قراءة في رواية أوراق الجارح لخالد إسماعيل انهيار الحلم، انهيار الإنسان
محمد صلاح العزبقراءة في رواية أوراق الجارح لخالد إسماعيل انهيار الحلم، انهيار الإنسان الطيور التي لا تطيرطوت الريش واستسلمتهل تري علمتأن عمر الجناح قصير، قصير؟! بهذه الكلمات لأمل دنقل يختتم الجارح عبدالباري أوراقه، التي فضل أن يفتتحها أيضا بأبيات دنقل.وكأنما يتلبس خالد إسماعيل هنا في رواية أوراق الجارح روح أمل دنقل، وينقل لنا سردا الوقائع المكملة أو الشارحة لانهيار الحلم الاشتراكي، المواكب لاغتيال أو انهيار الجارح عبدالباري نفسه الذي اختاره الكاتب لينقل لنا من خلاله كل تفاصيل التجربة المصغرة، تجربة إقامة الحلم اليساري في منطقة هي أحوج ما تكون إليه، كوم النجار ، حيث انهيار المستويات الاقتصادية والطبقية، والعيش في ظروف غير آدمية، وما يؤدي إليه ذلك من انهيارات إنسانية متوالية.تقوم الرواية علي الفضح المنتظم لكل المسكوت عنه في المجتمعات المغلقة المظلومة اقتصاديا واجتماعيا، متمثلة في مجتمع الصعيد كنموذج، حيث العلاقات الجنسية المحرمة، والشذوذ ولا إنسانية التعامل بين أهل هذه المناطق والمجتمعات، حتي بين الزوج وزوجه، والأب وأبنائه.فتظهر عائلة كاملة، مثل عائلة السيدة س ، التي يبدو أن الجنس هو المحور المهم الذي تقوم عليه حياتها، حيث تزوجت وأنجبت خمسة أبناء، لكنها ما زالت محتفظة بأنوثتها وبهائها، وتنخرط في علاقات آثمة كلما سنحت فرصة، وأمها التي تزوجت خمس زيجات مختلفة كمحاولة لإشباع نهمها الجنسي.والمتابع لأعمال خالد إسماعيل يجد أن العلاقة الجنسية الكاملة لا تحدث غالبا أو تفشل، طبقا لقوانين المجتمعات المغلقة التي تدور فيها، لكن هنا تقوم علاقة كاملة ومتكررة بين الجارح والسيدة س التي هي في عمر والدته تقريبا بمجرد توافر الشرط المنطقي، فدخوله وخروجه عليها مبرر بصداقته لابنها.وفضح المسكوت عنه لا يقتصر في الرواية علي المجتمع المصغر، بل يمتد ليشمل نقد النظام الناصري وسدنته، فالجارح لا يحب عبدالحليم حافظ ويري أنه مطرب الدولة، حتي أحاديثه الإذاعية التي (يتمسكن) فيها ويرسم العذاب، لم تستطع إقناعه، علي حد قوله. ويقول مخاطبا نادية حبيبته: تصدقي عبدالحليم في عز حرب الاستنزاف كان يلعب ألعاب الحظ، يعني الشباب بيموت، والأمهات لابسة أسود، وبسلامته قاعد يلعب ويمزح .ويلجأ الكاتب في روايته الي عدة حيل وتقنيات فنية حديثة في مجال السرد الروائي، موظفا إياها بحرفية علي مستوي الشكل والمضمون في اتجاه ما يريد الوصول إليه من الرواية، حيث تنقسم الرواية الي أقسام أربعة كالتالي:القسم الأول: مقدمة بقلم الشافعي عبدالخالق يمهد فيها لأوراق الجارح، ويتولي مهمة تعريف القارئ به وبقضيته، متوسلا في ذلك لغة سردية بسيطة متجردة عمدا من الحيل الفنية، لمناسبة الشخصية العادية للشافعي الذي ينتهي دوره بانتهاء المقدمة، تاركا المجال أمام الجارح ليقدم أوراقه بقلمه.ثم القسم الثاني، ويستغرق تقريبا نصف الرواية، ويتميز السرد فيه باللغة الفنية العالية المناسبة لشخصية الجارح المثقف الذي يمارس الإبداع، والحوار الذي يجسد الشخصيات، خصوصا مع الحرص علي استخدام اللهجة الصعيدية التي لا تخفي علي المتلقي غير الصعيدي .وفي القسم الثالث يقدم لنا الكاتب قصة داخل نسيج العمل الروائي: البيت المسكون بالحزن ـ قصة بقلم الجارح عبدالباري وهي تقنية موفقة، حيث أفادت اللغة من استخدام لغة القص وتضفيرها داخل الرواية، والميل الي اختزال الحكاية، واستخدام الرمز البيت ، وتقسيم القصة الي مقاطع مرقمة من 1 إلي 7 ، ثم يذيلها الكاتب ب: كوم النجار ـ في 25 ـ 5 ـ 1990 الساعة الرابعة عصرا وكأنه يؤرخ لنهاية الحلم، حيث أصبح البيت مسكونا بالحزن والخوف.وفي القسم الرابع يختار الكاتب نماذج إنسانية هي جانية ومجني عليها في الآن ذاته، يمثل بها الواقع المتردي الذي آلت إليه الأمور في مجمعاتنا التي هيمن عليها الفقر والجهل وانعدام القيم، مما ينذر بانهيار المجتمع بأكمله، فيقدم لها بمقدمة شارحة، ثم يقدم شخصياته فيما يشبه البورتريه الفني، مع التركيز علي الصفات التي تخدم وجهة نظره. والرواية ترصد فقر أهالي مجتمع الصعيد رصدا فاضحا، من أجل التأكيد علي أهمية الحلم الاشتراكي، وضرورة تحقيقه، يقول: سكن إعمر أبو كنكة بيت نصير الواقع في أول شق الحوي ، وأثاثه عبارة عن دور مبني بالطين يقوم بدور الدولاب في البيوت المرتاحة، وبلاص عسل من الفخار يقوم بدور الزير وعلبة بيروسول، مركب عليها قلب من الجلد والخشب وقصبة من الغاب، وهي الجوزة التي تعطيه متعة تدخين معسل السلوم الذي ينفق عليه جزءا كبيرا من المعاش .كما تهتم الرواية بتعرية الواقع الذي أدي الي تجربة السفر الي الخليج، والآثار المترتبة علي هذه التجربة، من تحلل أخلاقي، وتفسخ أسري، وفساد مالي يصيب المجتمع، إ ضافة إلي أن المسافر يبيع كرامته هناك، وعندما يعود يكون قد تعود علي المهانة فلا يستطيع مفارقتها، ويمارسها كطقس يومي عادي.ويستفيد خالد إسماعيل بشكل جيد من معرفته بأصول العائلات المصرية، من الجغرافيا الدقيقة لتوزيع القري والبلاد علي جانبي النيل، وخاصة في الوجه القبلي، فمثلا يتتبع النسل الباقي من قبيلتي جهينة وفزارة العربيتين، وينتقل ببراعة بين الأماكن التي تدور فيها أحداث روايته، مثلا يقول: أم شحاته اسمها بخيتة علي عثمان، تنتمي الي أبناء عمومتنا عرب خروف الذين نزلوا مع نزول فرع من قبائل أولاد علي الأبيض في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر إلي الصعيد، وسكنوا في الجيزة، وبني سويف، والفيوم، والمنيا، وأسيوط، وسوهاج في القري الواقعة غرب النيل . أوراق الجارح رواية تنتصر للفكر اليساري، وتري أن فشل التجربة اليسارية تسببت فيه عدة عوامل من أهمها اليساريون أنفسهم، ثم الظروف السيئة التي وقعوا فيها، ورفض المجمع الجاهل للأفكار التي من شأنها أن تقضي علي جهلهم وفقرهم.والرواية مع كونها لا تطرح حلا زاعقا، إلا أنها لا تنعي الحلم الشيوعي بقدر ما تحاول الوقوف جانبه حتي ينهض متماثلا للحياة مرة أخري.روائي وناقد من مصرQMK0