نحن في عصر يسير نحو التنوير!
المطلوب تقديم قراءة نقدية للإنسية العربية الأولي التي تأسست علي يد الجاحظ والتوحيدي والمعريعلينا التخلي عن مزاعم الكثيرين حول قدرة الدين علي هزيمة العلمنة.. ورفض ادعاءات العلمانيين الاطلاقية نحن في عصر يسير نحو التنوير!زهير الخويلدي هم في ذلك أشبه بأعمي يريد أن يصارع خصمه البصير في شروط متماثلة، فيستدرجه إلي قاع قبو مظلم دامس ديكارتشاع خلط بين الناس بخصوص مفهوم التنوير فهم يعتقدون أنه العصرنة بالمعني الحضاري الغربي واتباع النهج الليبرالي في المجال الاجتماعي والاقتصادي والانفتاح علي العولمة وعالم السموات المفتوحة، ونسي أصحاب هذا الرأي أن هذه الكلمة هي مشترك بشري وقيمة كونية وجدت منذ الأزل عند المشرعين الأوائل وموقظي الشعوب ومدشني يقظة الحضارات وأنها ليست حكرا علي العقل الغربي المتمركز حول نفسه إذ هناك تنوير اقتصادي مزلزل في شرق آسيا وتنوير ماركسي خلاب في الصين وأمريكا اللاتينية وتنوير ديني عرفته الحضارة العربية الاسلامية في عصور الازدهار وتنوير فلسفي عند الإغريق وتنوير سياسي شيده العالم الهندي في مرحلة ما بعد الاستعمار البريطاني وتنوير علمي تقني شهدته الحضارة القارية الأوروبية وامتد إلي العالم الأنغلوساكسوني الجديد،زيادة علي أن التنوير هو بالأساس مفهوم فلسفي وقع نقله واستخدامه في الفضاءات المعرفية والعملية أخري وتعرض للتشويه والمسخ نتيجة هذا الاستخدام، ونحن نعلم كيف تتقاذف مصالح السياسة والدين والاقتصاد بطهارة الكلمات وتغلفها بإيديولوجيا الأنساق المطلقة والأقاويل الشعوبية المغشوشة. من هذا المنطلق ولكي نعرف كيف استقر هذا المفهوم في مسطح الفلسفة وتوهج في ساحة الفكر كان علينا ان نعود إلي أصوله النظرية ومنابته الفكرية مفككين كل الطبقات التي غطت معناه النفيس، وإذا ركزنا انتباهنا علي الفترة الراهنة من العصر الفلسفي فإن خير من انشغل بهذا المبحث هو كل من الفيلسوف الألماني كانط في عصر الأنوار والفيلسوف الفرنسي فوكو في فكر1968 وهما اللذان أفردا رسالتين حول هذا الموضوع الشائك، فكيف عرف كانط التنوير؟ وما هي مؤاخذات فوكو علي هذا التعريف؟ وهل نستطيع نحن اليوم أن نخلق نحن السكان الافتراضيين لحضارة اقرأ التنوير الأصيل الذي يخصنا والذي يلائم خصوصية فكرنا ولغتنا دون السقوط في وهمي التقليد المطلق والتقدم المطلق؟1/ شعار التنوير عند كانط:يعادل سؤال: ما التنوير؟ عند كانط سؤال الفكر البشري السرمدي: ما الحقيقة؟ فلكي نعرف حقيقة التنوير ودلالته لا بد أن نعرف أولا مفهوم الحقيقة ثم علي ضوئه نحدد معني لمطلبنا وكأن الإنسان لن يرتقي إلي مساحة النور ما دام يتخبط في دائرة الوهم والخطأ والكذب وظلام المعتقدات والخرافات. وان رأي البعض أن نشأة التنوير كانت بين أحضان اللاهوت وتعود إلي الخروج عن الزواج عن طريق الكنيسة إلي الدفاع عن الزواج المدني من قبل موسي أندلسون فان الأخبار متضاربة حول اطلاع كانط علي ما نشره هذا الراهب البروتستانتي وكذلك تمكن كانط من الإجابة عن سؤال ما التنوير؟ بطريقة واضحة بينما لم يفعل موسي أندلسون ذلك، فهو الذي رفع شعار: تشجع علي استعمال عقلك بنفسك، معتبرا إياه شعار عصر بأسره وليس مجرد فصل من فصول المرحلة. يحدد كانط نقيض التنوير بالقصور وأنه القيام بخطوة نحو الرشد بقوله: التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه ، ويضبط أسباب القصور كما يلي:ـ عجز المرء عن استعمال عقله وذلك ليس لوجود عيب في العقل بل لرفضه القيام بذلك فهو عاجز الآن فعلا عن استعمال عقله هو لأنهم لم يدعوه أبدا يحاول ذلك ، فإذا كان العقل أعدل الأشياء قسمة وتوزيعا بين الناس كما يقول ديكارت فان سبب التفاوت بينهم هو طريقة استخدامه لأنه ليس المهم أن يكون لنا عقل حسن بل الأهم أن نحسن استخدامه.ـ إشراف الغير علي هذا الاستعمال وكثرة الأوصياء وأخذهم علي عاتقهم مهمة الإشراف علي تربية البشرية،إذ: لو كان لي كتاب يقوم مني مقام العقل ومرشد يقوم مني مقام الضمير وطبيب يقرر لي نظام غذائي الخ…فلن أكون بحاجة إلي تجشم أي عناء بنفسي…إذ أن آخرين سيتكفلون بهذا العمل المضني .ـ البقاء رهن العادة وقيد الأفكار المألوفة والقوالب الجاهزة والرضا بالحياة كما هي والارتياح إلي ما هو موجود والارتكان إلي السهل والنفور من الأمور العويصة والنظر إلي المغامرة والتشجع علي أنها مخاطرة ومقامرة قد تجلب المهالك والويلات.ـ الكسل والجبن وتعويض الترشد الذاتي بنظام الدفع المسبق كلها من الأسباب المنتجة للقصور،إذ لست بحاجة إلي أن أفكر طالما أن بوسعي أن أدفع كما أن محاولة المرء الخروج من زريبة المخلوقات الوديعة التي أحكم الأوصياء تربيتها علي الخضوع والانضباط يجعل المرء جبانا والهلع الذي ينجم عنه يثني عادة عن تكرار المحاولة .ـ سيطرة المؤسسات والصيغ الجاهزة وأدوات الدمج والتنميط والأدلجة علي طرق استعمال العقل وتكون سلسلة استعمالات ميكانيكية مقيدة للمواهب الطبيعية تكرس التبعية وتبرر العبودية وتحرمه من الحرية والاستقلالية و من يتخلص منها لا يقدر علي القيام سوي بقفزة غير مأمونة فوق أضيق الحفر لأنه لم يتعود علي تحريك ساقيه بحرية .ـ رسم مجموعة من الحدود والأسوار التي تقيد الحرية وهي سلطات السياسة والاقتصاد والدين والمجتمع، ففي كل مكان ثمة حد للحرية .ورغم هذه الممانعات والعوائق التي تسبب بقاء الناس في حالة من القصور فإن كانط يستنتج مجموعة من الملاحظات النقدية الرشيقة والحركات الذهنية التأسيسية:ـ التنوير مطلب صعب ومهمة شاقة لثقل الميراث وسماكة طبقات الأوهام التي تحجب الرؤية الصافية عن العقول واختلاط الأمور والتباس الوضعيات عن الناس.ـ لا يتمكن من الوصول بجهده الخاص إلي التنوير إلا النخبة من أصحاب الفطر الفائقة، إن الذين توصلوا إلي التحرر من القصور والمشي بخطي ثابتة بالجهد الخاص لعقلهم هم قلة .ـ تنوير الحشد ليس مسألة مستحيلة وممتنعة بل يدخل في دائرة الممكن بشرط أن تتوفر لهم الحرية وينتشر بينهم روح التقدير العقلي للقيمة الخاصة بكل إنسان.ـ الحشد لن يصل إلي التنوير دفعة واحدة وبسرعة بل لا بد من التدرج وتحقيق التنوير عبر مراحل من خلال التربية والتمرس والتدريب، فالجمهور لا يمكن أن يصل إلي الأنوار إلا ببطء . فإذا سئلنا إذن:هل نعيش حاليا في عصر مستنير؟ فإليكم الجواب:كلا، بل في عصر يسير نحو التنوير .ـ التمييز بين الثورة التي قد تطيح بالاستبداد والاضطهاد لتستبدله بتحكيمات وتقييدات جديدة والتنوير الذي هو إصلاح حقيقي لطريقة التفكير .ـ المماهاة بين التنوير والحرية لأن الذي يوصل الأنوار إلي الناس ليس الخضوع ولا السيطرة والإملاء والوصاية بل تركهم أحرارا في استعمالهم العمومي لعقولهم وتربيتهم علي الاعتماد علي عقولهم الخاصة.ـ العدالة في التنوير وإعطاؤه حقه هي إتاحة فرصة ممارسة النقد الذاتي بالنسبة للناس وتمكين المواطنين من إبداء ملاحظاتهم حول أخطاء المؤسسات وإلغاء كل التحفظات والمحاذير وأشكال المنع التي تحد من حركة النقد.ـ يحقق التنوير التقدم ويجعل كل خطوة إلي الخلف أمرا غير معقول وكل حركة إلي الوراء حركة رجعية لا تتفق مع روح العصر وتحترم منطق التاريخ والتقدم بالأساس هو تقدم سياسي بأن تعبر السلطة التشريعية عن الإرادة العامة للشعب وأن يعامل النظام الناس كمواطنين لا كرعايا. فالمهم أن يسهر فقط علي أن يكون كل تحسين واقعي أو مفترض منسجما مع النظام المدني .ـ مهمة التنوير موكولة بعهدة الدولة ولها المشروعية في إكراه الناس علي ذلك ولو باستعمال القوة ولا يحق للحاكم أن يتبع أهواء شعبه في امتناعه عن تحصيل المعرفة طالما أن هذا التحصيل هو من الحقوق الإنسانية المقدسة التي يجب أن تفرض بقوة القانون لأن شأنه هو السهر علي أن يمنع بعضهم بالقوة الآخرين من العمل لتحقيق هذا الخلاص والتعجيل به بكل ما أوتوا من القوة . لكن ألا يؤدي هذا التنوير الكانطي إلي الاستبداد الديمقراطي؟ وألا يبرر لجوء العقل الغربي المتمركز حول نفسه إلي اعتبار زمنه الوجودي الزمانية الوجودية المطلقة وتاريخه الخاص بوصلة التاريخ الكوني؟ أليس هذا التصور الضيق للتنوير هو المصدر الخلفي للاستعمار الذي تعرضت له المعمورة زمن صعود البرجوازية الأوروبية بفضل نشأة الرأسمالية التجارية أو بسبب تفجر الثورة الصناعية فيما بعد؟ فكيف سيعمل فوكو علي الحفر في تضاريس مفهوم التنوير الكانطي؟ وماذا سيبقي منه للبشرية التي طالما حلمت به؟2/ مفارقات التنوير عند فوكو: إن التاريخية التي تحملنا وتتحكم فينا تاريخية شرسة… إنها ليست تاريخية لغوية، إنها علاقة سلطة لا علاقة معني .تقوم الرؤية الفكرية للفيلسوف الفرنسي فوكو علي نقد النزعة الانسانوية من خلال العمل علي تقويضها لأنها لم تخلق لدي الإنسان سوي الأوهام والادعاءات الباطلة وقائمة علي فكر جدلي تطوري مزيف وحداثة موهومة تهتم بالذات والحقيقة والمعرفة والعلم ولا تأخذ بعين الاعتبار دور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في نشأة هذه المفاهيم. ويعترف فوكو منذ البداية بصعوبة تعريف التنوير وعسر إيجاد جواب عن سؤال ما التنوير؟ وكأن هذا السؤال دخل خفية إلي تاريخ الأفكار ولم تتمكن الفلسفة الحديثة من حلحلته فاكتفت بتكراره وإعادة طرحه، ولكنه يلمح أن التنوير ارتبط بلحظة اعتراف الثقافة الغربية بأوهامها ومراجعتها لأسسها فبعدما ادعت معانقة الكوني ها هي تشرع لحق المواطنة لما هو خصوصي فيها من خلال البحث عن عامل مشترك وقبول مصير مشترك لكل الثقافات المحلية. كما يبين فوكو أن التساؤل عن التنوير بتلك الصيغة وفي ذلك العصر قد طرح مشكلا كبيرا في ساحة الفكر وهو التشريع لضرورة تأمل الحاضر باعتباره مجالا للانتماء وميدانا للمساءلة ونقطة انتشار نحو عصر جديد.يفكك فوكو تعريف كانط للتنوير ويري أنه حدد بطريقة سلبية لكونه خروجا ومنفذا وليس عصرا تنتمي إليه البشرية أو حدثا ينبغي المشاركة في انجازه، فكانط لا يحدد غائية مستقبلية للتنوير بل يكتفي بالاهتمام بالوضع الراهن الخالص أما فوكو فانه يعثر علي ما هو مخفي في مشروع التنوير الكانطي وهو الاختلاف لكون كانط يبحث عن الشيء الذي أتي به الحاضر وجعله يكون مختلفا عما سبق.التنوير الحقيقي عند فوكو هو مساءلة الحاضر، أنطولوجيا الحاضر، لأن الحاضر انتماء لعصر يختلف عن غيره من العصور،ولأنه يحمل بصمات تنبئ بعالم جديد بصدد التشكل، ثم هو نقطة تحول نحو فجر عالم جديد . فالتنوير يتطلب تغييرا في العلاقة بين الإرادة والسلطات من أجل الاستخدام الشرعي والحر للعقل حتي يعوض التفكير الفردي الكتاب والضمير المرشد الأخلاقي والانهماك بالذات الطبيب لأن التنوير صيرورة خروج من حالة معينة كانت عليها الإرادة تتميز بالشلل والعجز إلي حالة جديدة تتميز بالتصميم والعزم . يضع التنوير الكانطي الفكر أمام عدة مفارقات:هل هو مهمة يقوم بها كل فرد بنفسه أم ضرورة تاريخية بالنسبة للجماعة؟ كيف يمكن أن نوفق بين حرية الفرد وانعتاق الجماعة؟ أليس كل طلب لحرية الفرد هو تحد وخيانة لقيم الجماعة؟ وأليس كل بحث عن انعتاق الجماعة يكون بالتضحية بحرية الأفراد؟ وإذا كان الإنسان مسؤولا علي هذه التجربة وينبغي عليه أن يغير نفسه بنفسه وكان التنوير تغييرا يحدثه المرء بنفسه علي نفسه وتعليمات يعطيها المرء لنفسه ويقترحها علي الآخرين، ألا تتحول هذه الاقتراحات إلي وصاية جديدة وتؤدي التعليمات إلي تكون سلطة إكراه؟المفارقة الثانية تتمثل في أن التنوير فعل شجاع يقوم به الفرد بنفسه استجابة للنداء الشهير:فلتكن لك الشجاعة والجرأة من أجل المعرفة،وهو في الآن نفسه حدث مشترك لجميع الناس يكون الأفراد فاعلين ومنتجين له.المفارقة الثالثة تتعلق بمفهوم الإنسانية: هل يتعلق الأمر بالنوع البشري عامة أم بالإنسانية الغربية التي تعايش عصر التنوير؟ هـــل التغيير المنشود هو تاريخي يمس الظروف السياسية والاجتماعية أم هو تغيير وجودي يمس ما يكون إنســـانية النوع البشري؟إن أهم شروط التنوير هي التفكر كيفما شئنا في مجمل القضايا التي تمس الإنسان حتي وان كانت عقدية مقدسة وينبغي أن يكون التفكر لغاية التفكر وذلك بالتمييز بين الاستعمال العمومي للعقل والاستعمال الخاص له وهنا يكتشف فوكو مفارقة رابعة تهز التنوير من أعماقه وهي القول بأن العقل يجب أن يكون حرا في الاستعــــمال العمومي وخاضعا في الاستعمال الخاص وهو ما يتناقض مع حرية الرأي،فكيف يستعمل العقـــــل استعمالا خاصا وهو أداة في يد جهاز أو سلطة ما وله وظـــــائف ودور يلعبه في المجتمع؟ ألا يتحول إلي عقل وظيفي تبريري أداتي وبالتالي يخسر حرية الحكم علي الأشياء؟التنوير لن يتحقق إلا إذا حصل تطابق بين الاستعمال الكوني الحر للعقل والاستعمال العمومي له.المشكلة بالنسبة لفوكو ليست في الاستعمال الكوني الحر للعقل فهذه تجربة ممكنة التحقيق بل في الاستعمال العمومي،إذ كيف يمكن لجرأة المعرفة أن تشتغل في واضحة النهار رغم أن الأفراد يطيعون كما يجب؟ و كيف يمكن للاستعمال العمومي للعقل أن يأخذ شكلا عموميا خاصا به؟ .هل التنوير حدث عام يمس جميع البشر أم أنه مسألة سياسية وضرورة مفروضة من قبل الدولة علي المجتمع؟ إذا كان كذلك ألا تتحول إلي استبداد أو من يضمن عدم انحرافها نحو ذلك؟ ألم يقترح كانط علي فريدريك الثاني نوعا من الاستبداد العقلاني يتطابق بمقتضاه الاستعمال العمومي للعقل لدي الأفراد مع الاستعمال الحر الكوني؟يحفر فوكو نص التنوير الكانطي بقوله: لنترك الآن هذا النص،فأنا لا أسعي تماما إلي اعتباره يمثل وصفا وافيا للأنوار،وأظن أنه لن يستطيع إشفاء غليل أي رجل تاريخ لأن هذا النص تاريخي وله طابعه الظرفي الذي نشأ فيه وسياق اجتماعي خاص به وجمهور موجه إليه،ثم هو لحظة للتحرر من السيطرة والخضوع وممارسة النقد .إن النقد هو الاستعمال المشروع للعقل لكي يحدد الإنسان ما يمكن معرفته وفعله وما يمكن توقع وقوعه وان الاستعمال غير المشروع يؤدي بالمرء الي الوقوع في الوثوقية والتعصب والتقليد والتبعية وهي أوهام لا يستطيع أي عقل التخلص منها الا بممارسة النقد.هناك علاقة وثيقة بين التنوير والنقد والحداثة والتقدم لأن كانط يجعل التنوير لحظة مرور الإنسانية إلي حالة من التطور والجديد في هذا النص هو التفكير في الآن كاختلاف داخل التاريخ ودافع نحو مهمة فلسفية جديدة وهي تدشين لحظة الحداثة، والحداثة هي عند فوكو ليست حقبة تاريخية نفصل فيها بين القبل والبعد بل هي موقف متعقل و شكل من العلاقة مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيار واع يقوم به البعض، وأخيرا نمط من التفكير والإحساس وطريقة في السلوك والاستجابة التي تدل علي انتماء معين وتظهر كمهمة يجب فعلها .يسند فوكو مجموعة خصائص للحداثة:ـ الحداثة الطارئة والمتقلبة وهي قطيعة مع التقاليد وإحساس بالجدة ووعي بالحركة المتقطعة للزمن.ـ الحداثة المتجولة التي تعلي من شأن الحاضر وتعمل علي تتبع سيلان الزمن وتشد الرحال نحو ما هو عظيم وجميل فيه من أجل ممارسة لعبة الحرية.ـ الحداثة الإرادية وهي شكل من العلاقة مع الذات وهي التأنق في الكشف عن الذات بما هي موضوع معقد ومضن من أجل بنائها ككائن مستقل.هكذا فإن التنوير يتعرض إلي نوع من الابتزاز عندما يعمل البعض علي تشريحه وتحليله والتمييز بين وجهه المضيء ووجهه المظلم وبين ما هو ايجابي منه وما هو سلبي ويدعو فوكو إلي بناء أنطولوجيا الحاضر التي تعمل علي القيام بنقد مستمر لأنفسنا من أجل تحليل ذواتنا ككائنات تاريخية يساهم التنوير في تشكيلها،ومن أجل تحقيق هذه المهمة يجب أن يقطع التنوير مع النزعة الانسانوية لأن التنوير هو نمط من العلاقة التي تقيمها الذات مع الحاضر ومجموعة من الأحداث التاريخية المعقدة التي هي بصدد التشكل والحدوث أما النزعة الانسانوية فهي مجموعة من أحكام القيمة تستعمل النقد لخلق التمايز لا غير وتضم عديد الاتجاهات من وجودية وشخصانية وماركسية ووضعية وكلها تتكلم باسم الإنسان وضد الإله والدين والميتافيزيقا، وهي تصورات مستقاة بطريقة ضدية من الدين والسياسة والعلم من أجل تزيين صورة الإنسان عن نفسه بطريقة وهمية. من هنا فإن التنوير لا يعد مذهبا إنسانيا بل هو وعي تاريخي يلتزم بالنقد كسلاح ويلزم الإنسان بالسعي إلي الاكتشاف الدائم لنفسه من خلال تمتعه باستقلاليته. إن التنوير عند فوكو ليس سلوكا رفضيا وهجوما تحطيميا بل هو موقف فلسفي حدودي يقف عند العتبات ولا يكتفي بالوقوف مع أو ضد بل يتعدي ذلك نحو نقد ما نقوله وما نفكر فيه وما نفعله من خلال أنطولوجيا تاريخية لأنفسنا . ومن أجل تلبية هذا المطلب يغير فوكو من مضمون النقد فهو لم يعد نقدا متعاليا بل محايثا وهو لم يعد مجرد رسم للحدود وجغرافيا ذهنية بل أصبح يمارس كتجاوز ممكن و كبحوث تاريخية من خلال الأحداث التي أدت إلي تكوننا والتعرف علي أنفسنا كذوات لما نقوم به وما نفكر فيه وما نقوله . فهو يجمع بين الأركيولوجيا والجنيالوجيا وبين التعامل مع الخطابات التي ينعقد فيها ما نفكر فيه ونفعله ونقوله ككائنات تاريخية واستخراج إمكانية أن لا نكون ولا نفعل ولا نفكر ما نكونه وما نقوله من الحالة العابرة التي جعلتنا نكون ما نحن عليه. لكن ما معني مثل هذا التصريح: الإنسان اختراع تظهر أركيولوجيا فكرنا بسهولة حداثة عهده وربما نهايته القريبة…عندئذ يمكن الرهان علي أن الإنسان سوف يندثر مثل وجه من الرمل مرسوم علي حد البحر.. ؟3/ في تأصيل التنوير في حضارة اقرأ: الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري، يوقد من شجـــــرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضـــــيء، ولو لم تمسسه نار، نور علي نور، يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للنــــاس، والله بكل شيء عليم .التنوير ضروري في حضارة اقرأ من أجل أن يتضح شيء من الوعي الذي نملكه عن أنفسنا وعن ماضينا . صحيح أن تجربة التنوير تبدو عصية المنال وصعبة الإدراك في ديارنا لتفجر المكبوت وانفلات اللامعقول وعودة الميراث إلي احتلال سطح الأحداث وسطوة المد السلفي وانتهاج القراءات النصية القطعية وشيوع موجة التقليد وصعود الخطاب المصاب بالوله الذاتي وانتشار النزعة الافتخارية الامتداحية من جديد ولكن كل ما يحدث الآن هو صيرورة إلي الحداثة وفي عمقه مسيرة نحو التنوير لأن ما نلاحظه علي المستوي السياسي والاجتماعي والدولي أن الجميع أصبحوا يحركون عجلة التنوير حتي وهم كارهون لها وتحالفت في ذلك النخب المثقفة والدول المحلية مع المنظمات الأهلية والجمعيات غير الحكومية وحتي إمبراطوريات العولمة فهي جعلت من شعار التنوير مطبا للتدخل في شؤون الآخرين ومهما يكن من أمر فإن الذي يحدث هو التنوير بالإكراه وكأن الشعوب المنتمية إلي دائرة الضاد تقاد إلي التنوير بالسلاسل وتحت الضرب بالسياط وانه لحدث تاريخي جلل تتفكك فيه كل العقد وتتفجر معه كل المكبوتات لتتحقق مصالحة قارئ الرسالة مع نفسه ومع السارد الأكبر الذي دعاه للقراءة. يمكننا أن نفتتح الحقل الفكري للتيولوجيا ـ الاناسية ـ المنطقية علي مرحلتين: فأولا ينبغي علينا تصفية كل المواقع التبجيلية الافتخارية التي تزعم أن الإسلام قادر علي مقاومة العلمنة. وثانيا ينبغي علينا أن نرفض مزاعم الفكر العلمانوي الذي يدعي أنه يمثل المرحلة الحاسمة من تحرير العقل خارج كل العقائد الخيالية .المطلوب هو عرض الإنسية العربية الأولي التي تأسست علي يد كل من الجاحظ والتوحيدي والمعري ومسكويه علي محك النقد والتمييز بين ما فكرت فيه وفعلته وقالته وما بقي عصيا عن التفكير ولم تفعله ولم تصرح ولو بكلمة حوله من أجل تجذيرها واستكمال ما كانت قد بدأته، ثم من جهة ثانية حري بنا أن نفتح العقل الأكسيولوجي العربي الإسلامي علي ثنائية التحسين والتقبيح الاعتزالية حتي تكون أساس الحكم علي الأفعال والخروج عن الثنائيات الميتافيزيقية اللاهوتية المتمثلة في الخير والشر والحلال والحرام لأن ثنائية التحسين والتقبيح تجعل الإنسان في موضع المشرع للمعايير التي ينظم بها علاقاته مع نفسه ومع الآخر ومع العالم وليس في موضع المتقبل لمعايير كوسمولوجية فوقية ولأن ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم . زيادة علي ذلك إن جهات الحكم الستة في الفقه: المحظور والمكروه والمباح والمتروك والمندوب والواجب تصلح لتجديد المنطق العقلي الذي يستعمل من جهة المعرفة والوجود والذي يحدد ميزان العمل بالنسبة للمرء ويجعله يخرج من ثنائية الوجود بما هو صادق/ كاذب إلي المنطق التعددي الذي يميز بين الحقيقة والصلاحية وبين الحقيقة المطلقة الثابتة والحقائق النسبية المتغيرة. كما أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كفيل بأن يجعل من الدين مجرد موعظة حسنة ونصيحة وتذكرة وليس تسلطا وفرضا للهيمنة وإكراها بحد السيف ويستدعي السياسة من أجل أن تخدم الحياة لا أن تقود إلي الهلاك والموت وأن يحول نظرية الإمامة إلي نظرية في الحكم الراشد الذي يدعو إلي النظام السياسي الصالح من خلال الشوري والبيعة العامة.إننا نطالب في كتاباتنا بالعودة إلي الفصل بين ما هو من شؤون الدنيا ـ التي نحن أدري بها كما قال الرسول صلعم ـ وبين ما هو من شأن العقيدة والدين. هذه الدعوة للتحرر لا تقوم علي إلغاء الدين وإلغاء نصوصه بقدر ما تقوم علي فهمه فهما علميا وتحديد المجال الخاص بها .إن التنوير في حضارة اقرأ ينبغي أن يكون تنويرا أصيلا ضد الجهل والزيف والخرافة وينخرط في تجربة التفكير وتقصي الحقائق والكف عن انتظار الأنوار المرسلة من العقل الفعال الإلهي إلي العقل البشري المنفعل وتقليب الأمور علي مختلف وجوهها قبل إصدار الأحكام وهو ضد التكفير والإقصاء والاستئصال ويحتكم إلي الدائرة التأويلية والتراث بوصفه مجموعة من الأفكار المسبقة التي تساعد علي الفهم ولا تعيقه، انه يتوج جهود السلف ويقتدي بما بذله العلماء والفلاسفة من غير ملتنا احتراما لقيم العقل ومثالية المعني وانه لا بد أن يبتعد عن كل أشكال التنوير الهجين الذي يكتفي بمحاكاة الغرب وتقليده دون مراعاة للخصوصية ودون احترام للمخزون الثقافي الذي يزخر بها التراث في هذا المجال. مما لا شك فيه أننا ننتقل ببطء شديد نحو التنوير وأن هذه الولادة العسيرة للحداثة في حضارة اقرأ هي ولادة قيصرية تتطلب تحريك العلوم الأصيلة علي مسطح محايثة جديد يقتطع من السديم الذي يغوص فيه الفكر العربي الإسلامي. إن الانتقال من مرحلة الاجتهاد الكلاسيكي إلي مرحلة نقد العقل الإسلامي ينبغي أن يصمم ويصور علي أساس انه امتداد للاجتهاد الكلاسيكي وإنضاج له .فهل قدر التنوير الأصيل أن يكون نقدا للعقل أم أنه مرتبط ببناء الحداثة من وجهة نظر عربية إسلامية ذات أفق كوني؟ ہ كاتب فلسفي من تونس7