الاقتصاد الشعري ولعبة الاحتيال علي المسميات قراءة تفكيكية في (حصيلتي اليوم قبلة)

حجم الخط
0

الاقتصاد الشعري ولعبة الاحتيال علي المسميات قراءة تفكيكية في (حصيلتي اليوم قبلة)

خضير ميريالاقتصاد الشعري ولعبة الاحتيال علي المسميات قراءة تفكيكية في (حصيلتي اليوم قبلة)يصبح النثري أكثر شاعرية عندما يقترب من التفاصيل وينافس النثري السردي في امتلاكه (الصورة ) والعبث الشخصي في اعادة رسم المسميات،والاساءة اليها ما أمكن، لم يكن رامبو مازحا عندما تكلم في رسالة الرائي عن تخريب الحواس وهذا يعني التنصيص علي المفردة النثرية من الداخل /شحذ المخيلة وحلب الاستعارات البلاغية وعمل حسية لغوية خاصة لها أكثر من واقعيتها المقيتة التي تعرض الشعري الي الانقراض والأجدي حسب رامبو هو خلق كيمياء للعبارة /استدراج الدلالة الي فخ المرآة الشائهة /لا يوجد نقاء في الشعر. الشاعر وحده هو الذي من لحم ودم وما عدا ذلك فهو كما قال شكسبير كلمات …كلمات …كلمات.من الكلمات يأتي لنا هذا العالم وبالكلمات يخرب ويجمل ويعاد التفكير فيه ولعل ما يوفره الشعر (المنثور أو الموزون ) لا فرق هو كمية من الدهشة واللعب الفني بالكلمات ولكن في حدود الرائي تكون الكلمات موحية، مركزة، ومشحونة بالغياب لا بالحضور الكمي الذي توفره الرواية أو القصة الأدبية.الاقتصاد الشعري ولعبةالاحتيال علي المسميات هو الدليل القرائي الي مسميات نصوص الشاعر أشرف يوسف (حصيلتي اليوم قبلة) دار شرقيات للنشر والتوزيع2007 القاهرة.ولعل ما يمنح هذه النصوص حريتها الذاتية وتلازمها الخاص مع منظورها الجمالي هو اللمسة الساخرة التي يقتطعها الشاعر في الدليل الجانبي الذي يفتتح النصوص علي طية الغلاف الأول. يقول الشاعر:(كم مرة قلت انكم أصدقائيلا أدري كم مرةهل سمعتم عن وردة ضاجعتنيوفشلت أن أكون شاعرها العظيم؟كانت لو تهوي تستحيل زغبالا يلبث أن يصير مثل أبخرةغائمة ومبللةتلمسني فأهرع لالتقاطها بين أسنانيألمسها فتشيخ)واذا كان صحيحا أن فنية الشعر اليوم في ملاعبة النثرية الواسعة تستطيع أن تفرز ناموسا معينا لعمل الشعرية فان ذلك الناموس سيكون اعادة خلق المسميات واحداث خروقات فيها، فالوردة التي يرتأيها الشاعر أشرف يوسف امرأة ثم يمنحها زغبا لطائر حسب لو انها أرادت ستكون قادرة علي لوي وطي الدلالة المباشرة للمفردة في سياقها اللغوي البراغماتي الأصل، وسيكون العمل علي تصوير الدلالة بواسطة نزعها من استراتيجية التسمية حسب المفكر العربي (مطاع صفدي) هو المعيار الفني لقراءتي لهذه النصوص.واذا كان نص (تلغراف) هو المفتتح الأول لمجموعة نصوص هذه المجموعة فانه في واقع الحال دليلها الأكبر في زمن القراءة وآلياتها وانفعالاتها اللاحقة، فهي برقية حقيقية اتخذت شكل الايجاز والتكثيف حين تأتي العبارة الشعرية اجابة علي رسالة لم يطلع عليها القاريء:(ردا علي رسالتك الأخيرةأنا شخص فارغ يا أمي) ص 9ثم سرعان ما يقدم النص تبليغا لا يخلو من سخرية لواقع ما يراه (هو) في عين أحاسيسه الخاصة وانثيالاته الذاتية وهو نوع من نزع اعتبارات اخلاقية من رابط سري يحيل الي معني أكبر هو الفراغ الأنطولوجي الذي يسجن الكائن في داخله دون ارادته فتصبح الأم منفذة للسجن وقائمة عليه:(عشت سجينا لقبلة في فميالي فراغ يمجدنيوفي مقطع آخرهكذا يتحلل سجنك الأبدي الي معني يربطني بك)ويكون المعني انثيالا آخر للانزياح عن المواجهة أو المطابقة الواقعية مع المفهوم المعتاد عن الأم في وجودها الطبيعي ذلك أنه يستعيد ملفوظه السري عن الوردة والقبلة في المقطع الختامي(أيتها الوردة الذابلة التي ضاجعها أبي )ص10وسرعان ما يتعالي المفهوم النصي ليشمل المكون الدلالي الأبعد كما في المقطع الأول من (كينونة):(في البدء كانت القبلة مصنعا للرجالينادونها فرادي وجماعاتعبيدك نحننحب اسمك ونحب أن يتهجاه الآخرونبحرا بحجم المدن الصغيرة) ص 13ويستعيد الشاعر هنا المعني الأصل في متنه الدلالي داخل مفعول صوري وانساني أكبر مستعيرا لغة المزامير ومستبدلا القول المقدس المعروف (في البدء كانت الكلمة )الي مسماه المقول الخاص(في البدء كانت القبلة).وبذلك يتمم الانزياح دورته حين يصبح المعني اعادة لخلق الدلالة وليس استبطاناً لها قد تفتح لنا الأدوات اللفظية للمرآة اللاكانية آفاقا أخري في استنطاق هذه النصوص علي ضوء العقد أو التراكيب النفسية التي تنطق بنفسها من خلال الشاعر(الأم والأب والابن المركب منهما) ولكن لا تقدم هذه الكشوفات اضافة الا للمضامين بينما نريد نحن أن نفكك عمل الشكل وأن نقرأ عوامل التعرية والهدم اللفظي في نصوص دقيقة جدا ومتعوب عليها.وعندما نريد أن نصغي الي كمية أخري من الانحراف عن المسمي فان ما يقوله هذا النص بعدا آخر:(قلت يكذبون عليكلأنهم لا يستطيعون أن يعلموك أن تكون انساناهل أنت حقا وريث ذاتك؟) ص 17حيث يصبح الانساني/البديهي الانساني المشكوك به /الضالع في الأكاذيب/ الذي سيرسم له الشاعر مسمي جديدا ومثيرا:(سمعت أنني سلعة معروضة للبيع أينما سأرحل زمني غزير اليأسيهبط الشعر فيه لا مفرفهو قلب البصلة يبكي لأجله حاملو السكاكين) ص 17وهكذا يكون الحياتي والمعيش بدوره اعاقة في نوع من الضمّ النثري يشبه فيه الشاعر قلبه وزمنه بالبصلة التي تبكي عليها العيون كذبا وهذه المفارقة ستطال غالبية مقطعيات هذه النصوص فتكون حزمات أخري من الضوء الدلالي قابلة لأن تنوع العزف علي المغايرة اللفظية واعادة انشاء المسمي كما في المقطع التالي:(بأكثر من ذاكرة للغدحصيلتي اليوم .. قبلةسأهبك اياها من كبائن التليفون المنتشرة علي الطريق الذي يمر بسفارة العدو الأمريكي)ص21ولولا المباشرة في هذا النص ووضوح الدلالة فيه كونه نصا يتفاعل انسانيا وقوميا مع مأساة العراق لكان النص أكثر دربة في تفخيخ المفارقة ونزع المسميات النفعية عنها وهي حاملة لمشاعر ثورية مشروعة الا انها لم تكن في صلب البناء الغرائبي لأعمال نصوص هذه المجموعة والتي سنعثر فيها علي ذاكرة بصرية لا تخلو من سردية ذكية كما في المقاطع التالية:( في حيز البارات الرخيصة بوسط البلد) ص 33(أيامه معيمحاطة بغرفتين وصالة)ص34( وأنا قابل للطي كالجرائد الملقاةمن نافذة قطار المحافظات الذي يمر بالقري ) ص 35ويقدم الشاعر رؤيته الرامية الي نزع التسميات والتعالي الي جمالياته الفنية (الشعرية الهادمة من أجل الخلق في مقطع قائم علي السخرية من المسميات(واعتدت علي تسمية الأشياء بغير أسمائهاأسميت الوردة وردةوالأوقات الحالكة أوقاتا حالكة ) ص37ولكن هذه اللعبة هي اعتراض علي واقع التسمية وتذمر من الثبوت فيها حين يتدارك الشاعر في المقطع التالي:(من الآن فصاعدا أعلن ضعفي في هذه المدينة المثبتة بحذاء في قدم) ص37ويتفاقم الحس النشيدي للشاعر أشرف يوسف عندما يبتهل الي الحرية متأسيا وحالما ومجروحا تلك الحرية التي ينعتها بـ (صانعة الأكفان ) مستعيدا ومضادا لرؤية الشاعر الكبير بول ايلوار الذي تغني بقصيدة طويلة معروفة عن الحرية(هل أنت رسالة سماوية أم صفة من صفاتالعبيد الجدد أم مرآة تقول للأعمي : أنت أعمي) ص42ويذهب الحس الثوري الساخر في عوالم هذه المجموعة الي مناجاة أخري تنوع دلالاتها وتتطلع الي مسميات أخري جديدة حين يصرخ الشاعر في الشعراء قائلا:(يا شعراء العالم اتحدوا) ص45وهو يفضي الي انكسارات خاصة واحباطات رؤية ضاعت من يد الشاعر نفسه أو من أعمار جيله وناسه.وسيكون ممكنا أن نتحدث عن نص صادم وناقم وغير مستساغ عمدا كما في نص (خطوط فاصلة) ص51وهو نص مركز يحمل تمردا فوضويا وشيئاً من السريالية البذيئة التي يكملها في نص (لعبتي المفضلة) التي يستعير الشاعر فيها مشاعر عربة سيارة ويتماهي فيها لتكون نصا جميلا جديرا بالقراءة والتأمل لينتهي الشاعر بالنيل من أبيه بنص صريح وقاس يعطي لنصوص هذه المجموعة تنوعا كبيرا داخل كتاب صغير استطاع أن يخلق تسمياته الخاصة ويدرب القارئ علي طعم جديد آخر للنثرية التي جف ضرعها أو يكاد وابتعدت عن مهارات المتعة والصورة المؤثرة النشيطة فكان لنا في قصائد أشرف يوسف دهشة أخري لا يمكن نكرانها.كاتب من العراقQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية