كيف يناقش المثقفون تعديلات دستور لا يلزم حاكما؟
محمد عبد الحكم ديابكيف يناقش المثقفون تعديلات دستور لا يلزم حاكما؟ سأل محدثي: لماذا لن تبدي اهتماما بالتعديلات الدستورية، المقترحة من جانب حسني مبارك، وأنت تعرف أنها أثارت ضجيجا وسجالا بين مؤيد ومعارض، وبين من هو لا هذا ولا ذاك، أي غير مكترث؟ قلت: إن سؤالك ترد عليه أسئلة عديدة، منها: متي احتاج حسني مبارك لدستور كي يهتم بتعديل بعض مواده ونصوصه؟ أليس هذا الدستور هو الذي نص علي أن القطاع العام هو ركيزة التنمية.. أين إذن القطاع العام؟ من باعه وكيف؟ ولمن وأين ذهبت موارده وأمواله؟ هل جاءت تصفيته التزاما بالدستور، أم خروجا علي نصوصه وروحه؟ من الذي يحتاج التعديل والتغيير.. الدستور.. أم حسني مبارك؟ وأين هو الدستور من تنصيب حكومة موازية، تم عن طريقها نقل صلاحيات الحكم إلي الإبن والزوجة، فبسطا سيطرتهما ونفوذهما علي ماضي مصر وحاضرها ومستقبلها.. أين كان الدستور ومبارك يحول الرغبات العائلية إلي قرارات سيادية، يدفع المصريون ثمنها غاليا، فقرا وموتا ومهانة؟ ما هي المواد والنصوص الدستورية التي اعتمد عليها حسني مبارك لجعل حكومة الابن الموازية بديلا للحكومة الفعلية، والإبقاء علي الحكومة الفعلية كسكرتارية خاصة رهن رغبات العائلة ؟ لماذا تذكر حسني مبارك الدستور الآن؟ ومن الذي انتهك نصوصه ومواده كما انتهكت أعراض الرجال والنساء، داخل مراكز الأمن والشرطة، وعلي مرأي ومسمع من الناس وأجهزة الإعلام؟ ومن الذي غلّب الإرادة العائلية علي إرادة الشعب، المفترض فيه أنه مصدر السلطات؟ دلوني علي نص دستوري أو عرفي أو ديني أو أخلاقي، يسمح لشخص واحد وعائلته أن يستبيح لنفسه ممارسة هذه الأفعال التي تشين الجماد قبل الحيوان والإنسان؟ وما هو النص الدستوري الذي يعطي الحق لكيان لقيط اسمه لجنة السياسات، أو أمانة السياسات، أو المجلس الأعلي للسياسات، أن تكون في يده كل هذه السلطات والصلاحيات.هل وجد حسني مبارك فيما فعل من أخطاء واقترف من خطايا حرجا دفعه إلي تعديل بعض مواد الدستور، الغائب، ليكون أكثر حضورا؟ وهل هذا ممكن، وابنه هو الذي أعطي التعليمات بهتك أعراض البنات والزوجات والأخوات والأمهات، في وضح النهار، وعلي قارعة الطريق، في تحد غير مسبوق؟ لماذا لم يحاسب، أو علي الأقل يحقق معه، فيما هو منسوب إليه، وهناك شهود علي ذلك؟ ألم ينقل إليه مساعدوه ما كان يقول لبلطجية الحزب الحاكم، إذا ما أخذ رأيه في التصرف مع المختلفين أو المعارضين. كان يقول: بالجزمة ؟ ألا يستحق هذا اللفظ وحده رفع كل نعال مصر علي من قاله، من شرقها إلي غربها، ومن شمالها إلي جنوبها، إن من يثبت عليه مثل هذا القول يوصف في الأدبيات العامة أنه غير متربي ، والشعب كفيل بتربيته؟ هل هناك نص دستوري يؤسس لحكم بوليسي، شديد الانحطاط، كما حال حكم مصر؟ من الذي أقام هذه الدولة، ونقلها من طورها الفاشي إلي حالتها العائلية الراهنة؟ ومن الذي أعطي لمنظومة الاستبداد والفساد والتبعية صلاحية التحكم في مفاصل المجتمع وأعصابه؟ هل تجاوزت قيمة الأوراق التي كتب عليها الدستور قيمة أوراق الحمامات ودورات المياه (أوراق التواليت). كيف يعدل دستور لم يبتعامل معه حسني مبارك إلا كممسحة لقاذورات وفضلات حكمه؟ والمعتقلات المفتوحة، عرض مستمر، علي مدار الساعة، ومذابح وسلخانات الشرطة ورجال الأمن.. هل هناك دستور يسمح بها؟ ولو أن ما يصرف علي الأعمال الشيطانية، غير الدستورية، يضخ في قنواته الصحيحة لأضحت مصر واحدة من أغني دول العالم وأكثرها تقدما؟وذكرت لمحدثي: أنت وأنا وغيرنا آلاف ندعي أننا شعب لماح وسريع البديهة ومحب لبلده.. كيف غاب هذا ونسمح بالمشاركة في لعبة مميتة، تشبه الروليت الروسي ، لو فلت المرء مرة قد لا يفلت من الثانية؟ هل نحن شعب قابل للخديعة، أم أن قابليتنا للاستبداد أكبر من طاقتنا علي مقاومة المتحكمين في الأعناق والأرزاق؟ أيمكن أن نبرئ أنفسنا من خطيئة المشاركة في الزفة الكدابة ، وجريمة شهادة الزور، ونحن نشاهد اغتصاب وطن وشعب أمام أعيننا، وأبرأنا ذمتنا بالكلام عوضا عن الفعل؟ كيف صدقنا الادعاء بأن الدستور في حاجة إلي تعديل، وليس إلي تغيير وتجديد، عن طريق جمعية وطنية تمثل كل فئات الشعب وقواه وتعبر عن مصالحه؟ لن تمنح التعديلات حسني مبارك أكثر مما أخذ؟ هل ستمكنه من أن يكون أكثر سحلا للقضاة، بهد أن جعلهم عبرة، ومنهم من صار طوع بنانه، ومستعد لتزوير الانتخابات القادمة؟ كيف يعدل دستور من أجل أن يحول حماة العدالة والقانون إلي خدم في بلاط الحاكم؟ هل يسمح دستور في العالم لمسؤول أيا كان حجمه ومستواه، أن يهدم ويقوض سلطة من سلطات الدولة، ألا وهي سلطة القضاء؟ أي دستور هذا الذي تتخصخص في ظله سلطة التشريع، وتنتقل من سلطة للشعب إلي سلطة لحفنة من رجال الأعمال، ومكتب تشريعي خصوصي لـ عائلة ؟ من الذي ألغي النظام الجمهوري وانتكس بمصر قرونا إلي الوراء.. إلي حكم السلالة والعائلة والعشيرة؟ الدستور لم يلغ التزام الدولة في التعليم والعمل والصحة والرعاية الاجتماعية والسكن، ألم يلغ حسني مبارك كل هذا، دون التفات إلي دستور أو مصلحة عامة؟ من الذي دمر البني التحتية، وجرّف الأرض، ولوث البيئة والموارد المائية، ونشر الأمراض والأوبئة، وأودي بحياة الأبرياء.. علي الطرق، وفي القطارات، وعلي متن البواخر والسفن؟ من الذي أهمل المواصلات العامة، وحولها إلي مسالخ وأفران ونعوش متحركة.. تهدر آدمية المواطن علي مدار الساعة؟ والنصوص التي تضمن توفير الخدمات العامة، لماذا لم يعمل بها حسني مبارك، بدلا من تكريس جهده في خدمة حفنة محدودة للغاية.. يمنحها القلاع والقصور والحصون والمستوطنات، علي حساب مئات الآلاف غالبيتهم بلا مأوي، في العشوائيات والمدافن والشوارع والمساكن المهدمة والمهجورة؟ من الذي لم يستجب لأحكام القضاء القاطعة بعدم صلاحية 157 عضوا بمجلس الشعب ممن نجحوا بالتزوير؟لقد سألنا مرارا: لماذا بادر حسني مبارك بممارسة عمل هو ضد طبيعته.. ألم يكن هو صاحب سياسة التجميد، لكل شيء بما فيه الدستور، وألم يكن هو وراء نشر نظرية التصقيع ، بشراء الأرض والعقارات، وتركها لمدد طويلة حتي تتم المضاربة عليها وتضاف أسعارها عشرات ومئات المرات؟ هل هي صحوة دستورية .. أم صحوة موت يخيم علي البيت الحاكم ، وبدا شبحه ماثلا، يوم الأحد الماضي، عندما سقط حسني مبارك مغشيا عليه، في شرم الشيخ، وترتب علي ذلك الإسراع في الاستفتاء، وتقديم موعده، عن الموعد المقرر سابقا، والتعجيل بزواج جمال مبارك بأسرع وقت ممكن؟ هل التعديلات ترفع من قدر مصر وشعبها ودوره، بعد أن تصهينت إدارتها وسياستها واقتصادها وأمنها، ألا ينص الدستور علي أن مصر جزء من الأمة العربية؟واسترسلت مع محدثي قائلا: أرجوك اخرجني من زمرة المعنيين بالتعديلات الدستورية.. هذا شأن آخرين غيري، وما أرجوه أن أكون علي خطي البسطاء من ذوي الفطرة السليمة، ولأني وجدتهم غير مكترثين بهذه المسرحية العبثية، فأنا علي دينهم، وليبق الآخرون، إذا أرادوا، علي دين ملوكهم. والخلاصة أن عائلة مبارك في حاجة إلي فرض الإذعان علي المصريين، عن طريق هذه التعديلات الشاذة، تحت تصور أنها تمكنها من تصفية القوي الرافضة لحكمها وتحكمها، وتكون وسيلتها لتقنين وضع الإبن كرئيس رسمي للدولة، وسلاحها الذي تشهره في وجه المتصدين له، راهنا ومستقبلا.وفي الوقت الذي نثني فيه ونثمن دور القوي الرافضة والمطالبة بالتغيير، لا نستطيع أن نغفل ما جري بين المعارضة البرلمانية، وهي تكتفي بالاحتجاج والانسحاب من الجلسات، فأضفوا بذلك وضعا ديمقراطيا علي عمل لا يمت للديمقراطية من قريب أو بعيد، إنها مذبحة دستورية ، خطط لها الإبن وتحمل مسؤوليتها الأب، وكان الحد المطلوب والمقبول هو الاستقالة، وترك مجلس الشعب لموالي الحكم ومرشدي الأمن. وقيل في تبرير عدم الاستقالة أن نواب الإخوان المسلمين، وهم الكتلة الأكبر في المعارضة البرلمانية، يخافون الاعتقال، إذا ما رفعت عنهم الحصانة. وكأنهم في مأمن من الاعتقال، حتي وهم تحت قبة المجلس، ومن المؤكد أنهم سيعتقلون فور حله، بعد الاستفتاء. ومن قال انهم ليسوا كذلك حاليا.. صحيح أنهم ينامون في بيوتهم، خارج المعتقلات الرسمية، لكنهم محاصرون من كل جانب، ولا يختلف الوضع بالنسبة لباقي المستقلين والحزبيين المعارضين.. إنها دورتهم الأخيرة، ولن يسمح لأي منهم الاقتراب من باب المجلس مرة ثانية. ولن تمر أسابيع حتي نراهم موزعين بين معتقل ومحاصر وملاحق، أو خاضع لقانون الإرهاب الجديد. وهذا يعني أن الخروج بكرامة وبقرار ذاتي أفضل من الطرد المهين. وليكن الأمر بيدي لا بيد عمرو .ومن المتوقع، بعد يوم الاثنين الأسود القادم، أن ينتقل حال مصر من حال الدولة إلي حالة الشركة العائلية ، وفي التجارة كل شيء يشتري بالمال ومعروض للبيع وقابل للتسليع، لا فرق بين بشر وحجر وشجر ومبان وخامات. والمهم أن هذا العرض العبثي يمهد لما يعرف في السياسة الصهيو أمريكية بـ الفوضي الخلاقة ، وهي في حقيقتها ليست إلا فوضي خناقة ، يتولي الابن التهيئة لها، مبررا للتدخل الخارجي المباشر في الشأن الوطني والداخلي. وأخيرا لا يمكننا وصف الموقف الشعبي بأنه سلبي إلا عندما يحجم الناس عن النزول إلي الشارع.. فالحاجة ملحة لتدريب عموم المصريين وتعويدهم علي الخروج والاحتجاج والتظاهر والإضراب، ونشر ثقافة العصيان المدني، الذي لا طريق سواه من أجل أن تنقشع الغمة، بعد أن سدت الأبواب والمنافذ، بالدستور وبغيره، ولا عزاء للمتفرجين.9