مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة للدكتور محمد مصطفي القباج

حجم الخط
0

مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة للدكتور محمد مصطفي القباج

الدكتور علي القاسمي مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة للدكتور محمد مصطفي القباجصدر، عن (دار ما بعد الحداثة) في فاس، كتاب جديد للمفكِّر المغربي الدكتور مصطفي القبّاج، عنوانه مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة . يتألف الكتاب من ست دراسات قدّمها المؤلِّف في مؤتمرات فكريّة، وطنيّة ودوليّة. عناوين هذه الدراسات كالآتي: التفاعل الإيجابي بين الحضارات، كيف نؤسس أخلاقاً للحوار، من الواجهات السلبيّة العربية الأوروبية، التربية علي المواطنة والحوار وقبول الآخر، مدارات المواطنة المعاصرة، مجتمع المعرفة والتغيّر الثقافي.علي الرغم من أن ثلاثة من هذه العناوين تتناول الحوار، فإن للمؤلِّف تحفُّظات علي الحوار بين الثقافات والأديان لسببين رئيسيين:الأوّل، إن أطراف الحوارات التي تجري في الوقت الحاضر غير متكافئة.الثاني، إن الحوارات التي جرت، منذ ما يقرب من القرن من الزمن، لم تنفع في حلّ المشكلات التي تواجهها منطقتنا، وفي مقدِّمتها القضية الفلسطينيّة.ومن ناحية أخري، فإن للمؤلِّف تحفّظات علي الحداثة التي يُراد تسريبها جاهزة إلي البلاد العربيّة، لأنّ الحداثة، بوصفها نسقاً كليّاً وصيرورة تاريخيّة، اكتملت بل تمّ تجاوزها من قبل الغرب. ولكن العالم العربي غير مستعدّ لتقبّل وتمثّل الحداثة التي تتمخّض عنها دولة المؤسسات وحقوق الإنسان؛ وذلك لأن الحداثة لم تستوفِ شروطها ولم تستكمل مراحلها المنطقية. فنحن لم ندخل بعد عصر التنوير الذي يُعدّ شرطاً من شروط الحداثة. فما زال العربيّ ينظر إلي المواطنة، مثلاً، بمنظار الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي أو العشائري، علي حين أن الحداثة تنظر إلي المواطنة بوصفها انتماءً فكرياً وقانونياً للدولة، وأن الدولة الحداثية العصرية تري في المواطنين أعضاءَ متساوين يتمتعون جميعاً بحقوق الإنسان بما في ذلك الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية والاقتصادية؛ وتضمنها لهم الدولة. يري الدكتور القبّاج أن دخول العالم العربي عصر الحداثة رهين بنشر (الثقافة العلميّة) من خلال (النظام التعليمي) الذي ينبغي أن يزود جميع التلاميذ بالأدوات اللازمة للتحليل والتقييم والإبداع، ويدرّبهم علي الحوار والانفتاح وقبول الآخر والرأي الآخر. فهذه الثقافة العلمية هي التي تُسهم في تطوير المجتمع سياسياً واقتصادياً، وفي تغيير العقليّة العربية التقليدية، وإيجاد مجتمع المعرفة الذي يستطيع تحقيق التنمية البشرية الشاملة، وتقليص الفجوة الرقمية السحيقة القائمة بين الغرب التكنولوجيّ والشرق التقليديّ.وإذا كنا نتفق مع الدكتور القباج حول أهمية الدور الذي يضطلع به النظام التعليمي في نشر ثقافة حقوق الإنسان والثقافة العلمية وإيجاد مجتمع المعرفة، فإننا نحسب أن النظام التعليمي وحده لا يكفي لتحقيق ذلك، بل لا بُدّ من مشاركة جميع الأنظمة المجتمعية طبقاً لاستراتيجية تضعها الدولة وتلتزم بها لتفعيل هذه الأنظمة كالنظام السياسي، والنظام الاقتصادي، والنظام القضائي، والنظام الإعلامي، إلخ. فإذا أخذنا النظام السمعي البصري، مثلاً، في بلادنا العربية، نجده يعمل بجدّ ونجاح في تغييب الثقافة العلمية عن طريق إنشاء فضائيات متخصصة في الأغاني العارية والموسيقي الهابطة والألعاب الرياضية، لإلهاء الشباب وابعادهم عن الفكر والثقافة العلمية، حتي في برامج الفضائيات والإذاعات التي تملكها الدولة. وكان من نتيجة ذلك أن دور النشر العربية لا تُقبل علي نشر الكتب العلمية، بل تقتصر في جل منشوراتها علي كتب الثقافة التقليدية، ناهيك عن الحواجز التي تضعها حكوماتنا أمام انتقال الكتاب العربي وانتشاره. عوامل قيام الحضارات الجديدة:وإذا كانت معظم دراسات هذا الكتاب الجديد قد تطرّق إليها المؤلِّف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مؤلَّفاته السابقة مثل كتابه مقاربات فكرية وسياسية في الشأن العربي الراهن (1999)، وكتابه التربية والثقافة في زمن العولمة (2002)، وكتابه حوار الثقافات وحقوق الإنسان في زمن العولمة (2005)، فإن كتابه الأخير يضمّ مقاربة جديدة حول القوانين التي تتحكّم في نشوء الحضارة ونضجها وانهيارها. وهذه المقاربة تقع ضمن مبحث (تاريخ الحضارات المقارن) وهو فرع من فروع فلسفة التاريخ. يستعرض المؤلِّف، أولاً، نماذج من النظريات المتعلِّقة بالموضوع، مثل النموذج الافلاطوني كما هو مشروح في كتاب الجمهورية الذي ينصّ علي أن قيام دولة متطورة سياسياً يعتمد علي تولّي الفلاسفة شؤون تدبيرها. أما النموذج الثاني فهو النموذج الخلدوني المطروح في كتاب المقدمة التي فسّر فيها ابن خلدون آليات وسيرورات الانتقال من البداوة إلي الحضارة، وكيف أنّ أهل الدول، في طور الحضارة، يقلّدون الدول السابقة لهم ويأخذون عنهم، ويتفنّنون في إحكام الصنائع المستعملة، من أجل تحقيق الرفاهية وترقية الحياة. ولمثل هذا ينحي النموذج الثالث الذي بسطه باروخ دي سبينوزا في كتاب السياسة القائل إن المجتمع المتحضِّر يتأسّس علي العقل الذي يساعد الإنسان علي الانتقال من طور الطبيعة إلي طور التمدن بدافع من رغبـــاته الطبيعية الضرورية. أما نموذج فيلسـوف التاريخ الإنكليـــــزي أرنولد توينبي فيري أن نشوء الحضارة علي أنقاض حضارة سابقة يتحكم فيه قانون التحدي والجواب، إذ تأتي الحضارة الجديدة بإجابات ذات طبيعة عقلانية إبداعية تمتاز بقوة التخيّل. يخلُص المؤلّف من ذلك كلّه إلي أن الحضارة فضاء وشكل؛ فضاء لأنها تتجاوز حدود الوطن فهي مشتركة بين عدّة مجتمعات وشعوب؛ وهي شكل لأن معالمها الأساسية تتجلي في التعقّد واللاتجانس، وفي درجة عالية من التطوّر التقني، والضبط السياسي، والإبداع في الآداب والفنون والعلوم. والحضارات متعاقبة غير متعاصرة. ويتحكّم في سيرورة الانتقال من حضارة إلي أخري جهد عقلي مبدع يولد بالاختلاط وتفاعل العقول وتلاقحها، ويتحقّق مؤسّسياً بقرار تتخذه وتنفذه النخب السياسية بهدف البناء والتشييد، وفقاً لمفهوم (تفاعل الحضارات) الذي يتمّ عبر قنوات القراءة والبحث والترجمة، ويتطلّب التركيز علي الفعل البنّاء وتجاوز نقاط التباعد والتنافر، كما يتطلّب حواراً بين الحضارات وتعاوناً سليماً مشتركاً، ويفترض إقصاء منطق العنف والمواجهة المسلّحة.الحضارة العربية الإسلامية مثالاً: ويضرب المؤلِّف مثــــــالاً لمقاربته في الحضارة العربية الإسلاميـــــــة التي ازدهرت في عصر التدوين حين تبنّت الدولة الإسلامية الاستفادة العملية من الحضارات السابقة لها، فنقلت علوم الهند، وفلسفة الإغريق، وآداب الفرس إلي اللغة العربية؛ وشجّعت الإنتاج الفكري، وأجهزت علي المذهــــــب الجبري، وآثرت العقل والتعقّل علي النقل والنصّ، وعمّقت روح التسامح والتحرّر، من أجل تطوير نظرة الفرد إلي الكون والإنسان والطبيعة. ـ يُعدّ هذا الكتاب للدكتور مصطفي القباج إضافة جيّدة إلي المقاربات النهضوية القيمة التي اضطلع بها عدد من المفكرين المغاربة مثل علال الفاسي، وعبد الهادي بوطالب، وعزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد سبيلا، وعبد العالي؛ وهدفها وضع الأسس الفكرية لنهضة سياسية واجتماعية جديدة في بلادنا العربية تؤدّي إلي تنمية شاملة. وتذكّرنا هذه الجهود بما بذله المفكرون العرب في المشرق خلال القرن التاسع عشر. وفي تقديري أن النهضة العربية الجديدة ستنطلق هذه المرّة، نظرياً وعملياً، من المغرب الأقصي.غنكاتب عراقيQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية