حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتغيير منطلقات التسوية

حجم الخط
0

حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتغيير منطلقات التسوية

د. ابراهيم ابراشحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتغيير منطلقات التسوية منذ سنوات والفلسطينيون يرهنون تحقيق آمالهم بالاستقلال والحرية بوجود استراتيجية عمل وطني وقيادة وطنية يلتف حولها كل الشعب، لان منطق الامور وتجارب الشعوب التي كانت خاضعة للاحتلال بالاضافة الي تجاربهم المريرة بالتفرد بالسلطة سواء مع حركة فتح او مع حركة حماس، كل ذلك جعل من مطلب وحدة الهدف والاستراتيجية والقيادة شرط لزوم وضرورة لانجاز المشروع الوطني.قبل الانتخابات التشريعية الاخيرة وطوال اكثر من اثني عشر عاما كان الحديث يدور حول قيادة عمل وطني واستراتيجية عمل وطني تضع حدا للتعددية السلبية وغير الديمقراطية التي كانت تسود المجال السياسي كتعدد الاستراتيجيات والميليشيات ومراكز القرار وتعدد التحالفات الخارجية ومصادر التمويل والتوجيه، وكانت المراهنة الوطنية تتجه نحو قيادة ة عمل وطني باستراتيجية وطنية تؤسس علي التوافق والتراضي ويكون دافعها ومنطلقها وطنيا خالصا دون الحاجة للجوء لانتخابات مفروضة خارجيا بعد استعصاء النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته وبكل الاستراتيجيات المعمول بها سواء كانت استراتيجية المفاوضات والمراهنة علي الحل السلمي او استراتيجية العمل الجهادي وعسكرة الانتفاضة، لو انجـــــزت القوي السياسية آنذاك مطلب قيادة وطنية باستراتيجية وطنية لتم قطع الطريق علي القوي الخارجية للتدخل في حياتنا السياسية من بوابة الحصار ومن بوابة الاقتتال الداخلي، ولكن يبدو ان المكابرة الفارغة والمراهنة الخاطئة علي حلفاء خارجيين بالاضافة للجهل السياسي عطلا تحقيق الهدف الوحدوي مما ادي لانكشاف فشل استراتيجية عمل طرفي المعـــــادلة: حركة فتح وحركة حماس ومع فشــــلهما اجهضت الانتفاضة بصمت وتراجع الوضع الفلسطيني لسنوات علي كافة المستويات.لم يكن من المتوقع للانتخابات التشريعية ان تُخرج النظام السياسي من مأزقه لان حركتي فتح وحماس دخلت كل منهما الانتخابات متمسكة بنفس استراتيجــــيتها المأزومة بل والفاشلة دون ان تعترفا بذلك، مما ادي لحكومة اغلبية ذات استراتيجية عمل فاشلة ـ بل دخلت حركة حماس الانتخابات للتغطية علي فشل نهجها الجهادي ـ ولمعارضة فتحاوية لا تريد ان تعترف ايضا باخطائها وفشل مراهناتها، هذا الفشل المـــزدوج والمكابرة التي فيها امتهان لعقول الناس، كان لا بد ان تــــؤدي للحالة التي كنا علـــيها طوال عام 2006، وبعد فشل عشرات جولات الحوار داخل الوطن وخارجه دون طائل، جاءت وثيقة الاسري لتضع امام المتحاورين المازومين بنودا تمثل القواسم المشتركة ومخرجا مشرفا للطرفين، الا ان هذه الوثيقة لم تحظ برضا الحكومة الفلسطينية، واستمرت الازمة وتفاقمت لدرجة الاقتتال الداخلي. وكان لا بد مِن تدخل لوقف التدهور والانزلاق للهاوية، فكانت الدعوة/ التهديد من الرئيس ابو مازن باللجوء للاستفتاء لوضع حد لسلطة براسين ومرجعيتين واستراتيجيتين، مطالبا المتحاورين بضرورة التوصل لاتفاق حول وثيقة الاسري، وحقق التهديد الايجابي مبتغاه، واصبحت وثيقة الاسري بعد نقاشات مستفيضة وثيقة وفاق وطني، ولكن وثيقة الوفاق الوطني دون تطبيق علي الارض لا قيمة لها، وخصوصا ان الدول المانحة لم ترفع حصارها واستمرت الحكومة بالتفرد بالسلطة، وكان التهديد للمرة الثانية من الرئيس ابو مازن باللجوء لانتخابات مبكرة ان لم يتم تفعيل وثيقة الاسري وخصوصا في البند الذي ينص علي تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومع رفض حركة حماس القبول بانتخابات مبكرة، ومع استمرار الحصار علي الشعب ككل ثم اندلاع الاقتتال الداخلي الذي احرج الجميع واخجل الامة، كان لقاء مكة الذي آل لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.حكمة الرئيس ابو مازن والواقعية المتأخرة لحركة حماس ادتا لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بالرغم من ان طول الحوارات وطابع المحاصصة الذي سيطر عليها افقد حكومة الوحدة الوطنية كثيرا من بريقها واظهرها وكانها حكومة توزيع مغانم، ومع ذلك فان تشكيل هذه الحكومة يعد منعطفا وبداية تحول استراتيجي في مسيرة النضال الوطني، الا ان حكومة الوحدة الوطنية ليست مجرد تجاوز لحكومات الحزب الواحد، بل يفترض ان تكون ايضا تجاوزا لمواقف واستراتيجيات وانماط وممارسة سياسية كانت تحكم الحكومات السابقة والمعارضات السابقة، حكومة الوحدة الوطنية تعني ان صياغة القرار الوطني ومفهوم الوطن والوطنية ومفاهيم الحرب والسلم لم تعد حكرا علي حزب واحد، وانه يجب اعادة النظر في الشرعيات السياسية التي تؤسس علي (الشرعية التاريخية) او (الشرعية الدينية)، وان حكومة الوحدة الوطنية يجب ان لا تؤسس علي مساومات وصفقات، (هناك خشية من ان تكون ملفات الفساد التي كانت تُلوِح بها حركة حماس قد طُمست ضمن صفقة تشكيل الحكومة). والاهم من ذلك ان حكومة الوحدة الوطنية هي بداية صحيحة لطريق طويل مليء بالتحديات الداخلية والخارجية. مع كامل التقدير لاعضاء الحكومة فان قدرتها علي مواجهة التحديات لا ترتبط بكفاءة الوزراء فقط ولا بالدعم الخارجي مع ان الشرطين مطلوبان، بل بتوفر ارادة النجاح عند حركتي فتح وحماس وذلك بالانتقال من شراكة في حكومة وحدة الي الشراكة السياسية الحقيقية مع كل القوي السياسية في صياغة وتنفيذ استراتيجية عمل وطني، ذلك ان الحكومة هي اداة تنفيذية مؤقتة، فماذا سيكون عليه الحال اذا ما فشلت الحكومة في مواجهة التحديات؟ الفشل في الانتقال السريع لشراكة سياسية حقيقية يعني ان فشل الحكومة سيؤدي للعودة لنقطة الصفر. ان كنا نامل ونتمني ان تستمر الحكومة للسنوات الثلاث القادمة الا ان ذلك لا يمنع من الاخذ بالحسبان كل الاحتمالات نظرا لان الأسس التي قامت عليها الحكومة ما زالت هشة والتحديات كثيرة وكبيرة. بالتاكيد لا احد يطلب من الحكومة الدخول في مواجهة مع الاحتلال ليس فقط لان القضايا المتعلقة بالوضع النهائي والمفاوضات هي من اختصاص الرئيس ابو مازن ومنظمة التحرير كما تــــــنص تفاهمات مكة، بل لان منطق الامور يقول بان تتفرغ الحكومة لاصــــلاح الوضع الداخلي وخصوصا الاوضاع الاقتصادية والامنية والاجتماعية، فاصلاح الوضع الداخلي شرط ضــــرورة للقدرة علي مواجهة الاستحقاقات الخارجية مع ادراكنا بتداخل الامور مع بعضها البعض احيانا وخصوصا بالنسبة للوضعية الاقتصادية التي هي مرتبطة بالتحديات والاستحقاقات الخارجية.بالنسبة للتحديات الداخلية :1 ـ توحيد الاجهزة الامنية من حيث الخضوع لقرار مركزي واحد والخضوع لاستراتيجية امنية مرتبطة باستراتيجية العمل الوطني.2 ـ ايجاد حل للقوة التنفيذية التي اسستها الحكومة السابقة.3 ـ معالجة الحالات العسكرية والميليشيات التابعة للفصائل الفلسطينية.4 ـ اعادة الاعتبار للقانون والقضاء.5 ـ وضع حد لظاهرة انتشار السلاح بيد الافراد والعائلات.6 ـ وضع حد للتعديات علي الملك العام.7 ـ معالجة التوظيفات غير القانونية وفتح ملفات التوظيفات العشــــــوائية التي جرت في الفــــترة الاخيرة، سواء في زمن حكومة حماس او في اواخر الحكومة السابقة لها، ووضع آلية ومعايير لكل وظيفة او توظيف جديد.8 ـ وضع حد لتفشي المخدرات وكل مظاهر الفساد في المجتمع.9 ـ رد الاعتبار للمؤسسات التعليمية سواء تعلق الامر بمناهج التعليم او تسييس المؤسسات التعليمية وخصوصا الجامعات.10 ـ توحيد الخطاب الاعلامي ووضع حد للتحريض والتعبئة المثيرة للفتنة. وتحييد المساجد عن الصراع السياسي.اما بالنسبة لتحديات الخارجية:بات واضحا ان الرباعية لديها استعداد للتعامل مع الحكومة بحذر وسترفع الحصار بشكل متدرج (حتي قبل لقاء مكة لم يكن الحصار بالصرامة التي يتصورها البعض ) وحتي بالنسبة للولايات المتحدة فان موقفها سيتغير وقد بدات تستعمل لهجة مختلفة، ونعتقد بان شروط الرباعية للاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية سيتم تجاوزها لصالح شرط جديد مرتبط برؤية جديدة للتسوية، حيث سيتم تجاوز الاعتراف المسبق للحكومة الفلسطينية باسرائيل بشرط الالتزام بالهدنة التي تشمل ايضا الضفة الغربية، وحتي بالنسبة لاسرائيل لا مانع لديها من التعامل علي هذا الاساس ما دامت الهدنة ستريحها من تنفيذ الاتفاقات الموقعة التي تلزمها بالانسحاب من الضفة الغربية، فالهدنة بالنسبة لاسرائيل اكثر فائدة واغراء من الاعتراف اللفظي بها، او بصيغة اخري يبدو ان هناك توجها دوليا لادماج حركة حماس بتسوية مؤجلة من بوابة الهدنة بدلا من بوابة الاعتراف كما جري مع منظمة التحرير الفلسطينية، وفي هذه الحالة ستلتقي حركة حماس واسرائيل علي مبدأ الهدنة طويلة المدي، وتأجيل قضايا الوضع النهائي لمستقبل كل طرف له مراهنته الخاصة عليه. ونخشي ان يكون هذا الموضوع احد اسباب تفجر الخلاف ما بين حركة حماس وحركة فتح.كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية