الضوء لا يكشف الجسد وانما يمدد ظلاله!

حجم الخط
0

الضوء لا يكشف الجسد وانما يمدد ظلاله!

معرض فوتوغرافي للمصور السوري بسام البدر:الضوء لا يكشف الجسد وانما يمدد ظلاله!دمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: مؤخراً احتضن خان اسعد باشا بدمشق القديمة معرض التصوير الضوئي Movement is… life للمصوّر بسام البدر. مجموعة لوحات تعبر عن سعي عميق وجاد لعكس إشكالات الواقع السوري المعاصر، والخروج بمفهوم التصوير الفوتوغرافي من مبدأ إيقاف اللحظة الزمنية العابرة للوصول إلي حالة تشكيلية، تشكل القيمة الجمالية فيها الهدف الرئيسي.في لوحات بسام البدر الجسد موضوع ثابت. جسد لا يمتلك أية خصوصية فردية، بلا ملامح، يضيع ويتلاشي في وسع الفضاء الذي يُحيط به. ظلاله طويلة، متحركة حوله في حين يبقي هو جامداً كجسد ٍ مخنوق ٍ يحاول القيام بحركة ما، بخطوة ما، ولكنها تبدو كالحلم أمام عجزه.من وقفة علي جسر الرئيس بدمشق، ونظرة إلي أناس الشارع السوري الذين فقدوا هوياتهم الشخصية، وتوحدوا بلون التراب والهم والفقر، متعبين يُصارعون أزمة المواصلات للوصول إلي منازلهم. ومن بروفات مسرحية تحاول أن تعكس بوسائلها الجمالية الخاصة الألم الإنساني. من هنا وهناك التقط بسام صوره. مُعتمداً علي الإضاءة الحيّة، دون أي معالجة علي برامج الكومبيوتر، وإنما عبر استخدام تقنيات التصوير بالسرعة البطيئة والبطيئة جداً للكاميرا الديجيتال التي استطاعت النفاذ من جدار العزل السوري عن الحضارة العالمية، مع بعض النثريات المسروقة أيضاً. إذ أنّ أربعين عاماً وأكثر من الخوف والممنوعات والمحرّمات شكلت سداً منيعاً، أعاق تطوّر العديد من الفنون لدينا.إلا أنّ سورية أخذت في الآونة الأخيرة تشهد نجاحاً ملحوظاً في سوق وأدوات الفن التشكيلي، وتتعدد الأسباب ما بين الكلام الإعلامي والكلام المخفي. بسام البدر في لقائه مع جريدة القدس العربي عبر عن استغرابه الشديد من كون البعض يقتني وبسرور لوحة تشكيلية بمبلغ قد يصل إلي (500) ألف ليرة سورية، وهناك أرقام تصل إلي المليون أو أكثر، في حين يمتنع عن شراء لوحة تصوير ضوئي بمبلغ (15) ألف ليرة سورية فقط. مع العلم بأن أسعار أدوات التصوير الحديثة والمتطورة جيلاً بعد جيل مكلفة جداً، خاصة في بلد لا يمكن فيه أن يُشكل الفن وحده مصدر عيش!! مُقابل هذا الشح التجاري وعلي المستوي الجماهيري حقق المعرض نجاحاً فعلياً، ففي قلب السوق العتيق تدخل امرأة عابرة مع طفلها ومشترياتها لتتفرج، وربما تجد صورة غامضة ً لها في هذه اللوحة أو تلك! كما يدخل رجل عجوز هارب إلي الجامع من صوت زوجته ومتطلباتها، أو طفل ٌ يبحث عن مُجرّد اللهو. لقد علق الكثير من المعجبين البعيدين عن الحقل الثقافي علي صور بسام التجريدية، التي قد تبدو للوهلة الأولي نخبوية جداً، بأنها حلوة ببساطة شديدة!! فسر بسام البدر هذا التوجه برغبة الإنسان الداخلية بأن يصوّر ويتصور، رغبة غالباً غير واعية. إنّ الصورة الغائمة للجسد الغريب في وحدته وسط الزحام أو ضائعاً في عزلته، جسد يسعي نحو الحركة والتواصل، الكلام عن ألمه اليومي المُتكرر، الذي يُبقيه ثابتاً في مكانه بلا أي جدوي. هذا الوجع انتقل بذات الصمت البعيد عن تعقيد التعريفات الفنية والجمالية إلي صاحب الصورة وموضوعها. في لوحات بسام البدر بنائية تشيخوفية قوامها اللحظة العادية العابرة بلا أي أثر مباشر، من كل يوم ومن حياة أياً كان، غريباً لا يعرفه احد. والتواصل الإنساني عبر الحوار أو الحركة المرجو في تلك اللحظة يُكسّره بسام، ليغدو ما لا يُقال أكثر أهمية من المعلن، والصمت في تفاصيل المشهد هو الأساس للوجود الإنساني المتكرر كل يوم بذات العبثيّة. في بعض الصور يكون الآخر حاضراً، ولا يوجد سوي جسد وحيد في صور أخري، في كلا الحالتين يختنق الجسد السوري بعزلته وتوقه الدفين إلي النور.رجل عجوز يحمل بعض المشتريات في مساء شتوي علي ناصية شارع، يقف وحيداً مُنتظراً أمام مدي الشارع الطويل، يبدو بعيداً ضائعاً في وهج لون ٍ أصفر ترابي يمتد ليلقي بظلاله عليه، كمن يكشف حياة ً ضائعة بأكملها في الانتظار. أمام هذه الصورة يقف المشاهد مُنتظراً بدوره حركة ً من الرجل أو التفاتة، وأيضاً ليس للانتظار من معني.مع كل هذه العتمة الداخلية التي يفضحها الجسد في الصور، يأتي الضوء الخارجي، قوياً ودافئاً بل حتي مؤلماً في بعض الأماكن. هو المحرّك لهذه الدمي التي تبدو مشدودة ً إليه بخيوط ٍ من حرير، تأخذ فاعليتها وحياتها منه، وكأنه قدرنا الإلهي الذي رسم مصائرنا علي الأرض. ضوء ٌ لا يفضح الجسد وإنما يُطلق المساحات لظلاله وحركاته الخائبة، تهمس ببعض الوجع. هذا التناقض بين الداخل والخارج، بين القسوة والضعف، بين المحكي والمخفي في الأعماق هو نسيج لوحات بسام البدر التشكيلية. وبالنسبة له أو للمشاهد لم يبق هناك فرق بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية في هذه التجربة سوي باللمس. صورتان متقابلتان تقريباً، لمجموعة رجال واقفة بالقرب من بعضها، ربما تميز بينهم امرأة وربما لا، فلباس اللون الأسود يُكلل الجميع.. ظلالهم أو صدي حركاتهم تملأ الفضاء تقريباً، فضاؤهم المكاني حر ومفتوح بلا أية قيود، وكزمانهم فاقد لاستمراريته أو كينونيته، يغطيهم لون ٌ ترابيٌ أو مصفرٌ كلون الرمل، في مكان ما من كل هذه الفوضي قد تجد بقعة ضوء تبدو كنافذة ضوء مخفية، وكأنهم أثر من كانوا هنا منذ قليل. صورة من الذاكرة عن أناس مروا في هذا المكان من لحظة أو أكثر، وربما ما زالوا في المكان الذي غبنا عنه. اللوحة التشكيلية تروي حكايتها الخاصة، متكاملة بمختلف عناصرها دون اقتطاع ٍ أو زيادة في بنائها الفني ، بينما تبدو صور بسام أقرب إلي أنماط الكتابة الحديثة، لوحات منفصلة لكل منها حكايتها الخاصة، ولكن المشاهد يستطيع أن يُزيل ـ علي المستوي التخيّلي ـ إطاراتها الخارجية لتغدو جدارية تحكي حكاية واحدة، وتتكثف فيها الفضاءات الدرامية التي تحملها كل لوحة بداخلها، وهي فضاءات ساكنة تحيا صراعاتها بدرجة الصفر.إنّ القدرة علي إعادة اكتشاف الجماليات الغائبة هي الأقوي، من عمق الفقر وأثر التعب وغبار النهار، حين يحل المساء يلتقط بسام البدر صوره، منتقلاً بالصورة من سياقها الفني الذي يفضح التفاصيل الصغيرة غالباً لابتسامة علي الوجه أو نظرة في العيون، إلي الهم الأكبر الذي يغلف هذه الوجوه. مجموعة الأفراد الصغار، أبطال التراجيديا السورية، تحاور كاميرا بسام بتقنيتها العالية بوح أسرارهم، بجمالية خاصة بهم. لم يصور بسام بيوت دمشق العتيقة ولا ضحكات أهلها المنسيين في أيام زمان، وإنما أناس اليوم كحكاية صغيرة، حين لم يعد ربما من معني للحديث عن الحكايات الكبيرة.الفنان في سطور: ـ إجازة في الآداب/ قسم المكتبات والمعلومات. ـ عضو نادي التصوير الضوئي في سورية. ـ عضو الاتحاد الدولي للتصوير الضوئي (FIAP). ـ مشاركة في عشرات المعارض الجماعية داخل القطر وخارجه. ـ معرض فردي في المركز الثقافي العربي بدمشق ـ أبو رمانة /2002/. ـ معرض فردي في المركز الثقافي السوري ـ باريس /2004/. ـ معرض فردي في بهو المتحف الوطني ـ دمشق /2005/. ـ المعرض الفردي الأخير في خان أسعد باشا ـ دمشق /2007 /.QPH0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية