عدوي الرهان الكولونيالي!

حجم الخط
0

عدوي الرهان الكولونيالي!

خيري منصورعدوي الرهان الكولونيالي!عبارة ليست عابرة تلك التي قالها الاقطاعي المؤمّم طُلبة مرزوق في رواية ميرامار لنجيب محفوظ، انها تعليق شامت علي اشتباك الشخصية الانتهازية في الرواية وهي سرحان البحيري مع الفلاحة زهرة التي كانت تعمل خادمة في بانسيون ميرامار…لقد كان اشتباك المثقفين مع الفلاحة بالنسبة للاقطاعي الذي فقد نفوذه بعد الثورة رهانا هو ما تبقي له من رجاء، واستوطنت هذه الفكرة في ذهن الروائي الراصد بامتياز لتحولات المجتمع المصري بحيث جعل اقطاعيين آخرين قد جددوا الرهان علي انتصار العدوان الثلاثي واقتلاع الثورة في (السمان والخريف)..ما يهمنا من هذه الثيمة الروائية المحفوظية تجلياتها لا في نصوصه فقط، بل عبر مرحلة تجاوزت الخمسة عقود، ورث فيها الكومرادور كل أمراض الاقطاع ببعديه السياسي والاقتصادي، حتي الثورات العربية التي اندلعت في النصف الثاني من القرن العشرين اصابتها العدوي ذاتها، لكن رهانها تحول من صعيد الي آخر، بحيث لا تترقب بشماتة اشتباك الفلاح مع المثقف، لأنهما كما زعمت جناحاها اللذان حلّقت بهما، الرّهان الجديد هو علي الصراع بين شريحة من المثقفين وشريحة مضادة، خصوصا بعد أن انشطرت الانتلجنسيا العربية لأسباب اقتصادية وايديولوجية أحيانا الي فئتين علي الأقل، واحدة تتطلع الي الوظيفة، وتدور في فلك السلطة وتحاول استرضاءها بكل الاساليب، وواحدة صدقت مع نفسها ومع اطروحاتها النظرية وحاولت ان تحتفظ بالاستقلال كي تكون قوة فاعلة، وشاهدة في الوقت ذاته، ولهذه الفئة غير المرتهنة لغير ضميرها دور مشهود في التاريخ، انها رافعة قدر تعلّق الأمر بالارادة وشحذ طاقة الممانعة، كما انها الفئة التي يناط بها أعسر حراك فكري وهو النقد الذاتي، والمراجعة الجذرية، وفَحْص ما تقدمه السلطة علي انه انجازات مبرأة من الاخطاء.الاقطاعي المؤمم وفاقد النفوذ طُلبة مرزوق في رواية ميرامار ، تحول الي مناضل سلبي بمقياس آخر، مضاد لما يسميه النضال السلبي في أدبيات الاحزاب العربية، لأن سلبيته تكمن في صمته القسري، واعترافه لصاحبة البانسيون ماريانا اليونانية بأن الحراسة أخذت ما هو أمامه وما هو وراءه… وكان يقصد المال والجنس، لأنه أخفق في معاشرتها.ما تعرض له الاقطاعي بعد التأميم هو الإخصاء أيضا لكن بمعناه الرمزي، بحيث بدت تلك الطبقة كما لو انها اصيبت بالعقم، ولا رجاء لها في استمرار الذرية…ولأننا ندرك جيدا أن الذهنية التي تسود في حقبة ما تكون هي ذاتها لدي السلطة ومن يزعمون معارضتها، فإن أمراض السلطة انتقلت بشكل وبائي الي المعارضات، وتحولت هذه المعارضات في بعض الاقطار العربية الي بيوتات سياسية يتجلي فيها الاقطاع عبر صور أخري، قد لا تكون مساحة الأرض والأقنان هي مجالها، لأن مجالها الحيوي والبديل هو السياسة ذاتها ومفهوم الزعامة بمعناها شبه الرعوي الذي ساد في العالم الثالث، بحيث أصبحت الشرعية مقترنة بالقوة، واخضاع الخصوم وما يسميه د. خليل احمد خليل في كتابه عن مفهوم القيادة (الاستزلام)!ہہہما إن تَدَوْلَنت الثورات، وتسلطت حتي تحولت الي اقطاع آخر، ينوب فيه الجنرالات الجدد عن الباشوات القدامي، لكن الخطاب الثوروي المرصّع بالمصطلحات الفسفورية التي تدوّخ العامة وتستدرجهم نحو افخاخها حاول المزاوجة القسرية عبر الاغتصاب بين أثينا واسبارطة، وبين الحكيم والجنرال، لهذا سرعان ما اندلعت شهوة الكتابة والتنظير لدي ضبّاط أو كوادر حزبية لا علاقة لهم بالثقافة، وكان لا بد من وجود أقلام محترفة تصوغ لهم البدايات من خلال كراريس تباع بالقوة، او توزّع علي المدارس بالمجان شرط ان يحقن بها التلاميذ كأمصال فاسدة…وكان لا بد لكل قيصر من بروتوس، حتي لو انتهت التراجيديا بالعبارة الشهيرة عن خذلان الجنرال لسيّده، وهذه الثنائية التي تراوح بين التراجيديا الناقصة والكوميديا الفائضة سطت علي عدّة ثقافات في التاريخ، لأن دون كيشوت ايضا بحاجة الي رفيق ظل من طراز سانشو… يتولي نشر اخبار انتصاراته الوهمية التي هي في نهاية المطاف تكسر سيوفه علي الطواحين!لقد أثار اهتمامي في هذا السياق ما كتبه ذات يوم اسرائيل شاميرون عن دون كيشوت اليهودي والقدس، وحسب معالجة شاميرون لهذه الحكاية فإن العقاب يجب ان يحل بسانشو الذي لم يخبر سيده أن القدس لم تعد تلك العذراء التي تنتظر حصانه الأبيض، بل تزوجت عربيا وأنجبت منه سلالة لا آخر لها من الأطفال…بالطبع كان شاميرون يحاول التعبير رمزيا عن الصهيونية كأيديولوجيا عندما تحولت من عذراء الي زوجة.. اي عندما تأسرلت….وثمة آخرون غير شاميرون ساعدتهم حكايات دون كيشوت علي التعبير الرمزي عن حروب خاسرة، لكن الأبواق المكلفة بابلاغ النتائج عليها ان تكتشف الخيمياء التي تحول الهزيمة الي انتصار، وما من سبيل لتحقيق هذا غير اللغة، وبلاغة التضليل!دون كيشوت العربي سواء كان جنرالا أميّا حتي في الحروب او طارئا علي جيش بلاده، بحث حتي سال لعابه عن أبواق تتقن هذه الخيمياء، هكذا تحوّلت واحدة من اكبر هزائم التاريخ الحديث وهي هزيمة حزيران (يونيو) 1967 الي انتصار، لأن العدو لم يحقق هدفه… وكأن له هدفا آخر غير الأراضي التي احتلها والكبرياء الوطني الذي مرّغه في الوحل.ومن يرصد الدون كيشوتية العربية خلال نصف قرن علي الأقل يجد أن رهان السلطة كان وما يزال علي اشتباك الشرائح التي تتشكل منها النّخب، بحيث تنقسم الي موالية ومعارضة، لكن الشعرة الدقيقة بين المساحتين قابلة للانقطاع، وهذا ما يفسر لنا كيف تحوّل غلاة المعارضة في بعض الاقطار العربية الي غلاة في الدفاع عن النظام، حتي لو كان هذا الدفاع أخرق، كدفاع الدب عن صاحبه النائم عندما حامت علي رأسه ذبابة وانتهي الامر بأن نجت الذبابة من الحجر لكن رأس السيد النائم هو الذي تحطّم!ولا أظن ان هناك سلطة واحدة حاولت ترجمة الحكمة التي حفظناها منذ نعومة الأظفار الي منهج في التعامل وهي العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، فالمطلوب وبالحاح هو اصدقاء جهلة، يجيدون التصفيق علي الشيء ونقيضه ويقولون ان الارض تدور وأنها واقفة عن الدوران حسب الطلب، ليس لأن هناك محاكم تفتيش بانتظار العقاب، بل لأن ما يخشونه هو فقدان المنفعة العاجلة، حتي لو كان الثمن اهلاك امّة بأسرها! وهؤلاء قلبوا ظهر المجن لولي النعمة عندما كُسر صولجانه، لأنهم كأشجار اللبلاب، بلا عمود فقري، وهلاميون لا بد من حائط يسندهم حتي لو كان مجرد ظل!ہہہأحيانا تتلمذ الضحية علي جلادها ومن ثم تتفوق عليه، ونادرا ما تكون صورة مضادة لصورته القبيحة، بحيث تصبح عادلة رغم فائض الظلم وجميلة بالرغم من كل التشويه الذي لحق بها.والثوروي العربي الذي قيّض له ان يجترح المعجزة السلطوية بدبابة، تتلمذ علي جلاديه، وسرت في دورته الدموية عدوي الاحتكار والاقصاء والزعم بأنه الأعمي الوحيد الذي سقط علي الفيل ولامس كل اعضائه، والمنطق الكولونيالي الذي لخّصه مؤرخونا بعبارة فرّق تسُد تجلي باشكال مضاعفة لدي اصحاب المزاعم والاطروحات المضادة للاستعمار فقد فرّقوا حتي اليد اليمني عن توأمها كي يسودوا، واستكتبوا الاطفال تقارير عن ابائهم والزوجات عن أزواجهن كي يطيلوا البقاء علي قيد السلطة!ولم يعفوا عن شيء، بحيث تبدو الميكافيلية مجرد مخطوط بدائي اذا قورنت بذرائعيتهم!وان المرء ليعجب من ندرة الدراسات الاجتماعية والنفسية عن الضحية في عالمنا العربي الذي يعج بالضحايا، وباستثناء ما كتبه د. علي زيعور عن الذات الجريحة، ود. مصطفي حجازي عن سايكولوجيا الانسان المقهور فإن معظم ما كتب في هذا المجال كان ملامسة علي استحياء، أهمية هذا الكشف هي في كون الضحية مشحونة بالكراهية لكل ما يماثلها، فالمرأة العربية الداجنة القابلة بالبقاء حتي القيامة في بيت الدمية قاومت المرأة الساعية نحو التحرر اكثر من الذكور، واحيانا يفتك الفقراء ببعضهم ناسين ان هناك قاسما مشتركا بجمعهم لو أدركوا هو الفقر وأسبابه.لكن المثقف الضحية له شأن آخر، فالسلطة العربية حتي الثورية منها، أدركت منذ البدء ان المثقفين لا ينعمون بحصانة، تقيهم من الاصطياد حتي لو كان الطعم مقدودا من لحمهم او لحوم أطفالهم وذويهم….فمن نكلوا بالمثقفين كانوا ممن ينتسبون الي الثقافة، لأنهم الادري بالشعاب والكتب المحظورة والرقباء كانوا علي الدوام من فئة محسوبة علي الثقافة، لكنهم لا يستطيعون الحصول علي علبة سجائر او حذاء من خلال عملهم، لهذا رددوا كلمة أرخميدس وقالوا وجدناها…. وهي ليست حقيقة فيزيائية يطفو فيها جسم علي الماء…. بل حقيقة سايكولوجية، يطفو فيها عسس الثقافة والمؤسسات علي شبر دم!ہہہالاقطاعي المؤمم الذي راهن علي حرب الفلاحة والمثقف، لم يهزم، وقد يكون حفيده الان هو الكومرادور الجديد الذي تليق صيغته بالعولمة، وقد تتنكر الفلاحة التي سال عليها لعاب الذكور كلّهم لمن علّمها، ومن أوجد لها من مصدر رزق يصان به جسدها!ان ما يجب الاعتراف به وتعريته حتي الجذر والنخاع هو فائض التخلّف الذي تحدد علي مطالع هذا القرن، فحول الحزب الي عشيرة، والنقابة الي عزبة، والثقافة الي اسطبل، والنقيض الفعلي للجهل ليس المعرفة التي يفرزها وعي سالب، لأنه أنكي من أي جهل بسبب تسلّحه الشكلاني بالمعرفة التي تشبه طلاء الاظافر، أو قشرة الذهب الرقيقة علي اناء معدني يعشش فيه الصدأ!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية