طوْف رئة البحر الموريتاني

حجم الخط
0

طوْف رئة البحر الموريتاني

بدي ولد ابنوطوْف رئة البحر الموريتانيـ1ـقد لا نبالغ إلا قليلا إذا قلْنا إن الحركة الرومانسية العالمية انطلقتْ، في الاصطلاح الأوربي السائد، من الشواطئ الموريتانية، وبشكل أدقّ من جزر حوض آرغين . انطلقتْ لأسباب أقل ما يقال إنها غير رومانسية. انطلقتْ من نفس المكان المدهش بل والعجائبي الذي تُنسب إليه أحداثٌ ومفارقاتٌ ملفتة والذي يَفترض أغلبُ المؤرخين أن الملحمة المرابطية اتخذتْ منه مرتكزها الأول تسعة قرون أو أقل قليلا قبل طفو الحركة الرومانسية التي ميزتْ القرن التاسع عشر علي صعيد الفن والأدب كما طبعتْه بتداعياتها الاجتماعية والسياسية. كانت البداية الرومانسية في عُرْف مؤرخي حركات الفن مع ظهور لوحة الرسام جريكو طوف المديز أو طوف رئة البحر سنة 1819. اُعتبرتْ اللوحة منذ البداية، وقبل أن تعرف التتويج العالمي الذي حظيتْ به تاليا، كبيان للفن الرومانسي ـ وهو المصطلح الذي أطلقه عليها فور ظهورها النقاد الإنكليز ـ كما اُعتُبرتْ في نفس الوقت وبشكل مفارقي كمقدمة رائدة للفن الواقعي. يتأسس عمل جريكو في هذه اللوحة علي حدث محدد زمكانيا هو مأساة ركاب الفرقاطة الفرنسية المديز التي غرقتْ بحوض آرغين صيف سنة 1816 ثلاث سنوات قبل ظهور اللوحة النسيجية. ـ 2 ـتمثّلٌ مأساة سفينة المديز حادثة من أشهر أحداث النصف الأول من القرن التاسع عشر وتلخص بذاتها وبملابساتها أبرزَ جوانب تلك الحقبة. لنتذكر قليلا بعض ملامح الوقائع المعنية من منظور السياق الذي يهمنا هنا. عرفتْ سنة 1816 استعادة فرنسا العاصمة الغرب إفريقية سنلوي والمناطق التابعة لها من المملكة البريطانية. استعادتْها بالمفاوضات بعد أن هُزمت في معركة واترلو الشهيرة أي بعد أن انهارت الأحلام الإمبراطورية النابليونية وبعد أن تم نفي نابليون بونابرت إلي جزيرة القديسة هيلينا وبعد أن ارتدّتْ فرنسا إلي الملكية مع لويس الثامن عشر الذي ساعدتْه العروش الأوربية علي استعادة تاج عائلته انتقاما من الفرنسيين ومن الحروب النابليونية. كان يلزم الملكَ الجديدَ أن يبعث حاكما وطاقما إداريا عسكريا إلي سنلوي وهو ما بدأ تنفيذه أواخر شهر يونيو من نفس السنة عندما انطلقتْ فرقاطة المديز من ميناء جزيرة ايكس باتجاه المدينة السنغالية وعلي متنها الحاكم الجديد وعائلته وعدد من العسكريين والخبراء وعشرات آخرون ممن تملأ خيالهم روعة مستوطنات ما وراء البحار . ـ 3 ـكانت الرحلةٌ تحتَ إمرة الضابط القبطان هيج دي روا دشوماري . تسميتُه كافية في تقاليد الألقاب الفرنسية للتنبيه علي مكانته الإقطاعية وعلي علاقته بمنظومة ماقبل الثورة التي استرجعتْ حينها السلطة وإن بشكل أخف وطأة. علاقة الضابط هيج بالنظام القديم كانت إذنْ عبئا عليه لاسيما أن اقتناع مساعديه أن خبرته ضحلة وأنه لم يترأس عليهم لكفاءته وإنما فقط لعلاقته بالتاج الجديد كان عنصرا كافيا لتأجيج العلاقة بينه وبين بقية أعضاء قيادة السفينة. ثم تراكمتْ الغلطات، خطأ يتلو الآخر وليس لمساعديه أي صلاحية نافذة تسمح لهم بتصويبه رغم أن حياتهم وحياة غيرهم من الركاب ترتبط حينها بقراراته. تراكمتْ الأخطاء وظل القبطان وفيا لإصراره. وعندما وصلتْ السفينة إلي حوض آرغين علي بُعد مائة ونصف المائة كيلومتر عن شاطئ ايمراغن اصطدمتْ بالجزر التحت مائية المتوارية. جزر يبدو أنها كانت معروفة بمختلف تفاصيلها للقباطنة والبحارة. حينها انكشف أن القبطان قد ارتكب في منطلق الرحلة خطأ آخر أشد، خطأ شبيها بما صار يعرف عالميا (منذ الفيلم الذي حمل نفس الاسم) بحالة سفينة التيتانيك التي غاصت هي الأخري في الأطلسي سنة 1912 قرابة قرن بعد الفرقاطة الشقية. فعندما تأكد للقباطنة أن لا سبيل إلي إنقاذ المديز من الغرق وأخذ طاقم السفينة في إخراج زوارق الإنقاذ إذا بها غير كافية لعدد الركاب. تلك إحدي الصدمات. وستليها أخريات. فقد بادر القبطان الرئيس وخص نفسه والشخصيات الرسمية بزوارق الإنقاذ ونصب مع الجنود والبحارة طوفا خاصا بهم علي أن تقوده الزوارق. أما غيرهم من المواطنين العاديين فقد تركهم علي ظهر السفينة المنكوبة يواجهون مصيرهم لوحدهم. ذلك مبلغ فهمه لمهمة القبطان وأخلاقياته. ثم كان علي الزوارق أن تقود الطوف ولكن بمجرد أن بدأتْ تظهر للضابط مشكلة ثقله وبطئه ـ فعلي ظهره مائة وأربعون بحارا وجنديا ـ تخلي عنه وقطع الحبال التي تجره وانطلق بقاربه. أما الجنود والبحارة الذين بقوا في الطوف فلم تختلف كثيرا أخلاقياتهم عن قائدهم. إذْ مع مرور الأيام وهم علي ظهر الطوف التائه ومع انقطاع الأمل في النجاة حكّموا في أنفسهم شريعة الغاب وتملكتهم مختلف النزوات الشريرة والكواسرية التي قد تصيب النفس الإنسانية. كل من استطاع منهم أن يستقوي علي الآخر رماه في البحر تخفيفا أو قتَله ليأكل لحمه. هذا بالذات ما لفت إلي قصتهم الفنان جريكو ليعبر من خلالها عما يمكن أن يصله الإنسان من قبح وعدوانية وما يمكن أن تختزنه النفس الإنسانية من همجية قد تتخفي كثيرا في الظروف العادية خلف الأقنعة الاجتماعية. ـ4ـعندما اكتشفتْ الصحافة الفرنسية النكبة شهرين بعد حدوثها ونشرتْ تفاصيلها للرأي العام اضطر الملك للاعتراف بالجريمة كما اضطر إلي محاكمة القبطان الرئيس وإدانته.أما السفينة الموريتانية التي توهمت يوما أنها ستجد بديلا عن الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا، السفينة التي أبحرتْ ذات يوم من سينلوي لا إليها فلم تجد بعد ملتقي البحرين من يحاكم قباطنتها الذين أغرقوها. رحلنا و أبحرنا حتي صدقتْ فينا رؤيا عرافة سفين أحمد ولد عبد القادر . الذين أغرقوا السفينة ما زالوا طليقي الأيدي بل يطمحون دون رهبة أو خجل أن يعاودا الكرة. لنتأمل مرات طوف رئة البحر لنري البشاعة لا الرومانسية، فالكواسر البشرية ما تزال في هذا المنكب تنهش بحرا وتنهش برا وما بينهما وما تحت الثري. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية