المسرح الملحمي وشعرية التغيير: بمناسبة مرور خمسين عاما علي وفاة برتولد بريشت

حجم الخط
1

المسرح الملحمي وشعرية التغيير: بمناسبة مرور خمسين عاما علي وفاة برتولد بريشت

عبدالجبار خمرانالمسرح الملحمي وشعرية التغيير: بمناسبة مرور خمسين عاما علي وفاة برتولد بريشت اذا اعترفنا بأن العالم الحديث لم يعد قادرا علي الانخراط في الأشكال الدرامية الموجودة فما هذا الا لأن هذه الأشكال الدرامية لم تعد تتلاءم مع عالمنا.. علي هذا النحو رأي بريشت أن وظيفة المسرح المتمثلة في المعالجة النقدية للمشاكل الحياتية بغية تغييرها، هي السبيل لبلورة شكل درامي خاص يتلاءم والوضع الاجتماعي الناشيء، ومن هنا تحركت آلة مسرحه الملحمي بترسانة مفاهيمية لاستيعاب الواقع الاجتماعي الذي أصبح من المتعذر في عصرنا الحديث ـ حسب رأي بريشت ـ أن ننظر اليه نظرة ميتافيزيقية.. فما الانسان الا نتاج لبنية فكرية/ ايديولوجية معينة وجب ادراك القوانين الاجتماعية المتحكمة فيها والايمان بامكانية تغييرها. ان جوهر المسرح الملحمي كما نظر له صانعه يكمن في نبذه لما يعرضه لنا المسرح الدرامي الأرسطي من قوانين لأخلاق أبدية تربط الانسان بالآلهة وصراعه مع القدر الذي يتعذر تحاشيه، هذه الرؤيا للعالم تجعل الكائن البشري كائنا ثابتا غير تجاوزي ولا قابلية له للتغيير، زج به في عالم مغلوق مجهول ذي بنية دائرية، تتقاذفه أيادي خفية وقوي غيبية لا مهرب له من الرزوح تحت عبء سيطرتها.لقد عمل بريخت جاهدا علي معالجة الظاهرة الاجتماعية كمعطي مادي وجب علي الدراما تشريحه وكشف متناقضاته فالعلاقة الاجتماعية ـ في نظره ـ وحدها تمنح المسرحية حركيتها.. لكن أن تظهر رجلا يخاف الكلاب، أمر ليس فيه من الحركية الاجتماعية في شيء.. بل الحركية الاجتماعية تكمن في اظهارنا لرجل يرتدي الأسمال وهو علي الدوام عرضة لهجوم كلاب الحراسة عليه. بريشت بهذا لا يستخدم الكتابة الدرامية واسطة بل يوجه مسرحا حيا لمشاهدين أحياء، فهو من زمرة المسرحيين الذين فكروا بالبنية الدرامية في تعالقها النصي والحكائي بالاخراج والتمثيل علي حد سواء.النص البريشتي/ الملحمي لا يتساوق كمنجز مسرحي علي الركح، الا مع قراءة اخراجية بنفس ملحمي؛ ولعب مسرحي تكون فيه نظرية المسرح الملحمي علي مستوي الأداء التمثيلي نقطة ارتكاز الممثلين. كانت الدراما ولزمن طويل تتبني الأصول الدرامية الأرسطية كأساس لقيمها الجمالية والفكرية، لكن مع بريشت نجد رفضا للمحاكاة الأرسطية ذات الطابع الدرامي والتي تقوم علي الفعل ، ليتبني الحكي كطابع ملحمي يميز مسرحه اللاأرسطي .ومعلوم أن الاغريق عرفوا نوعا من المحاكاة جنحت للسرد والحكي، والمتجسدة مثلا في الملاحم الاغريقية ـ كالالياذة والأوديسة لهومروس ـ والتي اشتق منها لفظ ملحمي .والملحمة كما عرفها أرسطو تتميز عن المأساة بطولها وبتناولها عدة أجزاء للفعل في وقت واحد وذلك بفضل كونها حكاية .لقد قدم بريشت الأدوات والعناصر المحورية في نظرية مسرحه الملحمي، كوسائط وبدائل لما تأسست عليه الدراما الأرسطية من أصول وقواعد. نذكر منها: ـ حضور البعد الاجتماعي والذي سبقت الاشارة اليه. ـ مبدأ التغريب : وهناك مجموعة من الآليات كوسائط لبلوغه وتتجسد في: التقطيع النصي ـ السرد ـ التعليق ـ الغناء ـ والطابع الجدلي الديالكتيكي ..الخ يقول بريشت ان تغريب حادثة أو شخصية، يعني ببساطة تخليص تلك الحادثة أو الشخصية مما هو ظاهر بديهي ومعروف، وايقاظ الدهشة والفضول بدلا عن ذلك .فالتغريب اذن هو العملية التي تخول لنا النظر الي الظواهر والمشاهد العادية والمألوفة وكأننا نراها لأول مرة، معيدين بذلك اكتشافها، ان تعريف انسان الاسكيمو ـ السيارة بأنها طائر بلا أجنحة، يزحف علي الأرض، تعريف كهذا كفيل بتغريب السيارة .ـ هذا بالاضافة الي الهدف التعليمي الديداكتيكي . اذا كان التعريف الشهير الذي وضعه أرسطو للمحاكاة ينص علي أنها فعل نبيل تام […] تتم بواسطة أشخاص يفعلون لا بواسطة الحكاية، لتثير الشفقة والخوف اللذين يؤديان الي التطهير ومعني كلام أرسطو المسطر بكتابه فن الشعر ،أن المشاهد يتماهي مع أحداث المأساة ويحس بأنه علي شاكلة أبطالها ـ أوديب مثلا ـ فيتعاطف مشفقا علي حالهم، خائفا ان يمسه ذات مصابهم..فبريشت علي النقيض من ذلك، لا يهب المشاهد المسرحي فرصة الاندماج ببساطة مع الشخصيات مستسلما لعواطف تشل حاسته النقدية وتحول دون استخلاص نتائج عملية، فذلك من شأنه جعل الجمهور مستهلكا للمادة الدرامية في حين عليه أن يكون هو أيضا منتجا. فما يجري مع المتفرج أهم عند بريشت مما يجري داخله انه عامل أساسي والمصب الجوهري للعملية المسرحية،علي اعتباره مشاركا يمنح الحرية لمخيلته وردود أفعاله لتبرز فاعليتها، وأن يعوض عن احساسه بعاطفتي الشفقة والخوف بما يسميه بريشت رغبتي المعرفة والتغيير .اذن لدينا نوعان من المتفرجين يميز بينهما بريشت: ـ متفرج المسرح الدرامي (بالمعني الأرسطي) يقول لسان حاله : نعم، شعرت أنا أيضا بمثل هذا، هكذا أنا، انه أمر طبيعي، وسيكون دائما هكذا. آلام هذا الانسان تحزنني لأنه لا خلاص له منها، هذا فن عظيم، كل شيء يفهم تلقائيا، أبكي مع من يبكي وأضحك مع من يضحك . ـ أما متفرج المسرح الملحمي فيقول : لا، لم أتخيل قط شيئا كهذا، لا يحق لنا ان نتصرف كذلك، هذا غير مألوف، لا أصدق عيني، يجب أن يتوقف كل هذا، آلام هذا الانسان تحزنني لأنه يستطيع التخلص منها، هذا فن عظيم لا شيء يفهم تلقائيا، أضحك ممن يبكي، وأبكي علي من يضحك .يركز بريشت في تمييزه هذا علي واسطة عقد مسرحه ان لم تكن أيقونة نظريته .La distanciation كلها : التباعدية/ أي تلك المساحة من اللاتماهي أو ذلك التيار النقدي المرافق للنص الملحمي، وللأداء التمثيلي مرورا بالاخراج المسرحي، لتُخلق في النهاية حالة فرجوية خاصة تضع المشاهد في صلب العملية المسرحية من حيث هي لعبة وتمسرح، ولتضع المسرح في صلب وظيفته الاجتماعية ولتمكن الجمهور من الحفاظ علي مسافة بين الخشبة والصالة حتي لا يتوحد بالأحداث ويصير جزءا منها وبالتالي يكون عاجزا عن اصدار أي حكم. ينبغي علي الممثل أن لا يفكر بنقل المشاهدين الي عالم من الغيبوبة، أو أن يسمح هو لنفسه بالانغماس في عالم من الغيبوبة أيضا، وأن يحافظ دائما علي مسافة بينه وبين الشخصية التي يمثلها ليعطي الجمهور الاحساس بأن ما يجري أمامه ليس الا لعبة مسرحية، موجها اياه الي رد فعل انتقادي. وهناك وسائل عدة يضعها بريشت في متناول الممثل لاستعمالها أثناء التمارين لمساعدته علي تغريب الشخصية وابعاد اندماجه معها :1 ـ النقل علي لسان شخص ثالث (غير المشاركين في الحوار)2 ـ النقل بالزمن الماضي.3 ـ قراءة الدور / الحوار الي جانب التعليقات والملاحظات.وبخصوص تقنية لعب الممثل أيضا، يجدر بنا أن نورد ما اصطلح عليه بريشت والذي يقصد من ورائه مجموع الحركات والتعابير Gestus الغستوس /اللا لفظية وقد تكون مصاحبة بحوار أو بدونه، متخذة شكل استجابات من شخصية أو أكثر تجاه بعضها أو تجاه الاحداث والمواقف، فشخص يبيع السمك ـ يشرح بريشت ـ يُظهر لنا بشكل أو بآخر الغستوس المرتبط بعملية البيع […] قد تستبدل الحركات والكلمات بحركات وكلمات أخري، دون احداث أي تغيير بـ الغستوس . الغستوس اذن ذلك المرجع الاجتماعي لما يستعمله الفرد في حياته اليومية من حركات ورموز مستقاة من الوسط الاجتماعي أو العالم المهني أو خصوصية ما يتطلبه الموقف مما يجري أو طبيعة العلاقات مع الأشخاص..الخ.المسرح الملحي يرفض بالبت والمطلق الأسلوب المغناطيسي للتمثيل حيث تتسربل الأحداث بالحقيقة التي لا حق للجمهور في التساؤل حولها، فالأحداث متغيرة بطبيعتها وغير ثابتة لذا فهي محط فضول ودهشة وقلق حتي نعيد اكتشاف المعطيات التي أفرزتها والظروف الكامنة خلف تمظهراتها.فبريشت كما يقول روبرت ل.هيلر: يرغب في جعل المشاهدين ينظرون الي العالم ـ وخاصة الظواهر الاجتماعية ـ بالعين المغربة التي نظر بها نيوتن الي التفاحة الساقطة. فالأشياء التي تبدو لنا الأكثر بداهة قد تكون الأكثر غموضا، لو نحن فحصناها مجردين من نظرتنا المسبقة عنها ـ فالمعروف مجهول ـ كما يقول هيغل، ولادراك شيء معروف يجب ازالة التصور الذي يزعم بأن هذا الشيء لا يحتاج ايضاحا. وهنا تبرز فاعلية علة التغريب ، فبتغريب المعتاد والجاهز والعام نجعله يظهر كمعطي غريب ومتميز وخاص يتسم بطابع فريد يمنحنا القدرة علي تعميق الوعي به والادراك له.وعلة التغريب اذا ما عدنا اليها قد تتحقق باضفاء الطابع التاريخي علي الأحداث الراهنة، بغية مناقشتها وكشف القناع عن التقاطعات بينها. من العناصر الملحمية الأخري ـ السابق ذكرها ـ نورد عنصر التقطيع :ففي الوقت الذي تعتمد فيه الدراما الأرسطية علي محاكاة فعل تام له بداية ووسط ونهاية بحيث تتسلسل الأحداث بشكل عضوي، لينتج عن ذلك الارتباط السببي بين أجزاء الحكاية التي يولد بعضها بعضا، نجد العمل الملحمي كما أشار الي ذلك ـ دبلين ـ بامكاننا تقطيعه الي أجزاء، ومع ذلك يحافظ كل جزء في حدود معينة علي قدرته الحياتية، وما يؤكد، هو ثورة بريشت علي الشكل الكلاسيكي المغلق مستعيضا عنه بشكل مفتوح مبني علي حرية الحركة والتجزيء، فجل مسرحياته عبارة عن لوحات لكل منها عنوانها الخاص، ( الأم شجاعة تحتوي علي اثنتي عشرة لوحة).ومن العوامل التي يوظفها بريشت لقطع استمرارية الحدث نجد المقاطع الغنائية. مسرحية رجل برجل علي سبيل الذكر تتضمن أغاني مفصولة عن حبكة الحكاية، حيث يتوجب علي الممثلين التوقف عن التمثيل لأداء الأغاني التي تتخذ شكل التعليق، مانحين للجمهور فرصة استيعاب ما فات من الأحداث وليستعدوا للأحداث القادمة (ممثلين ومشاهدين). الي جانب الغناء هناك السرد فمع بريشت أصبح المسرح يروي وهكذا لم يختفِ الراوي باختفاء الجدار الرابع.أما عن الديالكتيك :فقد استطاع بريشت، ولتأثره بالفكر الماركسي والفلسفة الهيغلية، أن ينقل وبشعرية مرهفة الديالكتيك الي المسرح وذلك لما يخوله هذا الأسلوب من فهم لحركية المجتمع ولتحولات وتطورات أوضاعه الناجمة عما يحمله من تآلفات وتناقضات.الي جانب رفضه للقواعد الأرسطية رفض أيضا وظيفة المسرح البرجوازية والذي يسعي الي حجب التناقضات الاجتماعية، من أجل اعادة انتاج ذاتها البرجوازية، الشيء الذي يشيع الوهم بوجود الانسجام، وباظهار العلاقات الانسانية والاجتماعية علي أنها ثابتة وغير خاضعة لأي شروط تاريخية تحكم مجرياتها ـ يقول بريشت: لأجل أن نبحث الطبيعة التغييرية للعالم علينا أن نفهم قوانين وقواعد تطوره، وفي هذه الحالة فاننا نعتمد الديالكتيك .ومعلوم ان هيغل وضع ثلاث حالات للديالكتيك : Synthese ـ التركيب/ Antithese /المناقض الطرح ـ These/الطرحفتزاحم وصراع الأضداد هو المحرك الاساسي للتطور الاجتماعي وللصيرورة التاريخية ككل، فعلي أنقاض أنظمة ورؤي مضمحلة تنشأ أنظمة ورؤي جديدة لتضمحل بدورها مؤشرة بولادة أنظمة أخري.مسرحيات بريشت يحطمها المنطق الجدلي المبني علي متتاليات من المتناقضات باتجاه الكشف عن الحقيقة الاجتماعية وكذا السياسية وتعريتهما من كل ما هو زائف.ولقد كان لـ بسكاتور تأثيره الكبير علي بريشت، الا أن هذا الأخير ورغم بعض الرسائل السياسية التي تحملها أعماله المسرحية نجده مختلفا، فالهدف السياسي جزء من كل، بريشت لا يأخذ الوقائع السياسية كغاية يجب ايصالها للجماهير فحسب وانما كوسيلة أيضا للاشتغال الدرامي والصياغة الفنية فالأحداث السياسية بالنسبة له ـ كما يقول أحمد عثمان في كتاب البريشتية والشيوعية ـ مصدر الهام كما تكون الطبيعة بالنسبة للشعراء .ومع أن بريشت أدرك الوظيفة الاجتماعية للمسرح كقيمة، لم يهمل المتعة كقيمة انسانية أيضا، فهو يربط جمال المسرحية بفائدتها، واذا كان علينا أن لا ننهار أمام سحر أي مسرحية في حين ندرك أن فائدتها قد انتهت منذ زمن، فالمسرح في بعده الديداكتيكي /التعليمي عند بريشت ليس مسرحا في خدمة التعليم (كما هو عليه الأمر في بعض المدارس التي تستعمل المسرح وسيلة للتبسيط) كما أنه ليس تعليما في خدمة المسرح (حيث يكون الهدف تلقين التلاميذ أو المشاركين أسرار الفن، لأجل التكوين المسرحي) بل مسرحا يكون هو نفسه تعليما، للمشاركين فيه مهمة التعليم والتعلم في الآن ذاته، بحيث تختفي الفوارق بين الممثلين والجمهور فأن تفعل أفضل من أن تحس .وكما ورد في كتاب مسرح التغيير ليس هناك من قيمة للفن الذي لا يهدف سوي للتعليم، ويعتقد أنه سيفعل ذلك باستعمال العصا، متجاهلا كل الأساليب المختلفة الموضوعة تحت تصرف الفنون، وهذا لن يعلم الجمهور بل سيضجره، ان للجمهور الحق في المتعة.وتجدر الاشارة ـ وكما جاء في تصريحات بريشت ـ الي أن الاتجاه التعليمي في مسرحه الملحمي ليس جديدا فقد سبق للمسرح الديني في القرون الوسطي أن أظهر اتجاهات تعليمية، كالمسرح الاسباني الكلاسيكي والمسرح اليسوعي.يبقي أن نورد هنا أن بريشت في اضافته الأخيرة بكتابه الأرغنون الصغير أقر بأن المسرح الملحمي كمصطلح فقـــــير جدا وعام بالنسبة للمسرح الذي كان ينـــشده فهو في حاجة الي تعريف أكثر دقة والي تطعيم أكثر.واذا كان رأس بريشت برج نار بحيث جعل فتيلة أسئلة عـــــديدة تحرق كل ما هو جاهـز من أشكال المسرح القديم ـ بل وكاد يحرق مصطلح مسرحه الناشيء آنذاك ـ ألا يحق لنا أن نتساءل نحن : ـ ما موقع المسرح الملحمي الآن والذي تحول بدوره الي شكل مسرحي كلاسيكي؟وكيف يمكننا تناوله وتوعية جمهور تداهمه الشاشات الالكترونية وميديا البشاعة والبلادة كل يوم؟هل يمكن أن يكون للمسرح فاعليته داخل أمة لا تميل الي مناقشة مشاكلها ومختلف أمورها في المسرح؟ مسرحي مغربي مقيم بباريسQMS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية