ثار جدل كبير حول الثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون في معركتهم الأخيرة التي لم تنته فصولاً بعد، لكن هذه المعلومة المعروفة تم تناولها والتلاعب بها وتشريحها ضمن منظورين أساسيين متناقضين:
يُجمع أصحاب المنظور الأول على تحميل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل المقاومة الأخرى مسؤولية سقوط الضحايا من قتلى وجرحى وأسرى وتدمير البنية التحتية وتحميل الشعب الفلسطيني، وخصوصا الساكنين منه في قطاع غزة، ما لا طاقة لهم على احتماله، وهم الذين عانوا من وطأة عدوانين سابقين عام 2008-2009 و2012.
ويستدعي هذا الرأي إدانة حماس والفصائل المقاومة بسبب «استجرارها» إسرائيل لمهاجمة قطاع غزة رغم أن «موازين القوى» العسكرية تميل بشكل ساحق لصالح تل أبيب، وهو أمر، برأي بعض هؤلاء يشكل هزيمة عسكرية لا سياسية فحسب، لأنه يعيد تكرار المأساة الفلسطينية المرة تلو المرّة، دون تغيير حقيقي في أوضاع الفلسطينيين، باستثناء نكباتهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية كل بضع سنين.
فيما يرى أصحاب المنظور الثاني أن «حماس»، والفصائل الفلسطينية المقاومة، والشعب الفلسطيني من ورائها، لا يفعلون غير الدفاع عن أنفسهم أمام عدوّ لا يجد تعريفاً لنفسه إلا بإعادة تكرير كرهه للفلسطينيين، وسلبه معنى وجودهم باعتباره نفياً لوجوده؛ وبانتهاك حقوقهم، ومحاولة كسر إرادتهم كشعب.
يساند أصحاب منظور إدانة «حماس» محور إقليميّ قديم – جديد أربكته محاولات التغيير العربية الكبرى، التي بدأت عام 2010 مع ثورة تونس وما لحقها من ثورات، وخلخلت أركانه، وخلطت الأوراق التي كان يلعب بها، ويجوز الأمر نفسه على «حماس»، كبرى فصائل المقاومة الفلسطينية، التي أربك الحدث العربيّ الهائل تحالفاتها القديمة ووجدت نفسها أمام استحقاقات سياسية وعسكرية لم تتوقعها.
أهم هذه الاستحقاقات بالتأكيد هو الاستحقاق الجغرافي (والسياسي – العسكري بالتالي) المتمثّل بوجود قطاع غزة بين إسرائيل العدوّ الوجوديّ، ومصر «الشقيقة»… ولكن التي أعلنت حكومتها جماعة «الإخوان المسلمين»، تنظيماً إرهابياً، وهو ما انسحب بالتالي على حركة «حماس» التي تعرّضت لوابل من التجريم والإقصاء، وكان أن انعكس ذلك على كل سكّان قطاع غزة، فيما يشبه عقاباً جماعياً لهم، وكذلك على سكّان سيناء الذين كانوا يعتاشون على اقتصاد الأنفاق بين البلدين.
والحال أن فكرة «موازين القوى» هي من الأفكار التي تعيد في كل عصر وحقبة تبرير الجبروت والطاغوت والعمل على إحباط المهانين والمذلولين والمساكين وإقناعهم بالقبول بالأمر الواقع وتستهزئ بمقاومتهم ومحاولة تغيير أوضاعهم، وهذه الفكرة لو صحّت لما بادت الإمبراطوريات الكبرى ولا سقطت مئات الدول المدججة بالأسلحة والعتاد والجنود.
يتناسى بعض اللاعبين الأقوياء في عالم اليوم، مثل رؤساء أمريكا (مثلاً) أن دولهم كانت غير موجودة يوما ما، وأن بنيانهم المتسامق والمرصوص الذي يسمح لهم الآن بالاستهزاء بحماس والفلسطينيين، بدأ من فكرة بسيطة جاء أوان تحقيقها فتحقّقت رغم «ميزان القوى» الذي كان يميل آنذاك للإمبراطورية البريطانية.
والحقيقة أن «ميزان القوى» التاريخيّ بدأ يميل لصالح الشعب الفلسطيني رغم تجزئه في الضفة وغزة والداخل وبلدان الشتات والاغتراب، لسبب بسيط هو أنه ما زال يقاوم، وفي مقاومته يدافع عن وحدته في كل مكان، ويكشف الوحشية اللامحدودة لفكرة إسرائيل نفسها.
وهو، بالمناسبة، يدافع عن سلطة رام الله، وحكومة الوحدة الوطنية، أكثر بكثير مما يدافع عنهما من يفترضون أن المقاومة الممكنة الوحيدة هي بمفاوضات تلد مفاوضات، فيما 750 ألف مستوطن يحتلّون الضفة والقدس.
حين نفكر بضحايا الشعب الفلسطيني في هذا السفر الجديد من الملحمة الطويلة نشعر بالأسى والألم من الثمن الباهظ للحرية المنشودة، ولكننا نستمسك بفكرتها العظيمة التي نرى بعين التاريخ القادم أن أوانها قد جاء.
رأي القدس