من حروب أهلية الي مصائر انتحارية
سمير جبورمن حروب أهلية الي مصائر انتحارية الحروب الاهلية المشتعلة في الوطن العربي، سواء المعلنة أو الخفيّة، تلتهم اجزاء عزيزة من هذا الوطن لم يعد في الامكان اطفاؤها بسهولة، لانها تستعر وتمتد مثل النار في الهشيم. فما نكاد نفرغ من الكتابة والتحذير من نتائج حرب اهلية هنا الاّ واشتعلت حرب أهلية هناك. أن ما يجمع بين هذه الصراعات الانتحارية عوامل عديدة:أولا ـ انها لا تتخذ منحي الصراع الطبقي او الاجتماعي ـ الحضاري او السياسي من أجل تغليب صراع طبقة علي أخري يؤدّي في النهاية الي قيام نظام اجتماعي وسياسي مختلف عن النظام السابق يخلص البلد من آفات اجتماعية وتخلف سياسي واقتصادي. انما هو صراع مذهبي كما يحدث في العراق او صراع طائفي ـ سياسي كما يجري في لبنان او صراع فئوي ـ سلطوي كما هو الحال في فلسطين او صراع اثني كما يحدث في السودان. ثانيا: أن مصدر هذه الحروب هو في الغالب واحد وهو السيطرة الامبراطورية الغربية والصهيونية او الاثنتان معا. الحرب الدائرة في العراق ناجمة عن احتلاله للسيطرة علي مقدراته بعد تدمير بنيانه. والحرب الوشيكة في لبنان تحركها اسرائيل لاسباب لم تعد خافية علي أحد. وربما وجدت أن افضل وسيلة للانتقام من حزب الله هي اغراقه في حرب أهلية. ناهيك بأن اسرائيل ستواصل محاولاتها لتحقيق أطماعها في لبنان. وافضل وسيلة لتحقيق هذا الهدف هو تفكيكه وتقسيمه. وقد جربت ذلك عندما اشعلت الحرب الاهلية في سنة 1975. ثم قامت باجتياحه سنة 1982. وهي المحرك للاقتتال الدائر في فلسطين لتصفية القضية الفلسطينية علي ايدي ابنائها بعد ان عجزت عن ذلك بقوتها العسكرية وجبروتها.ثالثا ـ أنها تدور في فراغ ايديولوجي بعد الضربات التي وجهت الي الفكر القومي الوحدوي الذي يشكل بوتقة تنصهر فيها جميع النزعات المذهبية والطائفية والعرقية. ومن المحزن ان تملأ هذا الفراغ تيارات مذهبية او طائفية لا تمت الي تعاليم اية ديانة بصلة.رابعا ـ ان هذه النزاعات الدامية تفتقر الي افق سياسي والي قضية وطنية ولا يبدو في الأفق نهاية وشيكة لها يتغلب فيها الضمير الوطني علي المصالح الضيقة. بل تبدو انها تدور بلا هدف سوي الدمار والخراب وقتل الابرياء. وهي سريعة الاشتعال بفعل عوامل خارجية؟قادة لبنان لم يتعظواولنبدأ بلبنان. من الصعب علي المرء ان يفهم كيف يعود لبنان العزيز علي قلب كل عربي (ما عدا بعض قادته الذين يساهمون في اشعال الحرب الاهلية) الي الوقوف علي شفير حرب أهلية بعدما شهدوا حربا طائفية استمرت زهاء 15 سنة (1975 ـ 1990) وكادت تحرق الأخضر واليابس. ويبدو أن قادة الطوائف الحاليين لم يتعظوا من أخطائهم ومن أوهام الزعماء الراحلين ولم يأخذوا العبر من تلك الحرب الدامية وأهمها: أن احدا لم يفز في تلك الحرب وكان الخاسر الاكبر هو لبنان بكل ما كان يمثل وبكل منجزاته العظيمة علي صعيد المال والاقتصاد والعلم والطب والسياحة وحرية الصحافة. وأن ما دمر من الصعب اعادة بنائه بسهولة. وما أعيد بناؤه جزئيا (بمساهمة الحريري الذي اغتيل لانه حاول اعادة بناء لبنان) دمرته اسرائيل بسهولة، بغض النظر عن الذرائع التي تشدقت بها. ناهيك عن أن تركيبة هذا البلد لا تسمح لفريق بالتغلب علي آخر. والعبرة الثانية أن التدخلات الخارجية في ذلك الوقت (وتتكرر اليوم) لم تجلب علي لبنان سوي الدمار والويلات والخراب. فالذين استنجدوا باسرائيل لتحميهم من أوهام أخطار زعموا انها تهدد وجودهم لم يكونوا علي وعي كامل لحقيقة أن اسرائيل لا تخدم مصلحة أحد، ولا تحمي أحدا الا خدمة لاطماعها التوسعيّة. فعندما وقف مناحم بيغن رئيس حكومة اسرائيل ليعلن عشية اجتياح لبنان في صيف 1982، ان اسرائيل تريد حماية موارنة لبنان من مصير شبيه لما تعــــرض له اليهود علي ايدي النازية ، لم يتنبه أحد لحقيقة أن اسرائيل نفسها دمرت قرية كفرعم المارونية في الجليل الاعلي في فلسطين ولم تسمح بعودتهم اليها حتي الآن بعد أن حولت بيوتهم وكنائسهم الي خرائب. وحتي الذين استنجدوا بسورية فاتهم أن لسورية أجندة تختلف عن أجندتهم وثبت أن السوريين ليسوا ملائكة تحـــمي السلم الاهلي في لبنان. ولم يتعظ أحد ليستنتج أن الدرع الواقي الذي يحمي لبنان ويعيد اليه عافيته هو الوفاق الوطني القائم علي قناعة جماعية..والعبرة الثالثة، أنه حان الاوان لاعادة النظر في الصيغة اللبنانية الحالية التي لم تحقق للبنان اي استقرار بل كانت تعرضه من حرب اهلية الي اخري. وعلي جميع اللبنانيين قادة ومواطنين ان يفكروا في صيغة جديدة تحقق الوفاق الوطني القائم علي الحق والعدل والمساواة. ومنذ وضع الصيغة الاولي حدثت تغييرات اقليمية كبيرة في المنطقة وجرت تحولات ديموغرافية.. الخ.ثمة حقائق جديدة راسخة علي الارض اللبنانية لا يمكن تجاهلها منها من افرزتها الحرب الاهلية السابقة ومنها من نجم عن احتلال اسرائيل للجنوب اللبناني، والخلاصة ان انزلاق لبنان هذه المرة الي حرب اهلية جديدة سيؤدي الي نتائج خطيرة لانها تكون أعنف من السابقة. واذا وقع ـ لا قدر الله ـ لن تقوم للبنان هذه المرة اية قائمة. وعلي القادة اللبنانيين الاختيار بين احياء لبنان بالوفاق الوطني ورد الاعتبار اليه، وبين الزج به الي مصير انتحاري. ولا يزال هناك متسع من الوقت للعمل قبل أن تفلت الامور من عقالها.الفلسطينيون يقعون في الافخاخ بسهولةان ما يجري علي الارض الفلسطينية يفوق كل تصور. إذ أن الملايين من ابناء الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الداخل يتابعون ما يجري من اقتتال بين ابناء القضية الواحدة بألم في النفوس وحسرة في القلوب. والأدهي من ذلك أن ابناء الشعب الفلسطيني لا يعرفون مـــــوجبات هذا الاقتتال ولا يرون له مبررا سوي تصارع علي سلطة رهينة الاحتلال. وكأنه لا يكفي الانسان الفلسطيني ما يتعرض له من قتل وتجويع وافقار علي يد المحتل.المشهد الفلسطيني يدعو الي الحزن والاسي. الفلسطينيون يقتلون بعضهم بعضا والاسرائيليون يواصلون ترسيخ الاحتلال اما بتوسيع الجدار العنصري او بتوسيع الاستيطان. والمحتل يدرك ان اغراق الفلسطينيين في حرب اهلية لتصفية القضية انما هو أكثر نجاعة من جميع اسلحة الدمار التي تستخدمها اسرائيل. ولتعلم قادة الفصائل المتصارعة أن جميع الفلسطينيين بمختلف اطيافهم ولا سيما في الشتات يواجهون محنة في الرد علي اسئلة شرعية: علي أي شيء تتقاتلون؟ وكيف تطالبون باقامة دولة فلسطينية وأنتم مختلفون علي ادارة سلطة هزيلة؟ وحتي لو اقيمت هذه الدولة هل ستنقلون صراعاتكم هذه اليها؟ومما يثير الدهشة والحيرة تلك السهولة التي يقع فيها القادة الفلسطينيون في الافخاخ. فبعد أن تأتي كوندا الي المنطقة، وبعد تبادل القبلات بين عباس وأولمرت يشتعل القتال. وكأن هذا الشيء الوحيد الذي يعرض علي الفلسطينيين. تقاتلوا، واذبحوا بعضكم بعضا أولا، ثم سنري ماذا سنعطيكم. هذا هو الانتحار بعينه. ألم يحن الوقت ليعي قادة فلسطين ما هم فاعلون والي اي مصير انتحاري سائرون؟المذابح في العراق الطامة الكبريان كل ما يكتب ويقال عن العراق ومحنته سيكون من قبيل التكرار. فهو امتداد لما يجري في فلسطين ولبنان. حرب اهلية لم يكن في الامكان اشعالها الا بعد تدمير هذا البلد الغني المقتدر. ومن دون الاحتلال ومن دون زرع الموت والخراب، لم يكن في الامكان تفتيته ثم تقسيمه. ولما وجد المحتل انه عاجز عن اخضاع العراق بكل فئاته لسلطته الاستعــــمارية لجأ الي اشعال الفتنة الطائفية.وكما حصل في لبنان، عندما عجزت اسرائيل عن تحقيق اهدافها في لبنان لجأت الي تحريك الحرب الاهلية. وكذلك في فلسطين كما ذكرنا.ان قادة العراق الحاليين سيدركون ان عاجلا أم آجلا انه يستحيل تغليب طائفة علي اخري، كما اثبتت التجارب في الماضي. وعليهم أن يدركوا أن علي راس الاوليات لتحقيق الاستقرار في العراق التخلص من الاحتلال، ثم تحقيق الوحدة الوطنية واشراك الجميع في الكعكة بعيدا عن الاعتبارات الطائفية والا سيواصل العراق السير نحو مصيره الانتحاري.كاتب من فلسطين يقيم في كندا8