يري أن السجال بين شعر موزون وشعر نثري قد يحجب بدلاً من أن يكشف جودت فخر الدين: الكلام علي تيارات أو اتجاهات شعرية في لبنان كلام تبسيطي!

حجم الخط
0

يري أن السجال بين شعر موزون وشعر نثري قد يحجب بدلاً من أن يكشف جودت فخر الدين: الكلام علي تيارات أو اتجاهات شعرية في لبنان كلام تبسيطي!

ناظم السيديري أن السجال بين شعر موزون وشعر نثري قد يحجب بدلاً من أن يكشف جودت فخر الدين: الكلام علي تيارات أو اتجاهات شعرية في لبنان كلام تبسيطي!بيروت ـ القدس العربي جودت فخر الدين واحد من شعراء الجنوب الذين حملوا هذه التسمية مرغمين. فهو مثل أولئك الذين شملتهم التسمية يجد في هذا المصطلح نوعاً من الجمع الذي يلغي الفوارق. بدأ الشعر بكتاب أقصّر عن حبك الذي بدا ترجيعاً لأصوات عدة سبقته أو جاورته. لكنه لم يلبث أن وجد صوته الخاص منذ كتابه الثاني أوهام ريفية . صوت تمثل بالبساطة وخفوت النبرة والتقشف في استخدام البلاغة والميل إلي التأمل في الوجود والفلسفة الحياتية. لكنَّ هذه العناصر لم تخرج قصيدته من التفعيلة الخليلية، أي لم تأخذه إلي النثر وإن كان جرّب السرد والحكي. هي تفعيلة أيضاً منضبطة لا تعلو فوق المعني، إذ بالكاد يسمعها القارئ في ظل قوافٍ هي الأخري زاهدة ومقتصدة.نشر فخر الدين سبع مجموعات شعرية كان آخرها ليس بعد الذي صدر في دار رياض الريس للكتب والنشر هذه السنة. كما صدر له في المؤسسة العربية للدراسات والنشر السنة الماضية ضمن مشروع يشمل عدداً كبيراً من الشعراء الأعمال الشعرية . وكان نشر سابقاً كتابين نقديين هما شكل القصيدة العربية في النقد العربي و الإيقاع والزمن ـ كتابات في نقد الشعر . عن شعره واختلافه وإشكالياته هذا الحوار. بدأت مسيرتك الشعرية من حيث النشر عام 1979 بكتاب أقصّر عن حبك . كانت قصيدتك في هذا الكتاب تضجُّ بالإيقاعات العالية، ناهيك بالمعجم الشعري الذي يتكرر عند معظم ما سُمّي شعراء الجنوب ، إضافة إلي موضوعات الكتاب المحددة بالحب والحرب. كيف حدث التحوّل بعد سنة واحدة في كتاب أوهام ريفية من قصيدة صاخبة انفعالية إلي قصيدة هادئة وتأملية؟ بين الكتاب الأول أقصّر عن حبك والكتاب الثاني أوهام ريفية حصلت نقلة واضحة. ففي الكتاب الثاني تجلّت طبيعتي الهادئة والمـتأملة، في ما كانت أجواء القصائد في كتابي الأول مرتبطة بجو عام أحدثته بداية الحرب اللبنانية في عام 1975. لقد حاولت في الكتاب الأول أن أتصدّي لموضوعات عامة كانت شائعة في مرحلة ما من السبعينات، إحساساً مني بأن الشعر يمكنه أن يلعب دوراً في مجريات الأحداث. لهذا السبب كانت مفرداتي وصياغاتي الشعرية مرتبطة إلي حدٍّ ما بذلك الجو العام. ولكن سرعان ما تنبّهت إلي أن الشعر هو أرقي وأعمق من مواكبة أي حدث مهما كان خطيراً. تنبّهت إلي أن الشعر ينبغي أن يعبّر أولاً عن خصوصية قائله أو بالأحري عن خصوصية اللغة لديه. هكذا صدر كتابي الثاني أوهام ريفية بعد أقل من سنة علي كتابي الأول، الذي لا أريد هنا أن أتنكر له وإنما علي العكس من ذلك، أنا أجد فيه بداياتي التي أحبها والتي تعبّر عن علاقة وثيقة لي بتراثنا الشعري العربي. رغم هذه النزعة التأملية والجملة الخافتة في قصيدتك، صُنّفت من شعراء الجنوب ، بما تحيل التسمية علي موضوعات الحرب ورفض الاحتلال واللغة الموقّعة وما إلي ذلك. كيف تنظر إلي هذا التصنيف ومارأيك في التسمية نفسها أصلاً؟ هذه التسمية شعراء الجنوب لم تستند إلي مقومات فنية، وإنما هي أيضاً نتجت عن الجو العام الذي أشرت إليه في الإجابة الأولي. هي تسمية سياسية إذا صحَّ التعبير ربطت الشعر بقضية الجنوب اللبناني التي كانت ولا تزال قضية سياسية بامتياز. هذه التسمية، إذا شئت، شبيهة بتسمية أخري سبقتها في الظهور هي شعراء المقاومة الفلسطينية . هذه التسمية أو تلك لا توضح شيئاً علي المستوي الفني وإنما من شأنها أن تحجب الفروقات الفنية ما بين شاعر وآخر. الهموم والموضوعات التي نجدها في قصائد كتبها شعراء أتوا من الجنوب اللبناني قد تكون في معظمها مشتركة في ما بينهم، ولكن ذلك لا يكفي للكلام علي تيار شعري أو مدرسة فنية. علي كل حال، مضي وقت ليس بالقصير علي هذه التسمية وأظن أنها قد توارت أو انحسرت وراح كل واحد من المعنيين بها سابقاً يختط لنفسه اتجاهه الخاص.تجارب فردية فقط ما يجعل لهذه التسمية مشروعية أن ثمة تيارين شعريين علي الأقل كانا في لبنان آنذاك: شعراء الجنوب بلغاتهم ذات الإيقاعات كما أسلفت أو أصحاب قصيدة التفعيلة مع موضوعاتهم الشائعة في الشعر، وشعراء قصيدة النثر بلغاتهم الطازجة وموضوعاتهم اليومية أو الهامشية (شعر التفاصيل) وحساسياتهم الجديدة أمثال وديع سعادة، عباس بيضون، محمد العبدالله، حمزة عبّود وبسام حجّار (والأربعة الأخيرون من الجنوب اللبناني) وغيرهم؟ أنا لم أوافق علي أن شعراء الجنوب مثلوا اتجاهاً فنياً بالمعني الحقيقي، أي انني لم أوافق علي أن المشترك بين المعنيين بهذه التسمية كافٍ لتشكل مثل هذا التيار. وفي المقابل لا أوافق علي وجود تيار فني أو مدرسة شعرية يمثلها آخرون كتبوا الشعر بالنثر، أي كتبوا قصيدة النثر وإن كانوا من الجنوب أو من أية منطقة من لبنان. الكلام علي اتجاهات أو تيارات شعرية في لبنان وفي غيره من البلدان العربية هو كلام فيه الكثير من الاستسهال والارتجال. ولا يري الذين يدأبون علي الكلام عن اتجاهات أو تيارات إلا النثر في مواجهة الوزن، وكأن هذه القضية لم تُحسم من قرون طويلة. ألم يقل أبو حيان التوحيدي إن أجمل الكلام هو شعر وكأنه نثر أو نثر وكأنه شعر ؟ وكثيرون غير التوحيدي من نقادنا وبلاغيينا القدامي أشاروا إلي أن الوزن لا يكفي لكي يكون فارقاً حاسماً بين الشعر والنثر. فلماذا لا يجد المعنيون عندنا اليوم سوي هذه القضية التي باتت مكرورة جداً؟ يفتعلون سجالاً بين قصائد الوزن وقصائد النثر. في رأيي لم يعد مثل هذا السجال ذا قيمة تُذكر. وأظن أن الكلام علي اتجاهات أو تيارات هو كلام تبسيطي أو مبالغ فيه ولا أستطيع أن أتكلم علي تيار شعري واضح في لبنان في خلال ربع القرن الماضي. يمكننا بدلاً من ذلك أن نتكلم علي تجارب فردية، ولا بأس في أن يتمثل اتجاه معين بشاعر معين. أخشي أن يكون حصر الموضوع بهذه الإشكالية القديمة أي شعر موزون وشعر نثري تعمية لأصل النقاش، وهو نشوء حساسية جديدة عند شعراء قصيدة النثر المجايلين لكم. وهذه الحساسية تتمثل كما سبق بكتابة الهوامش والتفاصيل اليومية مثلما تتمثل باللغة، إضافة إلي المصادر الشعرية المستمدة من خارج قاموس الشعر المألوف، أي من الرواية والمسرح والسينما والرسم والنحت وفنون بصرية عدة؟ أنا قلت قبل قليل إن السجال بين وزن ونثر لا طائل منه، وقد يحجب بدلاً من أن يكشف. في إجابتي عن سؤالك الجديد أود القول إن مصطلح اللغة الشعرية هو المصطلح الأنجع في محاولة الحكم علي أي نص شعري. فكلما كانت هذه اللغة جديدة أو طازجة كما سمّيتها، كلما كانت فتحاً لأفق جديد في التعبير. وهذا ينطبق علي جميع كتّاب الشعر الذين يتمسكون بالوزن والذين يتخلون عنه علي السواء. أما بالنسبة إلي الحساسية الشعرية، اي إلي نوعية الرؤي الشعرية، وكذلك بالنسبة إلي طرق التناول، تناول التفاصيل أو الظواهر علي أنواعها عامة كانت أو خاصة، فهذا أيضاً لا نميّز فيه بين شاعر وزن أو شاعر نثر. في رأيي أن السعي إلي ابتكار لغة جديدة هو الهم الأساسي لدي كل شاعر حقيقي. وإذا أردنا أن نبحث عن خصوصية أي شاعر علينا أن نبحث عن عناصر الجِدة في لغته الشعرية.الوزن الطبيعي هل توافق علي أنك مع شعراء الجنوب أمثال شوقي بزيع، محمد علي شمس الدين، إلياس لحود، وصولاً إلي أحمد فرحات أحدثتم انتكاسة في القصيدة الحديثة؟ لقد سبقكم جيل الستينات الأحدث منكم (أدونيس، شوقي أبي شقرا، محمد الماغوط، توفيق صايغ، أنسي الحاج…)، ورغم مجيئكم المتأخر عنهم لم تحافظوا علي الوزن فحسب بل علي المرجعية الشعرية التقليدية حيث الشعر يتناسل من الشعر، واللغة الوافدة تخرج من اللغة السابقة في حين كان آخرون يفدون من وسائط أخري كما قلت قبل قليل؟ أنت لاحظت من خلال إجاباتي السابقة أنني لا أقرُّ بوجود مجموعات شعرية، وأنا لا أحب أن أتكلم عن نفسي من ضمن أي مجموعة من المجموعات. ومن ذكرت أسماءهم أظن أن الفوارق بين الواحد منهم والآخر ليست قليلة. كذلك بالنسبة إلي من جعلتهم في المقابل. بالنسبة إلي، لا أنكر أنني في بداياتي قد تأثرت ببعض شعراء الحداثة مثل بدر شاكر السيّاب وصلاح عبد الصبور وأدونيس، ولكنني الآن لا أتخذ منهم مرجعية واضحة، وإنما أجد في تراثنا العربي ما يشكل مرجعية ثقافية وشعرية أستوحي منها دائماً وأعمل علي تجاوزها أو علي الإضافة إليها في استمرار. هكذا، وأنا أتكلم علي تجربتي الشعرية، لا أحب أن أدرج نفسي في أية مجموعة من المجموعات التي يحلو لدعاة الوزن أو لدعاة النثر أن يكرّسوها في أيامنا هذه. إذا كان لكلٍّ من أبناء جيلك صوت خاص، ما الذي يدلُّ علي قصيدة جودت فخر الدين؟ هل يحق لي أن أتكلم علي خصوصيتي؟ كنت أودُّ أن يجيء ذلك منك. ولكن لا بأس. قلتُ قبل قليل إن اللغة الشعرية هي المصطلح المفتاح في عملية الحكم علي الشعر، أي علي أي نص شعري. وأنا هنا أظن أن لغتي الشعرية هي التي تميّزني. أو لنقل انها باتت قادرة علي تعريف شخصيتي الشعرية. بماذا أصف هذا اللغة؟ قد يجوز لي أن أقول انها تنحو نحو البساطة والعمق في آن واحد. وإذا ما استخدمتُ أساليب البلاغة فإنني لا أبقي عليها مجرد تهويل أو توسّل لفخامة مفتعلة في الوقع أو التصوير. لغتي الشعرية قوامها السهولة والبساطة والتعبير عن تأملات بعيدة كثيراً ما انتبه إليها النقاد والباحثون. إضافة إلي البساطة والبلاغة الخافتة، ثمة من يعتبر أن لديك ميلاً إلي التأمل الوجودي والفلسفة الحياتية في شعرك، ولا سيما في كتابك الثالث للرؤية وقت (1985) الذي شكل بداية حقيقية لملامح قصيدتك الخاصة. هل توافق؟ نعم أوافق علي ذلك. فهمومي أثناء كتابة القصيدة متعددة، ليست محصورة بما هو بنائي أو بما هو معنوي أو فكري فقط، وإنما هي هموم تشمل البناء الشعري بجمـــيع عناصره، أي بما في ذلك المضمون أو الأفكار أو المعاني. لهذا السبب أشعر بنوع من الرضا عندما يُقال إن في شعري ذلك المنحي التأملي الذي يتصدي لمشكلات من النوع الوجودي كما جاء في سؤالك. اختبرت السرد والحكاية في ديوانك الرابع قصائد خائفة (1990) كما في قصيدة بابنا وسماء الحديقة . لكن السرد هنا لم يخرج عن التفعيلة، إذ كان ينبغي للسرد أن يحرر المعني من الوزن، وهذا ما جعل المعني والسرد مقيدين لديك بالإيقاع. كيف تري إلي تزاوج السرد والتفعيلة معاً في نصك علي الأقل؟ لماذا تقول إن هنالك تناقضاً بين السرد والوزن؟ ما المانع في أن تسرد أحياناً علي نحو موزون؟ ألم يكن هنالك في شعرنا القديم أنواع كثيرة من السرد؟ حتي في شعرنا الجاهلي، ألا تنطوي كل معلقة من المعلقات الجاهلية علي ما يشبه السيرة لشاعرها؟ بعض النقاد القدامي، ومنهم علي سبيل المثال حازم القرطاجني، تحدثوا عن فترات نثرية في القصيدة العمودية، وكأنهم أشاروا بذلك إلي جانب سردي أو قصصي أو حكائي إذا شئت. في بعض قصائدي تجد أحياناً نوعاً من السرد عندما يتعلق الأمر بشيء من التذكر أو من استعادة صور من الماضي أو من السيرة علي وجه الإجمال، وقد تتجاوز هذه الصور من السيرة كل زمان ومكان، بل قد تتعدي الماضي والحاضر إلي المستقبل. وأنا أسأل هنا: هل هنالك في الشعر مفرٌّ من التذكر؟ هل هناك إمكانية لتجنّب السيرة الذاتية؟ لا أظن ذلك وإنما أعرف أن التذكر أو استعادة المشاهد من أي نوع كان ربما يتم لدي الشاعر في أفق تحويلي ابتكاري لا يبقي علي أي شيء كما كان، وإنما يعيد ابتكار كل شيء يتناوله علي نحو جديد. بما أنك تسأل، أنا شخصياً أميّز بين السرد كمعني أي السيرة الذاتية وبين السرد كإحالة علي النثر، أي كلغة. وهذا ما قصدته بالعلاقة بين السرد والوزن. ولكن السرد هو السرد، أي هو طريقة في التعبير تقوم علي الأسلوب القصصي أو الإخباري. الخبر هو في اللغة أو البلاغة مقابل الإنشاء. وكل أسلوب خبري أو إخباري يؤدي إلي ما نسميه بالسرد. لا أدري لماذا تحاول ألا تجد تسويغاً لسردٍ موزون. فكما أن الإنشاء يمكنه أن يكون موزوناً كذلك بالنسبة إلي الخبر. هنا أودُّ القول إن الوزن في الشعر ليس عنصراً إضافياً نأتي به من الخارج ثم نلقيه علي الصياغات اللغوية التي تكون نثرية فتصبح موزونة. الوزن في الشعر الحقيقي، أي في النص الشعري الناجح، هو واحد من المقوّمات الأساسية لا يبدو فيه نافلاً أو مفتعلاً أو زينة تُلقي عليه من الخارج. أيضاً دعني أميّز هنا بين الإيقاع كجزء من اللغة وبين الوزن كعملية قصدية، ومنها جاءت تسمية القصيدة؟ أنا ألحُّ دائماً علي هذا التمييز بين الإيقاع والوزن، بل أشكو دائماً من الالتباس والتشوّش الذي يقع فيهما الآخرون عندما لا يفرّقون بين الإيقاع والوزن. للإيضاح فقط، الوزن هو عنصر من عناصر الإيقاع. وكل كلام له إيقاع بينما الوزن هو خاص ببعض الشعر. كلامنا الآن الذي نتبادله فيه إيقاع دون أن يكون موزوناً. عناصر الإيقاع كثيرة، منها إضافة إلي الوزن، عناصر النحو والبلاغة والنبر (أي كل ما يتعلق بطريقة القراءة أو الإلقاء)… أما بالنسبة إلي قولك إن الوزن هو قصدي أو مقصود، وكأنك تريد القول إنه مفتعل بدرجة أو بأخري، فردّي علي ذلك أنه ينبغي ألا يكون قصدياً أو مفتعلاً. الشعر الحقيقي أو الناجح يتأتي للشعراء الموهوبين وأصحاب الخبرة والإحساس بموسيقي الشعر، يتأتي لهم علي نحو تلقائي. أما إذا بدا لدي البعض قصدياً أو مفتعلاً، فذلك يكون لنقص أو لخلل في أدواتهم التعبيرية.تعلم البساطة إلي التأمل والخلفية الفلسفية، يمتليء شعرك بالريف. ربما كانت بساطة جملتك وموضاعاتك متأتية من هذا الريف، أي ليس في جملتك صراع درامي تفترضه علاقات المدينة بشكل مركب أكثر. قد تكون نشأتي الريفية سبباً في نزوعي نحو البساطة في الشعر، ولكن هذا لا يعني أنني لم أكابد أو أختبر الكثير من أنواع الصراع التي أحببتَ أن تكون المدينة مسرحاً أو منطلقاً لها. كانت طفولتي وصباي في قريتي الصغيرة في جنوب لبنان، وقد انطبعت في ذهني صور ومشاهد لا تفارقني أينما رحلت. وكثيراً ما أشعر أن كائنات تلك الطبيعة الريفية تحضر إلي قصيدتي أينما كنت. لا أنكر هنا أن ذلك الماضي الجميل الذي تمثله الطفولة قد زرع في نفسي نزوعاً نحو السلاسة والسهولة ولكنه في الوقت نفسه زرع فيها حبَّ التبصّر في كل شيء والتعمّق في كل شيء والحذر من كل شيء. هذا كله لا ينفي وجود صدمة لي بالمدينة عبّرتُ عن بعض جوانبها في العديد من قصائدي، ولكني أحب هنا أن أعترف بأن الريف الذي بات الآن بالنسبة إلي بعيداً أو مهملاً أو ضائعاً، يمثل طقساً محبباً إلي نفسي يكاد يذهب به هباء المدن قريبة كانت أم بعيدة. يشكل الموت ثيمة أساسية في معظم دواوينك من أقصّر عن حبك إلي كتابك الأخير ليس بعد . ما سرُّ هذا الهجس بالموت، أنت الذي تعيش حياة ليس فيها رغبة في الموت في الظاهر علي الأقل؟ أظن أن الشاعر يجد نفسه دائماً في مواجهة الموت، أو علي مقربة منه. وأنا لا أدري تماماً لماذا كنت دائماً علي تماس بفكرة الموت أو بما يوحي به من أبعاد وتداعيات. قد تكون الحرب الكثيرة التي عشناها في لبنان والتي جعلتنا لا نهدأ لحظة واحدة علي مدي أكثر من ثلاثين سنة قد أرهفت إحساسي تجاه الموت وجعلتني مطلعاً بالكلام عليه في كل ما كتبت. إضافة إلي ذلك، في تراثنا الشعري، وفي وجداننا العام، حضور للموت مرتبط بمعاني التضحية والإقدام والبطولة. وله حضور ساطع لدي شاعرين أعجبت بهما كثيراً هما أبو العلاء المعري وأبو العتاهية، حتي انهما يبدوان أحياناً مختصين بموضوع الموت ومتفرعاته. عدت إلي المثيولوجيا في بعض نصوص كتابك السادس سماوات (2002) كما في قصيدة وجوه لعلي ، وهذا ما فعله شعراء الخمسينات والستينات، ولا سيما أدونيس، السيّاب، صلاح عبد الصبور، خليل حاوي، يوسف الخال وغيرهم. لماذا هذه العودة؟ هل هي عودة إلي تأثراتك الأولي في شعر الروّاد؟ ولماذا اخترت شخصية دينية بالتحديد؟ـ قصيدة وجوه لعلي لها قصة، أو بالأحري لها مناسبة ليس مهماً الآن الحديث عنها. ولكن أودُّ القول إن علياً في القصيدة ليس شخصية دينية، أو لم أتكلم عليه كشخصية دينية وإنما تكلمت علي هذا الرمز الذي يمثل بالنسبة إلي شخصية إبداعية من نواح كثيرة. وأنا اقتصرت في كلامي في القصيدة علي نواحٍ ثلاث، ولهذا جعلتها في ثلاثة مقاطع: في المقطع الأول تكلمت علي الجانب الروحي في شخصية علي، وفي المقطع الثاني تكلمت علي الجانب البلاغي أو اللغوي، وفي المقطع الثالث تكلمت علي تجربة علي في الحرب. وهذه التجربة الأخيرة هي تجربة مأساوية بامتياز، فمن المعروف أن علياً خاض جميع حروبه مضطراً، أي خاضها بعدما حاول تجنبها بشتي السبل. وكثيراً ما كان يبكي قتلاه، ما عُدَّ لدي البعض تجربة فريدة في خوض الحروب. إذاً باختصار، صدرت هذه القصيدة لدي عن إعجاب بشخصية علي وبما يمثله هذا الرمز التاريخي من دلالات كثيرة تتصل بالعدالة والحق والتفاني. أما بالنسبة إلي علاقة شعري بالميثولوجيا فيمكنني القول إن قصائدي ذات أبعاد ميتافيزيقية يمكن للقارئ أن يتبيّنها علي هذا النحو أو ذاك، مع أنني تجنّبت الإكثار من استخدام الأساطير والرموز التاريخية في شعري علي النحو الذي كان شائعاً لدي شعراء الحداثة الأوائل كالسيّاب وعبد الصبور وأدونيس. QHR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية