حزب الحرب الامريكي ومطلب السيادة النووية
د. كمال خلف الطويلحزب الحرب الامريكي ومطلب السيادة النووية نقطة البداية هي تبيان ان الحرب الباردة 45 ـ 91 والتي بدا وكانها وضعت اوزارها مع سقوط الاتحاد السوفييتي في كانون الاول (ديسمبر) 91 وبانتصار ماحق للولايات المتحدة تركها وحيدة علي قمة العالم .. هي في حقيقة الامر لم تنته البتة بل استترت ولبست برقع النفاق والمداهنة بهدف فتح القلعة الروسية ـ المترنحة ـ سلما وبوسائل الغواية والاحتواء والضغط. كان الظن عبر التسعينات ان وصول قيادات اوليغاركية الي قمة السلطة في موسكو ثم انتهاب الثروة الروسية من قبلها وازلامها في عملية سطو منظمة ومذهلة .. كلها كفيلة بتسليم مفاتيح القلعة للطابور الواشنطوني الهوي وعبره لواشنطن بما يجعل من روسيا دولة تابعة ومستتبعة تدور في فلك السيد كمجرة منتظمة الدوران.والحق ان الروسيا ما كانت يوما عبر القرن العشرين الا هاجس واشنطنالكبير بدءا من حروب التدخل مطالع العشرينات وصولا الي اسدال الستار الحديدي 47 وعبورا الي دفن الاتحاد السوفييتي 91 … مع فاصل قصير 41 ـ 45 املته ضرورة التصدي للخطر النازي الاحدّ والمشترك بين الطرفين.والشاهد ان الولايات المتحدة التي احتكرت السلاح النووي لاعوام اربع 45 ـ 49 فشلت في انتهاز الفرصة لاملاء ارادتها علي الاتحاد السوفييتي حينها متمثلة في التحلل من اتفاقات يالطا وانتزاع دول اوروبا الشرقية من قبضته. ولعل سبب ذلك كان جملة عوامل متضافرة اهمها وهن عزم الولايات المتحدة التي لم تمض برهة بعد علي خروجها من الحرب العالمية الثانية بتضحيات وصلت الي 300 الف قتيل وحاجتها ـ من ثم ـ الي فرصة لالتقاط الانفاس والالتفات الي اهتمام موقوت بالداخل. من هنا تفضيلها لوسائل الاحتواء والضغط والانهاك وهو ما تجلي في انشاء وكالة المخابرات المركزية 49 والعهود اليها بمهام الحرب السرية. والتي ـ مصحوبة بالاحتكار النووي ـ كفيلة بفتح القلعة من داخل وخارج مع بعض انتظار صبور. ما قلب المائدة وكسّر الاطباق كان كسر موسكو للاحتكار النووي 49 ولحاقها بواشنطن بزخم وامض.ضاقت الفجوة بل وانسدت مع اواسط الخمسينات فغدت الحرب النووية مستحيلة لسبب بدهي وحيد وهو قدرة كل من الطرفين علي سحق الآخر ايما كان البادئ: اي بمعني آخر تساوت الضربتان الاولي والمضادة في القيمة والاثر وبالتالي تحتم الردع المتبادل. من هنا نشوء تعابير التعايش السلمي وتحريم التجارب النووية وتخفيض الاسلحة النووية و S9H ـ 1 و S9H ـ 2 وتحريم انتشار السلاح النووي وغيرها من صيغ ومعادلات طغت كلها تحت مقولة ناظمة هي: ردعية التدمير الشامل المتبادل.والقاطع ان تناول واشنطن للمسألة النووية تماوج ـ ضمن ذات السياق ـ بين مرونة امتدت من اواخر الخمسينات وحتي اواخر السبعينات (الفترة التي شهدت كل الاتفاقات سالفة الذكر) وبين تشدد لاحت قسماته في العام الاخير من ولاية كارتر ثم تبارزت وسادت طيلة الولاية الريغانية ـ البوشية لها.هذا ياخذنا في وقفة شارحة لتناول ماهية حزب الحرب:هو الشريحة المتنفذة في المؤسسة الحاكمة الامريكية والذي يتراكب فوق وعبر الحزبين المعروفين الجمهوري والديمقراطي وهو المعبر الامين عن مصالح المجمع العسكري ـ الصناعي والسيد الحقيقي لقرار الحرب والسلم داخل المؤسسة.لا يجب بحال من الاحوال حصر تبعية هذا الحزب بالجمهوريين .. هذا خطل يبعد عن الحقيقة سنوات ضوئية. ومن باب الاشارة لا الحصر التنويه عن محورية دور سيناتور ديمقراطي من ولاية واشنطن هو هنري جاكسون والذي من مكتبه تم استيلاد نماذج شائهة عرفت بالمحافظين الجدد ومنهم كثر اهمهم ريتشارد بيرل. وما ليندون جونسون وكلارك كليفورد وروبرت ماكنمارا ووالت روستو وسام نن ووليام بيري وليس اسبن وانتوني ليك وجيمس وولسي الا حفنة من رجالات حزب الحرب الذين يحملون بطاقة عضوية الحزب الديمقراطي والذين يفوقون في تشددهم وصقوريتهم عقلانيين من رجالات الحزب الجمهوري امثال نيلسون روكفلر وتشاك هيغل ووليام روجرز ووليام سكرانتون.حزب الحرب هذا له رسالة مركزية وهي بسط الهيمنة القارية الشاملة للولايات المتحدة ومنع/اجهاض اي منافس كان واستتباع/اخضاع مشاريع المنافسين والاستحواذ علي قرار الطاقة عبر زوايا الكون الاربع سيما وان الطاقة هي سبيل السيطرة الاضمن والامثل علي كل مستهلكيها الكبير منهم والصغير .. هذا بعد ان تتم عملية الهيمنة علي منتجيه ـ او جلهم ـ وبالاخص لكون هذه الطاقة مبثوثة في اكثر مناطق العالم تمردا ونفورا وهي الحوض العربي ـ المسلم .. من اندونيسيا الي نيجيريا وفي القلب منه الجزيرة/الخليج.تزاوج مطلب السيادة الكونية مع ضرورة الهيمنة الطاقوية ولّد حتمية يمكن وصفها بـ : الفاشية الطاقوية . المقصود هو ان حروبا كثيرة خاضتها الولايات المتحدة مباشرة او ـ في الغالب الاعم ـ بالواسطة هي حروب طاقة .. اولا وآخرا. عام 56 قرر الثنائي البريطاني ـ الفرنسي تخليص قناة السويس وهي اهم معابر مجمع البتـــرول في الشرق الاوسط من قبضة جمال عبد الناصر. لم ترض الولايات المتحدة بالاسلوب .. هذا صحيح وليس حبا بعبد الناصر او استنكارا لمبدأ الغزو بل لانها تريد القناة لها وبوسائل اخري تقبع في القاهرة.عام 67 اطلقت الولايات المتحدة كلب صيدها الاسرائيلي في حرب كان مطلبها الرئيس اسقاط جمال عبد الناصر بعد ان عجزت عن ترويضه وغوايته وعقابه واستصلاحه فما عاد من سبيل غير التدمير .. ولماذا في الصلب والاساس؟ لانه بما مثل وسعي من اجله كان تهديدا حقيقيا وجديا لمصالح حزب الحرب الامريكي في استحواذ مصادر الطاقة العربية في الخليج والجزيرة وبالتحديد بعد ان عبر بقواته البحر الاحمر وصولا الي ركن الجزيرة الجنوبغربي في اليمن بما عناه ذاك من اقترابه الحميم من الكنز الاكبر شبه الجزيرة.حرب 73 كانت رد فعل علي 67 لكنها ـ وهنا بيت القصيد ـ تحولت من مسألة تحرير ارض الي تحريك ـ قفز سعر البترول بتصاعد صاروخي غير مسبوق .. مما ادي الي خلق فوائض مالية معتبرة صبت في سواقي الخزانة الامريكية وانقذتها من ركود قصير الامد عززه ارتفاع اسعار البترول .. ثم تراكمت في سراديبها الي ان جاوزت التريليون دولار.والبدهي ان حروب 80 ـ 88 و91 و 2003 لا تحتاج لكثير شرح لتبيان كم هي حروب طاقة في المقام الاول. اذن وبايجاز فهدف حزب الحرب الاستراتيجي الثابت هو الهيمنة الكونية وواحد من اهم سبل نيله هو الهيمنة الطاقوية.في الطور الريغاني الاخير من الحرب الباردة لعب حزب الحرب بذكاء ورقة تسعير سباق التسلح الي مداه.. كان يعلم علم اليقين ان ارتفاع النفقات العسكرية سينهش من لحم الاقتصاد الامريكي صحة وعافية. لكن رهانه ـ في مخاطرة محسوبة علي ان الخصم السوفييتي سيصرخ اولا ـ كان في مكانه تماما وكما تجلي في النصف الثاني من الثمانينات.المشكلة هي ان الانهيار السوفييتي شبه الشامل لم يصل لحدود تخلي روسيا عن القدرة النووية كما فعلت اوكرانيا وكازاخستان بل هي حرصت بتصميم منقطع النظير علي الاحتفاظ بالترسانة النووية دون مس. الفضل في ذلك اولا وآخرا يعود للمؤسسة الامنية ـ العسكرية الروسية متحالفة مع الصناعات العسكرية .. اي النسخة الروسية عن المجمع العسكري الصناعي الامريكي.وقفت هذه المنظومة بالمرصاد لاية محاولة للتفريط بالقدرة النووية. ليس هذا فحسب بل انها سيجت صناعات السلاح دارئة عنها امراض التحول المكتسبة والتي سرت كالطاعون في جسم روسيا .. وقتها ـ اي الصناعات ـ من اعراض التهاوي والتحلل كما الحال في قطاعات اخري. ولعل القطاع الآخر الذي نجا من عقابيل الاوليغاركية النهابة ـ وعمودها الفقري صهيوني مرعي اطلسيا ـ هو قطاع الطاقة. والشاهد ان نجاة قطاعي السلاح والطاقة من براثين اباطرة الليبرالية المتأطلسة هو ما كفل في زهاء عقد من السنين عودة الروح للروسيا . ما امله حزب الحرب الامريكي هو ان تضطر روسيا في سعيها للطوف فوق مياه الرفاهية العربية ان تقايض بذلك موجوداتها النووية وتفتح مصادر طاقتها للاستثمار غير المجزي وبذا تتم فصول القصة وينتهي تحدي القرن العشرين في قلب اوراسيا.ما الذي فعله حزب الحرب سعيا وراء فتح روسيا:حجر الزاوية كان (1) الاحتفاظ بالناتو رغم انحلال نقيضه وارسو. (2) تكبير الناتو ليضم تدريجيا كل دول اوروبا الشرقية التي خرجت من الفلك الروسي وتحتفظ نحو موسكو بمشاعر النقمة والنفور. (3) الوصول بحدود الناتو الي تخوم موسكو غربا والي بطنه الرخو في جورجيا جنوبا (4) تغذية التمرد الانفصالي في الشيشان يكون عملية استنزاف مستمرة لروسيا وسبب وقيعة بينها وبين عالم الاسلام. (5) محاولة الغزو الديني عبر تمكين المذهبين البروتستانتي والكاثوليكي من الانتشار ومغالبة المذهب الارثوذكسي السائد والذي هو رمز التمايز السلافي بما يحمله من استقلالية وعزة. (6) رعاية وتمويل ما تعورف عليه بجماعات المجتمع المدني لتكون قاطرة اختراق لنسيج المجتمع وقواه الشعبية (7) نشر القواعد العسكرية في آسيا الوسطي .. اولا بتعلة مكافحة الارهاب الافغاني … وثانيا بالتشبث بها بعد خفوت التعلة.نصل الآن الي مطلب السيادة النووية؟ما بدا منتصف الثمانينات تحت مسمي حرب النجوم لم يكن فكرة مثيرة خيالية تشبه احلام الظهيرة لكنها خطة جادة طموحة تسعي لاستعواض فجوة 45 ـ 49 .. ولكن هذه المرة دون تبديدها.ما اقصد هو ان المراد والمرام هو امتلاك ناصية القدرة علي حرمان روسيا من توجيه ضربة نووية اولي ـ او اقله التهديد بها ـ دون خشية من رد. وعكس ما ظن البعض ان حرب النجوم هذه كانت طفرة عابرة فالحق انها لبثت وتنامت واستمر الانفاق عليها دون تقتير طيلة العقدين الفائتين.لكن نقطة تحول اساسية حدثت مع وصول بوش الثاني للحكم وعرجت بمسار النجوم هذا الي سابع سماء. كان ذلك خروج الولايات المتحدة عن التزامها بمعاهدة الـ ABM الصاروخية وبالتالي عزمها علي استيلاد اجيال من الصواريخ الدفاعية القادرة علي قنص اي صاروخ بالستي موجه صوب الولايات المتحدة واسقاطه من علٍ.وبعد سنوات خمس من هذا التحلل من مواثيق المعاهدة الصاروخية بلغ العزم بحزب الحرب مبلغا تمثل في نشره لمنظومة الصواريخ الاعتراضية هذه في تشيكيا وبلغاريا اي في المدي الغربي القريب لروسيا. تصاحب هذا التحلل مع قيام حزب الحرب بنشر القواعد العسكرية في اربع زوايا المعمورة لتقترب من رقم الالف ولتشمل البلقان واوروبا الوسطي والشرقية والقفقاس وآسيا الوسطي وجنوب آسيا والخليج/الجزيرة وآخرها افريقيا.هل من قطبة مخفية في كل هذه الحياكة المحبوكة؟هي بيقين حزب الحرب ان السيادة النووية هي الكفيل الاوحد بتأمين الهيمنة الكونية الشاملة سيما وانه يفتقد الي اي من شرائط التفوق الاخري الاقتصادية منها ام العلمية ام حتي الناعمة . بمعني آخر فهي مقامرة القرن: اما ان نستلب قراره بالقسر والقوة ـ والفرصة لذلك تبدو سانحة ان استغلت الآن وعلي الآخر ـ او ان تضيع الفرصة مرة والي الأبد ومن ثم يصاب المشروع الامبراطوري الامريكي بكل اعراض التراجع البريطاني والتي بدات مع الصعود الامريكي مطلع القرن العشرين وتجلت ساطعة لكل ناظر في سويس 56. هذا مع فارق حساب الوقت بين وقائع ما جري منذ قرابة قرن وما يجري هذه الاوقات تسارعا وحدة وجذرية.بتلخيص مكثف: امركة القرن الواحد والعشرين تعني: (1) تامين السيادة النووية = فتح روسيا. (2) تامين الطاقة = فتح الحوض العربي ـ المسلم. (3)استتباع المنافسين = ترويض الصين والهند.اما فتح روسيا فلعلي ابعد ما اكون عن المبالغة ان قلت انه يصل بتصميمه ودأبه حد تقسيم روسيا نفسها وذلك بتحريض الـ 25 مليون مسلم فيها علي مواطنيهم السلاف والعكس صحيح … ثم باستلاب سيبيريا وكنوزها اما بقوة الضم علي الطريقة الالاسكية او ـ في اقله ـ بافتتاحها بوسائط النفوذ والسيطرة غير المباشرة.اوراسيا مربط الفرس وغربها المسلم قاعدة الانقضاض والعرب (المسلمون والسلاف) الروس وخلفهم الكونفوش/الصين هم محور المستقبل حتي وان قصر وعيهم الآن عن ادراك ما ادراكه محتم مع المقبل من الزمان.كاتب من سورية8