المارسييز مسؤول عن غزوة نيويورك وقضية الخليفة حدثت في المرّيخ!

حجم الخط
0

المارسييز مسؤول عن غزوة نيويورك وقضية الخليفة حدثت في المرّيخ!

توفيق رباحي المارسييز مسؤول عن غزوة نيويورك وقضية الخليفة حدثت في المرّيخ!تركت في الجزائر صديقا وزميلا اسمه محمد علواش. هو من نوع الرجال الذين لا يصمتون الا عندما ينامون (ومن يدري!). ذهبنا في مهمة صحافية برا من العاصمة الي قسنطينة بانتظار ان يصلها الرئيس الاسبق الشاذلي بن جديد جوا في اليوم الموالي، علي ان تتوجه القافلة الرئاسية، ونحن وراءها، (اصر علي وراءها، لا معها ولا قبلها، حتي لا يتهمني احد بانني اضع نفسي في مقام رئيس الدولة) من هناك الي ولايتي باتنة وبسكرة.طيلة المسافة التي تقارب 500 كلم في طريق اسمه الوطني رقم 5 مزحوم بحركة السيارات مثل حركة النمل، ظل محمد يهاذر عن قريته النائية في بلدة الميلية (النائية) بولاية جيجل الجبلية (النائية). روي قصصا طريفة لا تنتهي، بعضها حقيقي وبعضها خيال وفاءً لخفة روحه وللتغلب علي رتابة الرحلة. من القصص واحدة عن شيخ نسيت اسمه زوجته مدمنة استماع الي الراديو، لا تفوّت شيئا، ثم تروي له ما قال هذا الراديو اثناء غيابه ليخرج بدوره معيدا القصص علي اقرانه في القرية ممهدا بـ قالت عقيلة راهم قالوا في الراديو.. كذا وكذا وكذا .كنا نضحك علي شيخ اعتقدناه فالتا ، او طحانا ـ بالجزائري ـ لانه يجرؤ علي ذكر اسم زوجته امام فحول القبيلة في ذلك السياق المكاني والزماني الذكوري بامتياز، ولا يستحي من القول انها تستمع للراديو، يعني ان لديها استعدادا للفلتان!وفي التسعينات، في ذروة الحرب الاهلية، كان باحد احياء العاصمة شاب عاطل عن العمل لا همّ له سوي اصطياد الاخبار واعادة نقل ما يصله منها، الحقيقي والمضلل، مدّعيا انه اعلم الناس بكل شيء. عندما تصله اخبار سيئة من نوع ذبحوا عائلة هناك.. وكمّنوا لدورية درك هنالك ، يقسم مقاطعا: والله ما دام ما جابهاش PPDA ما كاين منها . وPPDA هي الاحرف الاولي من اسم اشهر مقدم نشرات اخبار بتلفزيون TF1 الفرنسي، اسمهPatrick Poivre d’Arvor . ہہہمثل هذه الوقائع، علي ما فيها من طرافة، تختصر علاقة الناس بوسائل الاعلام، خصوصا التلفزيونات والراديوهات في الاماكن التي تحتفظ بعادة الاستماع. اهم ما يمّيز هذه العلاقة، الثقة والتصديق طالما تعلّق الامر باخبار خارج السياسة. ذلك ان الاعلام يرمز للسلطة والحكم، والعلاقة بين السلطة والحكم في بلداننا متوترة او فاترة (في احسن الاحوال)، ولذا فمقولة ان الناس لا يثقون في الاعلام، حكومي وخاص، ينسحب بدقة علي موضوعات السياسة والحكم. اما عندما يتعلق الامر بالرياضة والترفيه، فالثقة تكاد تكون عمياء، خصوصا اذا ارتبط الموضوع بمذيع او صحافي ذي شهرة نجح في كسب قلوب الناس.يحيلني هذا الي برنامج العاب بدأ التلفزيون الجزائري بثه قبل فترة وجيزة. عنوانه ساعة من ذهب ويديره مذيع يعتقد اصدقاؤه والمعجبون به انه احد اكثر المذيعين رصانة وثقافة. في الحلقة الاولي طرح سؤالا حول ساعة لندن الشهيرة بيغ بن . بعد الاجابة بدأ يعطي لمحة عن الساعة الشهيرة موضحا ان اسمها يعود للمهندس الذي اخترعها واسمه بنيامين. والحقيقة، بحسب الروايات المتواترة، هي ان السير بنيامين هول هو برلماني بريطاني، يقال انه كان ضخم الجثة ويسمي بن الضخم . القي خطابا مطولا في جلسة نيابية حول تسمية الساعة في ايار/مايو 1859، وعندما انتهي من الخطاب غرق من جديد في كرسيه الوفير، فضحك البرلمانيون علي طريقته وطلع من بينهم صوتا يقول: ولمَ لا نسميها بيغ بن ونرتاح! وقال المذيع ان التوقيت العالمي مضبوط علي بيغ بن وان GMT تعني Greenwich Mondial Time. والحقيقة هي Greenwich Mean Time وكلمة Mondial غير موجودة في الانكليزية، في حدود علمي المتواضع. بالاضافة الي ان التوقيت العالمي هو التوقيت العالمي، لا تضبطه لا ساعة لندن ولا الساعة التي يضعها والدي في جيبه منذ عقود. في بريطانيا يوجد، الي جانبGMT ، توقيت اسمه BST ويعني British Summer Time، او ما يشتهر بالتوقيت الصيفي، ويُطبق من اخر يوم أحد في شهر اذار/مارس الي اخر يوم أحد في شهر تشرين الاول/اكتوبر، بينما يُطبق التوقيت العالمي في الفترة المتبقية (الشتوية) من السنة.وفي الحلقة الاخيرة من البرنامج (الاسبوع الجاري) طرح ذات المذيع سؤالا عن دولة قال انها خضعت لضغوط محلية لتغيير نشيدها الوطني، سائلا هل هي بريطانيا ام امريكا ام فرنسا؟ اخطأت الفتاة المشاركة الجواب، وفي الشرح قال المذيع كلاما يشبه كلامه عن غرينتش مونديال تايم . قال ان بعد احداث 11/09/2001 شنّ اساتذة التعليم في فرنسا اضرابات للمطالبة بتغيير مقطع من لامارسييز يتحدث عن الدم النقي الذي يجري فوق اخاديدنا لانه يدعو للعنف والارهاب. والحقيقة انها لم تكن حملة من الاساتذة، ولا علاقة لها بتفجيرات نيويورك، والنشيد ذاته لم يتغيّر. كل ما في الامر ان عضوا في البرلمان تقدم باقتراح (وُلد ميّتا) بتغيير المقطع لانه لم يعد يناسب قيم الجمهورية (الفرنسيون مهووسون بهذه الجمهورية) فلم يأبه به احد. هي نصف حقائق، لكنها بمقاييس العمل التلفزيوني الجماهيري هي اخطاء غير مقبولة. والمشكلة هنا مشكلة دقة وافتقاد القدرة علي التمحيص.اخطاء هذا الاخ ليست جديدة وليست الاولي. فالمذيعون الرياضيون، مثلا، يروون قصصا غير دقيقة عن نجوم الكرة في العالم، وصحافيو الجرائد ينشرون معلومات اقل ما تقول عنها انهم سمعوها في المبني المجاور لدار الصحافة، والمعلّقون السياسيون يدلون بمعلومات استراتيجية الله وحده يعلم من اين يأتون بها.. وهكذا، الدّاب راكب مولاه . محاكمة المتهمين بقضية الخليفة التي بدأت قبل شهرين وانتهت مؤخرا، كانت درسا في هذه الفوضي غير الخلاّقة. لقد ساهم الصحافيون المكلفون بتغطية المحاكمة في تضليل الرأي العام تماما مثلما اراد نظام الحكم، كي يبقي الامر مجرد قضية جنايات منسوبة لمجموعة لصوص، بينما الحقيقة غير ذلك. وكي لا اظلم الصحافيين، اقول انهم تصرفوا عن حسن نية، لكن خانتهم معلوماتهم القليلة وعجزهم عن التحري وعن الوصول الي المعلومات والمستندات (مصادر الخبر في الجزائر مضروبة بالشمع الاحمر في وجه الصحافيين الجزائريين). أضف لذلك، جهل الكثيرين منهم، فبين مَن غطوا المحاكمة، صحافيون لا يفرّقون بوضوح بين دور قاضي التحقيق ودور ممثل الادعاء، ولا يعرفون كيف تعمل محكمة الجنايات. لعل هذا ما يفسر ان كثيرا من التقارير الواردة من قاعة المحكمة اهتمت بالشكل، فجل الصحافيين انبهروا بالقاضية فحكموا عليها بالكفاءة الفائقة ونسوا الباقي، واخرون لم يشغلهم سوي كيف جلس فلان بقفص الاتهام، ولماذا وضع علان يده علي خده طيلة اليوم، وكيف اجهشت فلانة بالبكاء امام الجميع.. الخ.وكانت نتيجة اللبس والجهل وقلة الاطلاع ان الجزائريين كانوا امام فضيحة واحدة فوجدوا انفسهم امام اثنتين: فضيحة الخليفة ذاتها، وفضيحة تغطيتها من قطاع واسع من الصحافيين.وخارج المحكمة تابع الناس اكثر من مسرحية طريفة عبر صفحات الجرائد: هذه الصحيفة تتحدث عن ضلوع الوزير س في الفضيحة، فترد صحيفة اخري في اليوم الموالي ان الوزير س غير معني بالموضوع، والمعني هو الوزير ع. طبعا، هذه الدعايات يحكمها منطق المصلحة والجهوية وعلاقة الصحيفة الفلانية مع الوزير الفلاني وولائها او معاداتها له. ہہہالمسرحية الاخري كانت في الحديث ـ عن جهل فادح ـ عن تسليم بريطانيا المتهم الرئيسي عبد المؤمن خليفة للجزائر: اليوم تقرأ في صحيفة انه سيُسلم قريبا، وغدا تقرأ في صحيفة اخري ما يشبه التعقيب بأن التسليم اقرب الي المستحيل. اليوم تقرأ في صحيفة ان وفدا جزائريا توجه الي لندن لتسلم خليفة (مثلما تُسلم سلعة معلّبة)، وغدا تقرأ ما يناقض ذلك تماما. اليوم تقرأ ان خليفة مقطوع عنه الهاتف والانترنت والاتصال بالاخرين، وغدا تقرأ ردا وعلمنا ان خليفة لم يُقطع عنه الهاتف والانترنت .باختصار شديد، فضائح لا تشرّف احدا، وتدين الصحافيين اكثر مما تنصفهم.اين التلفزيون من كل هذا؟ انه في وادي النوم ! كأن قضية الخليفة هذه حدثت وتُحاكم في المريخ. بعد اسبوع من انتشار (وموت) خبر ايقاف الشرطة البريطانية عبد المؤمن خليفة والتحقيق معه، تذكر اصحاب التلفزيون ان يسألوا سفير الجزائر بلندن محمد الصالح دمبري. ولان الاخير دبلوماسي محنك يعرف صعوبة القضية ويدرك الفوضي التي تعمل بها الصحافة الجزائرية بخصوصها، احرجه ان يُسأل متأخرا في موضوع لا جديد لديه بشأنه، فاكتفي بترديد ما يعرفه كل الناس مذكرا بأن خبر ايقاف عبد المؤمن للاستجواب اكده رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم ووزير الداخلية يزيد زرهوني.لماذا سأل التلفزيون السفير؟ قد يبدو هذا السؤال سطحيا وساذجا، لكن الذين يعرفون ان التلفزيون الجزائري لا يسأل ببراءة ولا يجيب ببراءة ولا يقاطع ببراءة ولا يحن ببراءة، يدركون ان السؤال شرعي. رغم كل شيء، هناك ميزة تتمثل في ان تجاهل التلفزيون لقضية الخليفة اراحنا بطريقة ما، فتطرقه لها، لو حدث، كان سيكون بليّ عنق الحقائق. وعليه، أليس نوم الظالم عبادة ؟ كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية