولا يزالون علي هذا الحكم: وهم الذين يهزمون أمريكا في العراق وفي فلسطين وليست دولهم المحالفة لأمريكا هي التي تقاوم بخلاف زعم دولة الشيعة التي هي نفسها الحليف بالفعل هناك والخصيم بالقول هنا. ولو كانت السنة مذهبية تعتبر عليا شيعيا لكان الخروج عليه لصالحها فأيدته. السنة لا ينظرون إلي الأمر بهذه العين المذهبية بل هم اعتبروهم خرجوا علي أمير المؤمنين الشرعي. ولما كانوا يفسقون زيادا وينفون شرعية معاوية بمجرد اعتباره نهاية الرشد في إمارة المؤمنين فإنه لا يمكن أن يكونوا قد اعتبروا الحسين خارجيا كما يتصور السيد حسن نصر الله. ولما كنت ممن يحسنون الظن بالسيد حسن نصر الله فإني اعتبر ذلك من الزلات التي تنتج عن الغفلة أو السهو. ومن ثم فهي ليست مبررا كافيا لاتهام حسن القصد ممن لا يزال عندي أحد أبطال الأمة دون منازع بل هو عندي الأمل الوحيد في درء الفتنة الطائفية ليس في لبنان وحده بل وكذلك في العراق، لو قرر أن يستقل قليلا عن المرجعــــية التي يصعب أن تتحرر من سياسة الدولة. تشخيص الداءما العلة إذن في بقاء الأمة ضحية للمعاناة منذ الفتنة الكبري إلي اليوم ؟ لم بقي المسلمون خلال التاريخ الإسلامي كله ومنذ وفاة الرسول الكريم منقسمين إلي عشر يحاسب الأعشار التسعة الأخري بذنب لم يرتكبوه بل ارتكبه جدود طالبي الحساب لا المطلوب منهم لو كان يحق لنا أن نحمل الأجيال الخالفة مسؤولية الأجيال السالفة؟ من دعا الحسين واعدا إياه بالقيام بأمره ثم خذله ؟ أليس طالبو الحساب اليوم هم خلائف أولئك الذين تخلوا عن نصرة الخليفة الرابع وخذلوا حفيدي رسول الله بعد أن غرروا بثانيهما لفشلهم في محاولة التغرير بأولهما الذي نأي بنفسه عن تفريق الأمة ليس خوفا علي نفسه بل عملا بسنة جده: لا يمكن أن يمر المرء إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إلا إذا تحققت الشروط ولم يكن الضرر الذي يمكن أن يحصل أكبر من الضرر الذي يراد إزالته ؟ كل خصائص المسألة الشيعية في ضمير المتشيعين والمتسننين المسألة التي تعصف بالأمة فعلا وانفعالا كانت منذئذ كلها بلا استثناء عائدة إلي عقدة الذنب التي تولدت عن هذه الجريمة التي لطخت تاريخنا جميعا: وطرفاها من السنة حزب يزيد الذين تفسقهم السنة بالإجماع وحزب الحسين الذين تخلوا عنه وكان ينبغي تحميلهم مسؤولية الخذلان عند النزال. وإذن فالسنة حتي في ذلك الحين فضلا عن الأجيال اللاحقة من كلا الفريقين كلهم براء من جريمة يزيد علي الأقل لموقفهم المبدئي من تفسيقه، أما الشيعة فإن جيل الحسين ليسوا أبرياء من جريمة التخاذل الذي جعلهم يتركون الحسين للمصير المعلوم والأجيال اللاحقة لا تثريب عليها وهي بالانتقام له تقترف ذنوب الأولاد والأحفاد ولا تكفر عن ذنوب الأجداد. تحميل جمهور المسلمين الحاليين مسؤولية ما لا يد لهم فيه شيعة كانوا أو سنة لأن الذنوب لا تورث والمسؤولية شخصية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) هو إذن نوع من الإسقاط المرضي الذي ينبغي أن يعالج لئلا تذهب ريح المسملين. ذلك أن البحث التاريخي يبين أن جمهور السنة أقل مسؤولية من جمهور الشيعة في ما حصل لحفيدي رسول الله. فهم لم يغرروا بهما ولم يسعوا إلي إيصال أحدهما إلي ما نعلم ليتخلوا عنه في معركة خاسرة بحسابات فقه الحرب الإسلامية فقهها الذي لا يحمل نفسا إلي وسعها. والغريب أن هذا الحكم يصح كذلك علي يزيد الثاني أو صدام حسين: فحزبه لم يكن سنيا بل هو يعد من منظور الفقه السني حزبا خارجا عن الدين بإطلاق وغالبية مؤسسي حزبه كانت بالأساس شيعية علي الأقل في البدء. ثم إن كل جرائمه كانت ضد السنة. ومع ذلك فلست أدري كيف بات صدام ممثلا للسنة التي عليها أن تدفع الحساب بديلا عنه!وهكذا فإن المذنبين-إن صح تحميل الذرية ذنب الأصول- لم يكتفوا برمي ذنبهم علي غيرهم، تلك هي المسألة الشيعية عند النظر إلي ما انجر عنها من أعراض مرضية يصورونها للعامة حبا لآل البيت وهي في الحقيقة من أدوات الترسيب المضر بالأمة. ذلك أنه لا يمكن أن يكون حب المسلم الحسين أكبر من حبه عليا أو من حبه محمدا: فلم لا يحتفل بطعن علي ولا بوفاة الرسول تسليما بأن طعن عمر أو قتل عثمان يمكن أن يكونا أقل شأنا عند من يميز بين الصحابة بغير وجه حق. فهل يمكن لعقلاء الأمة وحكمائها، أن يعالجوا هذه الأعراض بمعنيي العلاج فهما، وتطبيبا فيكون العدوان الأمريكي والإسرائيلي علي الجميع فرصة لتوحيد الأمة من أجل المستقبل وتحريرها من أفسد ما في ماضيها لتلتفت إلي مهماتها الجليلة في قيامها بواجبات الرسالة أعني المساعدة في تحرير البشرية والعالم من شرور العولمة ؟ إلي متي سيظل الشيعي يسعي إلي الانتقام من قتلة الحسين في حين أن قتلته الفعليين هم الذين دعوه ثم خذلوه أعني جدود أصحاب الترسيب الذي يشق وحدة الأمة فيجعل أعداءها يستأسدون عليها ؟فأما العلاج بمعني التحليل من أجل الفهم فهو تاريخي ويستهدف حل عقد الماضي في المستويين الحدثي وما حمل عليه من توظيف إيديولوجي في النزعات القومية التي ينبغي أن ننزه منها التشيع الصادق، أعني ما يمكن أن نقول إنه المشترك بين جميع المسلمين من حب لآل البيت وفخر ببطولة الخليفة الرابع وصرامته الخلقية وصدقه في صحبة الرسول الكريم وخدمة الرسالة. وأما العلاج بمعني التشخيص من أجل التطبيب فهو استراتيجي ويستهدف وصف الحلول التي ترجع التآخي بين المسلمين ليفرغوا إلي ما يمكن أن يأتي علي مستقبل الإسلام والمسلمين إذا تفرقوا فلم يتصدوا متواصين بالحق ومتواصين بالصبر.لكن هذين الوجهين ليسا إلا فرعين من المسألة إذ هما تابعان لأصل عميق يمثله وهم مزدوج صدر عن التوظيف الإيديولوجي الذي أفسد التشيع الصادق. فتوظيف التشيع الإيديولوجي في الصراع القومي بين العرب والفرس ثمرة لتعالي الأولين باسم الحاضر وتفاخر الثانين باسم الماضي أصبح أهم مطايا انبعاث الحضارة الفارسية في شكل رد فعل شعوبي علي فعل أكثر منه شعوبية. وقد بلغ رد الفعل ذروته في السياسة القومية للعهد الصفوي في صراعه مع الخلافة العثمانية التي كانت سنية بالأساس فاكتمل في القومية بمعناها الغربي الحديث الذي أجج الصراع بين قوميات الإسلام الخمس التي يعود إليها فضل بناء الحضارة الإسلامية الكلاسيكية قصدت العرب والترك والفرس والكرد والبربر فأعماهم عن الخطر الاستراتيجي الذي يتهدد الأمة: فأما الوهم الأول فهو وهم الخلاف العقدي ويتعلق بمنزلة الحكم في الدين، إذ بات الشيعي يعتبره جزءا من العقيدة بل الجزء الأساسي ومن ثم تحول الدين إلي سياسة. وأصبحت كل سياسة دينية فعادت الأمة إلي كاثوليكية ذات بابوية متخفية. وأما الوهم الثاني فهو وهم الخلاف الثقافي الناتج عن ترسيب ردود الفعل التي تميز سلوك كل أقلية تشعر بالغبن ترسيبا قصديا لخدمة الغرض الايديولوجي لكأن السنة تنفي علي علي كونه خليفة راشدا أو لا تحب آل البيت الحب الصادق. وبين أن فرعي هذا الوهم يتغاذيان: كلاهما يغذي الثاني ويغتذي منه. وبذلك تصبح المسألة الشيعية مربعة الأبعاد. فأما بعداها الأولان فيصدران عن توظيف التشيع توظيفا إيديولوجيا آل إلي الغلو في الدين وفي العداء الثقافي بين أعرق شعبين من شعوب الأمة في بناء الحضارة الإسلامية. وأما بعداها الأخيران فينتجان عن عدم علاج الوهمين الأولين اللذين أصبحا داءين ينخران جوهر الإسلام وقيام الأمة أعني: العداء التاريخي والعمي الاستراتيجي بين المسلمين بكل فرقهم. ولما كان من المعلوم أن علاقة العلية تنقلب عند البحث فيها من منظور مطالب المستقبل بات من الواجب أن نقدم النتائج (مسألة الحكم ومسألة ترسيب ردود الفعل إلي أن صارت صداما ثقافيا) التي ترسبت في الوعي الجمعي علي المقدمات (العداء التاريخي والعمي الاستراتيجي) لأنها أصبحت أخطر علي مصير الأمة كما يتبين ذلك من تحديد طبيعة الخطر الاستراتيجي الذي يتربص بالمسلمين. لذلك فسنفحص الأبعاد علي الترتيب التالي:1- كيف صار الحكم صراعا عقديا؟2- كيف صار ترسيب ردود الفعل صراعا ثقافيا؟3- كيف تكثف العداء التاريخي؟4- وكيف آل كل ذلك إلي العمي الاستراتيجي؟5- الخطر الاستراتيجي ما هو ولم لا مرد له من دون وحدة المسلمين؟البعد الأول: وهم الخلاف العقدي في مسألة الحكمإذا حررنا التشيع من التوظيف العقدي والترسيب المغرض لشق وحدة الأمة آل الخلاف بين السنة والشيعة في مسألة الحكم إلي المقابلة التالية التي صاغها الغزالي في فضائح الباطنية: ولاية الأمر تكون بالوصية عند الشيعة وتكون بالاختيار عند السنة. لكن التاريخ يثبت أنه لا السنة طبقت مبدأ الاختيار ولا الشيعة طبقت مبدأ الوصية. فتاريخ الحكم السني يبين أن السنة انتهت إلي الوراثة في الحكم وحصرت حكم الدين في الاحتكام إلي الشريعة التي يمثلها العلماء. وتاريخ الحكم الشيعي يبين أنها انتهت إلي الوراثة في واقع الحكم وحصرت واجب الحكم في المختفي فحصر حكم الدين في الاحتكام إلي الشريعة التي يمثلها العلماء حتي وإن كان لهم دور أكبر مما عليه الشأن عند السنة بسبب هذا الفصل بين الحكم من حيث هو أمر واقع والحكم من حيث هو أمر واجب. وفي الحقيقة فإن الفرق بين الفرقتين نفسه لم يبق موجودا حتي في التمييز بين الواقع والواجب. ذلك أن السنة بمجرد أن أصبحت الخلافة ملكا عضوضا قابلوا بين الخلافة الراشدة والخلافة غير الراشدة فباتوا مثل الشيعة يميزون بين الحكم من حيث هو أمر واقع والحكم من حيث هو أمر واجب. ولما كان علي رضي الله عنه أحد رموز الخلافة الراشدة فإنه يعد أيضا جزءا من واجب الحكم قبالة واقعه، فيكون السني بنحو ما متشيعا لعلي تشيعه للخلفاء الراشدين الآخرين. فيزول الخلاف من أصله لو أن الشيعة لم يحصروا مثال الحكم الأعلي في أحد الخلفاء بل عمموه علي الخلفاء الراشدين حتي من أجل وحدة الأمة واستراتيجية بناء مستقبلها في استئنافتها التاريخية: إلي متي نضحي بالمستقبل باسم عداوات الماضي التي أكل عليها الدهر وشرب؟ كيف ينسي الفرنسي والألماني خمسة حروب بين أمتيهما ـ وهما أمتان ـ خمسة حروب اثنتان منها كانتا عالميتين ومات فيها عشرات الملاييين من أجل المستقبل ونحن ـ الذين ورثنا عنهم النزعة القومية المقيتة ـ أمة واحدة لم يجر بيننا من الدم ما جري مثله في أدني معاركهما وليس في معاركنا لأي من جمهور الفريقين ذنب؟ فالمعركة بين السنة والشيعة هي إما بين حكام فاسدين أو بين حكام متشاطرين يريدون أن يوظفوا مثل هذه الجلائل في حساباتهم القصيرة من أجل نزعات قومية جاء الإسلام لتحرير البشرية منها والارتفاع بها إلي الأخوة البشرية بدءا بالأخوة الدينية وختما بالأخوة الخالصة. البعد الثاني: وهم ترسيب ردود الفعلومثلما أن التوظيف الصفوي للتشيع قد أفسده فإن الرد القومي العربي علي الصفوية قد أفسد العروبة وهو لحسن الحظ لم يمس السنة لأن القومية العربية بزعم أصحابها علمانية. لكن ما أفسد السنة هو توظيفها السلفي: فطلب النقاء العقدي الذي هو محمود تحول إلي حرب علي التشيع والتصوف دون تمييز حتي بات دفاعا عن الأموية. وفي ذلك خروج عن الموقف السني النزيه. وبذلك فإن فعل الترسيب القصدي لآثار الخلاف أخرج المقابلة بين الواقع والواجب عند الفريقين أخرجها عن بعدها الموجب فأضفي عليها من السلبية ما جعل الخلاف يزداد حدة. فقد أصبحت المقابلة مقابلة بين واقعين ينتجان عن شطر الخلافة الراشدة نفسها. فأصبح الراشد الوحيد هو علي وفسق الثلاثة الآخرون عند الشيعة. ثم جاء رد الفعل السني فعمم الرشد حتي علي الأمويين كأن الأمر يتعلق بشفاعة الخليفة الثالث في بني أمية بخلاف ما أجمع عليه علماء السنة. وطبعا فحصر الرشد في علي يكذبه علي نفسه: لا يوجد نص واحد اتهم فيه علي الخلفاء المتقدمين عليه بعدم الرشد حتي لو تصورناه أكثرهم رشدا. وتعميم الرشد علي الأموية يكذبه كل علماء الأمة من السنة. وبذلك يتبين أن الوهم الثاني هو الذي يغذي الوهم الأول فيحول دون زواله الفعلي الذي بينا بل هو يعمقه. وهذا الوهم هو الذي يجعل الوصية تصبح وراثية بالمعني العضوي للكلمة وليست بالمعني العقدي كما يقتضي ذلك القرآن وجوهر الثورة المحمدية. وهو الذي يجعل الخلافة تصبح وراثية بنفس المعني في أي أسرة مسملة استبدت بالحكم! فبدلا من وصية ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين وهو مبدأ يوحد كل المسلمين لإجماعهم عليه إذ فيه يكون شرط الوراثة صفة من صفات الإيمان أصبحت الوراثة في آل البيت فيكون شرطها صفة من صفات النسل (آل البيت) أو في أي بيت مسلم فيكون شرطها صفة من صفات قوة العصبية المغتصبة للحكم. وهذا أيضا ينفيه علي نفسه ويجمع علي عدم سلامته كل علماء الأمة. فلنفرض أن عليا كان أول من تولي الخلافة أفكان ذلك يعني أن غيره من الصحابة لم يكن أهلا لأن يتولاها من بعده فتكون حكرا علي ذريته ويبقي علي مع ذلك إسلامه محمديا ؟ ما الفرق عندئذ بين النظام الإسلامي والنظام الملكي في كل المجتمعات القديمة ؟ عدم قدرة أي شيعي علي الرد المقنع علي هذا الشك يجعله يغالي فيفترض أن النبي لم يوص لعلي فحسب بل أوصي بالإمامة لعلي ولعقب علي: فيكون الحكم حقا إلهيا وليس كما يضع الإسلام مبدأه في سورة الشوري وأمرهم شوري بينهم . أما الاغتصاب بقوة العصبية فالسنة حتي بعد القبول به تعتبره أمرا واقعا بديلا من الفوضي لكنها لا تضفي عليه الشرعية المطلقة: فهو وراثة مقبولة رضا بالمفضول في غياب الفاضل وليست وراثة مبدئية.وإذن فالمغالاة في الوصية ليست إلا رد فعل وقع ترسيبه القصدي بالاعتماد علي الشعور بأن عليا قد أبعد عن الخلافة ثلاث مرات وأفسدت عليه خلافته في المرة الرابعة. والتاريخ يبين أنه لا السنة ولا الشيعة بقابلتين للاتهام في ذلك: فقد عادت قوانين السياسة إلي العمل بعد تعطلها المؤقت بفضل نور النبوة في حياة النبي. وهذه العودة هي التي تفسر التدرج في فقدان مؤسسة الخلافة المبنية علي الشرعية الدينية وحدها القدرة علي حكم المسلمين والعودة إلي الشرعية المستندة إلي العصبية. وهذا أمر موضوعي ليس لأي من الفرقتين ذنب فيه. وفهمه يساعد علي بلسمة الجراح. لكن تطور رد الفعل وترسيبه القصدي حوله إلي موقف تكفيري لمن يتهم بإبعاد الخلافة عن علي أعني الخلفاء الراشدين الثلاثة المتقدمين عليه ثم عائشة أم المؤمنين بل وكل الصحابة الذين بقوا علي الحياد فلم يتشيعوا لأولوية علي في الخلافة أو لم يعتبروا ذلك حتي لو سلمنا بصحته مدعاة لإشعال الحرب بين المسلمين: وذلك ما ابتدع التنابز بلقبي الروافض والنواصب. ذلك أن المشكل ليس هو في وجود مثل هذه الردود وترسبها بل هو في جعلها جزءا من العقيدة لتأسيس البعد الأول: جعل الحكم جزءا من العقيدة وحقا إلهيا بخلاف ما تقول كل آيات القرآن الكريم فضلا عن كون هذا الزعم لو صح لكان الإسلام نفسه أمرا لا معني له إذ ولاية الأمر بالإرث العضوي هو جوهر اليهودية وبالسلطة الروحية للإمام هو جوهر المسيحية فتفقد الثورة القرآنية علة وجودها. وحتي يتم البناء كان لا بد لأعداء الأمة الذين يغالطون التشيع الصادق أو حب آل البيت من أن يطيحوا بمبدأ وحدة الأمة فيضربون وحدة القرآن الكريم باتهام جامعي القرآن والزعم بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن الذي نزل علي محمد. وهذه التهمة ليست مسألة جزئية بل هي جوهر التوظيف السلبي لمحبة آل البيت أعني توظيف هذا الحب من أجل القضاء علي الإسلام نفسه: أسطورة قرآن فاطمة. ولعل تعمق الترسيب والتجييش العقدي والطائفي إلي حد العزوف عن تسمية المساجد بوظيفتها كما هو الشأن عند جمهور المسلمين واعتبارها حسينيات ومن ثم إضفاء طابع المذهبية عليها هو الغاية التي ليس بعدها غاية خاصة بعد أن اكتمل الأمر فلم يبق يوم عرفة واحدا عند الفريقين!البعد الثالث: العداء التاريخي بين الفرقتين.الجميع متفق إذن علي عدم رشد خلافة معاوية وعلي فسق زياد وعلي حب آل البيت وعلي انتماء الجميع للقرآن الذي نزل علي محمد: فكيف يمكن أن يوجد عداء تاريخي بهذا الحجم بين الفرقتين السنية والشيعية ؟ كيف يكون التشيع واحدا في موقفه من السنة في حين أن السنة لها موقفان من التشيع أحدهما هو موقف جمهور السنة الذين لهم ما وصفنا من المشاعر إزاء آل البيت ومغتصبي الحكم من بين أمية ؟ أليس للتشيع نفس الازدواج فيكون لهم بنو أمية أعني ما يوصف بالتوظيف الصفوي للتشيع ؟ لم لا ينأي التشيع الصادق عن هذا التوظيف؟ لماذا لا نفسر الأشياء بأسبابها فنفهم أن الخلاف ليس بين جمهور المسلمين سنة وشيعة بل هو بين مغتصبي الحكم في كلا الحزبين ؟ كيف يمكن أن يكون الجمهور السني حبه لعمر لا ينفي حبه لعلي ويكون الجمهور الشيعي بالعكس من ذلك لو كان فعلا صادقا في انتسابه إلي الإسلام فيعتبر الحبين متنافيين ؟ أليس لأن الصفوية نجحت مع جمهور الشيعة بتواطؤ من علماء المذهب في ما فشلت فيه الأموية مع جمهور السنة لرفض علماء المذهب التواطؤ ؟ وأخيرا لم تخلي السنة علي رمزية حصر الخلافة في قريش ولم يتخل الشيعة علي حصر الإمامة في آل البيت لو كان القصد تعيين وراثة الأرض لصالح المؤمنين وإناطة ولاية الأمر بأي مؤمن تختاره الأمة لهذه المهمة ما ظل محافظا علي شرع الله الذي يستمد منه شرعية حكمه ؟ أليس لأن ابن خلدون يقول بهذا الرأي خلال كلامه علي نظرية المهدي وتشكيكه في نظرية الجفر اعتبر معاديا للشيعة في حين أنه كان يبحث عن الحل الذي يحرر الأمة من العداء بين السنة والشيعة ليعيد إلي الأمة وحدتها بعد أن أدرك ما يحيط بها من خطر ومكر سيء ؟وحاصل القول إن العداء بين السنة والشيعة ليس له أصل مذهبي حديثا وإنما هو وليد الشحن الطائفي الناتج في عصرنا عن التوظيف القومي الفاعل. فإذا حررنا الجمهورين من غلو القومية عادت السنة والشيعة إلي فرق طفيف في تأويل مبدأ رمزي يتمثل في حصر الخلافة في من لهم نسب الرسول سواء كان من الدائرة الضيقة لأسرته المباشرة أو في الدائرة الموسعة لقبيلته. فيكون العباسي والشيعي والأموي كلهم منتسبين إلي موقف تأويلي لرمز تحرر منه الفقه السني منذ أن بات أمر الحكم غير مقصور علي الرمز وحده فأصبح من الضروري أن يقدم شرط القدرة عليه ومن ثم عمم مبدأ الحكم علي كل المسلمين وينبغي أن يتحرر منه الفقه الشيعي حتي يصح قول الرسول الكريم في الرعاية العامة فعلا وانفعالا: ينبغي أن يسقط شرط القرشية فيصبح بوسع كل مسلم أن يتولاه بشرط الأهلية مع القدرة وهما شرطان لا يضمنهما إلا مبدأ الانتخاب والاختيار لا الوراثة العرقية.البعد الرابع: والعمي الاستراتيجي لقيادات الأمةلكي نفهم كيف ورطت أمريكا إيران ينبغي أن ندرك أن كل ما يعتبر من أخطاء أمريكا الاستراتيجية في العراق هو من عناصر الخطة التي تريد أن تورط الفرس والعرب في حرب لا تبقي ولا تذر. فبعد أن أوهمت إيران بأنها غير مدركة لخطتها في توريط أمريكا هي ذي بدأت تظهر عناصر الخطة: إنها تسعي لتوريط السعودية ومصر فتدفع إلي نسخة ثانية من الحرب العربية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات. أدرك استراتيجيو أمريكا أن أنجع الوسائل لتحقيق ما فشلت فيه الحرب الأولي أو عدم الوصول إلي السلطان المطلق علي العالم الإسلامي ليست شيئا آخر غير الإعداد للحرب الطائفية. وتوريط إيران لا يمكن أن يكون إلا بتحميلها مسؤولية كل ما يجري للسنة في العراق ثم التهويل من الخطر الشيعي علي المنطقة كلها لكي تستفز النعرة الطائفية المقابلة بدءا بمتطرفي السنة وختما بكل السنة. لذلك فالوقوع في أحابيل هذا المخطط سواء كان من الفرس أو من العرب هو ما يمكن أن يوصف بالعمي الاستراتيجي: فلا يمكن لأمريكا أن تسيطر علي الخليج بضفتيه من دون إضعاف حماته فيهما أعني الفرس والعرب. ولا يمكن لها أن تضعفهما بقوتها الذاتية لامتناع ذلك بالذات خاصة إذا اتحدت الضفتان ثم لكون وجود الأمريكان غير المطلوب من أحد الطرفين لحمايته من الطرف الثاني يصبح عامل توحيد ليس له مثيل. لا بد إذن من إيهام العرب بأن إيران صارت قوة عظمي بل وإيهام الإيرانيين أنفسهم بذلك حتي بات بعض حكامهم يتصور نفسه قادرا علي تحدي أمريكا باقتصاد هزيل لا يساوي فيه الدخل القومي الخام رقم أعمال شركة متوسطة فضلا عن كون ميزانية الدفاع الأمريكية تساوي عشرة أضعاف هذا الدخل. جعلوا الإيرانيين يقعون في نفس الأخطاء التي وقع فيها العراقيون: ألم يقولوا إن جيش العراق هو خامس جيش في العالم ؟ وهاهم الآن قد وصلوا إلي جعل رئيس إيران يتصور بلاده قادرة علي محو إسرائيل من الخارطة: أي انهم جعلوه أفضل داعية لحربهم علي إيران وعلي المسلمين كلهم بإيهامه أن قنبلته حتي لو حصلت يمكن أن تخيف من يملك ملايين منها. وبدلا من السعي الجدي لتوحيد المسلمين حتي يصبحوا قادرين علي المنافسة الحقيقية في مجال شروط النهوض الفعلي ومن ثم حماية ثرواتهم المادية والروحية ها نحن نتحول إلي شعوب متناحرة لخدمة مقاصد العدو البعيدة بسبب ما أصاب نخبنا من عمي استراتيجي ليس له مثيل.البعد الخامس: الخطر الاستراتيجي الذي يتربص بالمسلمينونأتي الآن إلي الخطر الاستراتيجي المحدق بالأمة ودار الإسلام. فهذه الدار يستعمرها حاليا عملاقان ويتربص بها أربعة عماليق. وإذا لم نتحد حتي بأقل أشكال الاتحاد متانة قصدت نوعا من الكومنوالث الاقتصادي والثقافي فإن الكماشة ستخنق المسلمين قبل منتصف القرن الجاري. فأما العملاقان اللذان يستعمرانها فهما الولايات المتحدة وإسرائيل. وإسرائيل عملاق ليس بالعدد ولا بالعدة بالمعني المادي بل بسلطانها علي من لهم العدة والعدد. فهي بنخبها في الغربين الأدني (أوروبا) والأقصي (أمريكا) تسيطر علي أدوات القوة الخمس أي الإعلام والاستعلام والمال والثقافة والعلم وهي بهما تحرك أداتي السياسة الدولية الظاهرتين أي الدبلوماسية والعسكرية الغربيتين. ولا ينبغي أن ننسي علاقاتها بمن سيصبح من عماليق المستقبل القريب قصدت الهند والصين وأوروبا المتحدة وروسيا وقوي أمريكا الجنوبية الصاعدة: فكل هؤلاء يخطبون ودها لعلتين لما عندها مباشرة ولما يمكن أن تسرقه لهما مما عند الغرب من أسرار علمية وتقنية.وأما العماليق الأربعة الذين يتربصون بالعالم الإسلامي فهم العماليق المحيطون به إحاطة حبل المشنقة بعنق الغافلين. فدار الإسلام يحيط بها من الغرب الاتحاد الأوروبي وروسيا ويحيط بها شرقا الهند والصين. وقريبا سيصبح التنافس علي دار الإسلام بين المستعمرين الحاليين (إسرائيل وأمريكا) والمترشحين لاستعمارنا: أوروبا المتحدة وروسيا والهند والصين. كل هؤلاء أكثر حاجة لما في أرض المسلمين من أمريكا. فهي تريد ما عندنا لتصمد أمامهم في حين أنهم هم يريدونه لكونه ليس ضروريا للانفراد كما هي حال أمريكا بل للوجود العادي. كلهم أحوج للطاقة الإسلامية من أمريكا. ومن لم يفهم ذلك يصح أن يوصف بالأعمي استراتيجيا: التكاثر البشري وتناقص الثروات يؤدي ضرورة إلي عودة البشرية إلي ما كانت عليه القبائل البدائية من حروب علي الماء والكلأ. الفرق الوحيد أن البشرية اليوم ستضيف إلي الماء والكلأ الطاقة والغذاء. وكلاهما خزيتنها الكبري في دار الإسلام التي هي أقل بلاد الله كثافة سكانية وأكثرها ثروة بحرية وطاقية.ولما كانت بالضعف العلمي والتقني والنمو الاقتصادي الهزيل التي نعلم بات من الواضح أن العالم الإسلامي سيستعمر من جديد وتتقاسمه العماليق إذا لم نسارع إلي الاستعداد بدءا بتوحيد الجهود في المعركة العلمية التقنية والاقتصادية والدفاعية. ومن شروط ذلك التحرر من حزازات الماضي علي الأقل بالمستوي الذي فعلته أوروبا حتي يصبح لنا دور في تشكيل عالم الغد وحتي لا نكون ذبيحة العرس الدولي في تقاسم العالم الذي بدأ منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.والله ورسوله أعلم وهو الهادي إلي السراط المستقيم والسلام.7